ثمانية وسبعون عاماً على نكبة عربية وقرابة ثلاثة أعوام على طوفان غزاوي؛ والجرح الفلسطيني لم يندمل، فما بين "النكبة48" و "الطوفان23" قصة شعب ثائر يسعى لحرية وطنه المُغتصب في محيط الخذلان والهوان، التي أرادوا لها أن تكون النهاية بإستقلال كيانهم الغاصب إلى بداية ثورة تطالب بحقوقها والعيش على أراضيها، فصارت في يقين الواقع البداية، ثمانية وسبعون عاماً من الإبادة، والمجازر، والمذابح، والتهجير، والقتل، وتدمير البيوت، والاغتيال، والاعتقال، لكنهم لم يُدركوا أنهم يهدمون الحجر ويبنون في قلوبنا وطناً لا يقبل القسمة ولا النسيان، الشعب الفلسطيني متمسك بعقيدته ومبادئه وأهدافه وصولاً إلى التحرير، والطوفان الذي قلب موازين العالم بصفعة تاريخية تُنذر بقرب زوال الكيان الصهيوني المغتصب للأراضي الفلسطينية ذلك السرطان المتجذر في منطقة الشرق الأوسط الذي يسعى للإعلان عن الدولة العبرية من النيل إلى الفرات حسب زعم الصهاينة التي لم ترى نور الثمانيين من عمرها بأمر الله تعالى، فإن نكبة عام 1948 لم تكن مجرد محطة عابرة في التاريخ، بل هي اختبار لإرادة لا تنكسر، ورغم كل محاولات التغييب، ورغم تكالب الأمم واجتماع القوى الظالمة لإطفاء شعلة ثورتنا، تظل الحقيقة الساطعة كشمس القدس، فلسطين باقية، والثورة الفلسطينية مستمرة كنهرٌ هادر لا ينضب، قد يهدأ أحياناً لكنه لا يتوقف عن التدفق نحو الحرية، لأن حجر الأساس في عقيدة المعركة اليوم هو الثبات والصمود والشعب الفلسطيني رغم التضحيات والجراح وسيل الدماء وإرتقاء الشهداء إلا أنه حافظ ببقائه على أرضه رغم المصير المجهول والمستقبل المأمول؛ وأقسم هذا الشعب عهداً مع العظيم ووعداً مع الأحرار وعودة إلى الديار، فلن يرحل الشعب إلا شهداء أو نصر وتمكين، فكل شبرٍ في هذه الأرض هو حضن دافئ، والبقاء فيه هو أولى خطوات النصر في الوطن الكافئ؛ ستتحرر فلسطين، ليس لأننا نتمنى ذلك فحسب، بل لأن الحق لا يموت ما دام خلفه شعبٌ آمن بأن الأرض هي العرض، وأن العودة ليست مجرد حُلم، بل هي قدرٌ محتوم.
🔹"النكبة الفلسطينية" أول الحروب العربية الفلسطينية مع الاحتلال الصهيوني، دارت عقب إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وإعلان استقلال كيان الاحتلال، منتصف مايو/أيار 1948، نشبت الحرب على أرض فلسطين بين كل من (الأردن ومصر والعراق وسوريا ولبنان) ضد المليشيات الصهيونية المسلحة في فلسطين والتي تشكّلت من (البلماخ والإرجون والهاجاناه والشتيرن والمتطوعين اليهود)، وأودت بحياة آلاف المدنيين الفلسطينيين، وانتهت بهزيمة العرب، فأطلقوا عليها حرب "النكبة" ومكثت مدة (9 أشهر و3 أسابيع ويومين)، ومن أهم نتائجها/ تفوق صهيوني بدعم بريطاني، إحتلال فلسطين وهزيمة عربية، وتهجير الفلسطينيين من بلادهم وفشل إستراتيجي للجامعة العربية، توقيع هدنة عربية 1949.
بينما "الطوفان" حرب جارية بين الفلسطينيين والاحتلال منذ أكثر من (عامين و7شهور)، وربما تكون آخر الحروب قبيل الزوال، حرب مارس فيها الاحتلال الإبادة الجماعية والعدوان الممنهج ضد البشر والحجر والشجر وسياسات الأرض المحروقة وحنبعل وجز العشب ضد أهل غزة، واستخدام فيها الاحتلال وسائل الحصار والتجويع والغلاء والاستغلال والفوضى والفلتان والمليشيات العصابية منذ بداية حرب طوفان23، ومن أهم نتائجها/ صفعة تاريخية للمشروع الصهيوني وفشل صهيوني أمريكي، انجازات كبيرة للمقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة واعتقال مئات الجنود والمستوطنين من مستوطنات غلاف غزة، تقدم في إبرام صفقات تبادل الأسرى، إعادة احتلال نصف مساحة غزة، نزوح الناس لحدود فلادلفيا، توقيع هدنة فلسطينية 2025.
🔹الاحتلال يعيد أحداث النكبة مع أحداث الطوفان أو (السيوف الحديدية) كما أطلق عليها الاحتلال، حيث تم تحديد هدنة لمدة أربعة أسابيع، لوقف القتال في حرب48 وعلى الرغم من حظر التسليح أو إرسال أي قوات جديدة لجبهات القتال فإن الاحتلال لم يلتزم بهذا الشرط، وسعى لتعويض خسائره، وانهالت عليه الأسلحة بصورة ضخمة وخصوصاً الطائرات، كما تطوع كثيرون من يهود أوروبا للقتال، وخرق الاحتلال الهدنة، تحت مسمع ومرأى من الأمم المتحدة، وزحف جنوباً لتوسيع رقعة الأراضي التي احتلها وتطويق الجيش المصري المتمركز بها، وإضعاف الجبهة الجنوبية التي كانت تقترب من تل الربيع، واستأنف الجيش الصهيوني القتال في جميع الجبهات رغم محاولات الأمم المتحدة تمديد الهدنة، ومع انتهاء الهدنة اتخذت المعارك مساراً مختلفاً، وتعرضت القوات العربية لسلسلة من الهزائم مكنت الاحتلال من بسط سيطرته على مساحات واسعة من أراضي فلسطين التاريخية، فيما توقفت الحرب بعد تهديدات من مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات قاسية على طرفي الحرب وقد قبل العرب الهدنة الثانية، وكان هذا القبول بمثابة اعتراف بالهزيمة، حيث انتهى القتال بعد أن استولى الجيش الصهيوني على معظم منطقة النقب وطوق القوات المصرية التي كانت موجودة فيها ثم بدأت المفاوضات في جزيرة رودس اليونانية حيث توسطت الأمم المتحدة بين الاحتلال الصهيوني من جانب، وكل من (مصر والأردن وسوريا ولبنان) من جانب آخر في الفترة ما بين 24 فبراير/شباط و20 يوليو/تموز 1949 حيث تم التوقيع على إتفاقيات الهدنة الأربع، وفيها تم تحديد الخط الأخضر، وكان مجلس الأمن قد أوصى بقبول كيان الاحتلال عضواً كاملاً في الأمم المتحدة، فالتاريخ يعيد نفسه والاحتلال يطمع في تحقيق الأهداف ذاتها من النكبة إلى الطوفان من خلال ما سبق والأحداث متشابهة في كلاهما وتنحصر نقاط التشابه في النقاط التالية:
✓العامل المشترك هو عملية النزوح ومحاولة التهجير في (حرب48 و طوفان23).
✓خرق الاحتلال الهدنة، تحت مسمع ومرأى دول العالم والمنظمات الدولية في حرب نكبة48 وحرب طوفان23.
✓عدم الالتزام بالشروط ومواصلة الخروقات للاتفاقيات الدولية ضارباً عرض الحائط لكل المواثيق الإنسانية والعهود الدولية والإقليمية منذ إعلان كيانه.
✓إنتهاء القتال في حرب نكبة48 بعد السيطرة على معظم أراضي النقب بينما انتهى القتال في حرب طوفان23 عقب السيطرة على معظم مناطق قطاع غزة.
✓تحديد الخط الأخضر في حرب نكبة48 والخط الأصفر ثم البرتقالي في حرب طوفان23.
🔹عاني اليهود الصهاينة في بداية حرب النكبة عند دخول الجيوش العربية مندفعة لعمق الأراضي الفلسطينية، ولكن الصهاينة سُرعان ما سيطروا على الأمور وأخذوا زمام المبادرة العسكرية من العرب وتمكنوا من تحقيق انتصارات هامة وسهلة أحياناً، كإحتلال مناطق اللد والرملة والقدس والنقب وباقي الأراضي الفلسطينية، لقد قاوم الفلسطينيون بضراوة وبكل ما يملكون من قوة، فهناك في كل قرية ومدينة قصص بطولية وتضحيات وحكايات مؤلمة نتيجة إنعدام المدد والذخيرة العسكرية وسُوء إدارة المعركة من الجيوش العربية ومن أبرز النتائج الهامة على الفلسطينيين مقارنة بين حرب نكبة48 وحرب طوفان23 وهي:
احتلال اليهود 77٪ من الأراضي الفلسطينية المقام عليها الكيان الصهيوني خلال حرب نكبة48، بينما احتل اليهود 56٪ من أراضي قطاع غزة خلال حرب طوفان23.
إرتكاب اليهود 34 مذبحة ومجزرة وأجبروا ما يزيد على 800,000 فلسطيني على النزوح من أراضيهم والهجرة للخارج وترك ديارهم وبلادهم خلال حرب نكبة48، بينما ارتكب الاحتلال آلاف المجازر والمذابح الصهيونية بحق المدنيين الأبرياء وأجبروا عن ما يزيد من مليون فلسطيني ينزح لخط فيلادلفيا على الحدود المصرية خلال حرب طوفان23.
توقيع إتفاقية الهدنة مع الدول العربية تباعاً، (بدءاً من مصر بتاريخ 24 فبراير/شباط 1949، ولبنان بتاريخ 23 مارس/آذار 1949، والأردن بتاريخ 03 أبريل/نيسان 1949، وسوريا بتاريخ 20 يوليو/تموز 1949) خلال حرب نكبة48، بينما وقعت إتفاقية الهدنة وتبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الصهيوني (نوفمبر/تشرين الثاني 2023, ويناير/كانون الأول2025, وأكتوبر/تشرين الأول 2025) خلال حرب طوفان23.
ولأن الطريق وعر، تظل الوحدة الوطنية الفلسطينية وحماية المقاومة بالمشاركة الشعبية والمجتمعية التي تمثل البوصلة والأساس، فلا تحرر بدون تلاحم، ولا نصر بدون يدٍ واحدة تقبض على مفتاح العودة، نحن نعيش اليوم أصعب الظروف، يحيط بنا الظلام من كل جانب، ولكن كما يولد الضياء من قلب العتمة، ويولد الناس تحت الشمس، فإن فجر الحرية حتماً آتٍ للأسرى والمسرى.
فيما تُقدر الإحصائيات الرسمية الفلسطينية شهداء النكبة الفلسطينية في حرب "نكبة48" بلغ نحو 15,000شهيد، فيما يقدر عدد شهداء الجيوش العربية الأخرى بما بين 3,700 إلى 7,000شهيد، ووفقاً للإحصائيات الإسرائيلية فإن عدد قتلى اليهود في هذه الحرب وصل إلى نحو 5,600 قتيل، بينما إحصائية شهداء حرب "طوفان23" بلغ نحو حوالي 100,000شهيد ومفقود وأكثر من 175,565جريح، ومن الجدير ذكره أن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وصف أن أقل من نصف الفلسطينيين حول العالم يعيشون بوطنهم وعلى أراضيهم، وأن عدد الفلسطينيين في العالم بلغ نحو 15.5 مليون نسمة، بينهم 7.4 ملايين يعيشون في فلسطين المحتلة، منهم أكثر من مليوني نازح داخل قطاع غزة وقرابة أربع ملايين في الضفة الغربية المحتلة جراء حرب الإبادة الإسرائيلية وتواصل التوسع الاستيطاني.
