د. أميرة فؤاد النحال

استهداف الحداد ونجل الحية... بين الحرب النفسية وكسر التفاوض

كان اغتيال عزّ الدين الحداد، القائد العام الرابع لكتائب القسام رسالة مركّبة بعناية، اختير توقيتها على نحو شديد الدلالة، في لحظة تتقاطع فيها ذكرى النكبة مع اشتداد الضغوط الدولية، وتعثر المفاوضات، وتصاعد الحديث الإسرائيلي عن اليوم التالي ونزع سلاح المقاومة، فالاحتلال يدير حربه بإنتاج المعنى النفسي والسياسي للضربة، وتحويل الاغتيال إلى أداة تفاوض موازية، تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني، وكسر البيئة الحاضنة، وإرباك بنية القرار داخل المقاومة.

وفي هذا السياق، جاء اغتيال نجل القيادي خليل الحية قبل وقت قصير من العملية، بوصفه جزءًا من سياسة الضغط الشخصي على الوفد المفاوض، وهي سياسة تحاول نقل كلفة التفاوض من الطاولة السياسية إلى الدائرة العائلية والوجدانية، بما يحوّل الدم إلى أداة ابتزاز سياسي مباشر، هنا يعود الاستهداف موجّهاً ضد القدرة النفسية للقيادة على الصمود واتخاذ القرار بعيداً عن الإنهاك والاستنزاف العاطفي.

الأخطر أن هذا التصعيد تزامن مع إحياء الفلسطينيين لذكرى النكبة، بما يحمله ذلك من رمزية تتعلق بالاقتلاع وكسر الإرادة وإعادة إنتاج الهزيمة، وكأن الاحتلال يسعى إلى توظيف الذاكرة الجماعية ذاتها كساحة حرب، عبر الإيحاء بأن كل محاولة للتمسك بالسلاح أو الصمود السياسي ستُواجَه بمزيد من الاستنزاف الدموي، وأن التفاوض لن يتم إلا تحت سقف القوة والإخضاع.

لكن التجربة الفلسطينية الممتدة منذ عقود تشير إلى أن الاغتيالات، رغم قدرتها على إحداث صدمة آنية، لم تنجح يوماً في حسم المواجهة أو تفكيك البنية الفكرية والتنظيمية للمقاومة، ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل يحاول الاحتلال بالفعل تحقيق إنجاز أمني، أم أنه يخوض معركة نفسية مفتوحة لتعويض عجزه عن فرض شروطه سياسيًا وميدانياً؟

الاغتيال كأداة لكسر التفاوض وإعادة فرض الشروط

الاحتلال ينظر إلى الاغتيال بوصفه جزءًا من هندسة الإخضاع التفاوضي؛ أي تحويل الدم إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم بالتوازي مع النار والحصار والتجويع، فاستهداف عزّ الدين الحداد، القائد العام الرابع للقسام، جاء في توقيت تتكثف فيه الضغوط المتعلقة بملف نزع السلاح، وتتسع فيه محاولات فرض صيغة استسلام مغلّفة بعنوان اليوم التالي، وكأن الاحتلال أراد أن يقول إن التفاوض يجري تحت مقصلة الاستنزاف المفتوح.

وقبل ذلك بقليل، جاء اغتيال نجل خليل الحية ليؤكد انتقال الاحتلال من استهداف البنية العسكرية إلى الضغط الوجداني المباشر على القيادات السياسية، وهنا يصبح الأبناء جزءًا من بنك الرسائل الدموية، ويغدو الألم الشخصي أداة ابتزاز سياسي تُراد منها إعادة تشكيل قرارات الوفد المفاوض تحت وطأة الفقد والإرهاق النفسي.

لكن غزة التي تفاوض تحت القصف، وتبحث عن الماء تحت الركام، لم تعد تقرأ هذه الرسائل بالطريقة التي يريدها الاحتلال، فالناس الذين ينامون على أصوات الأحزمة النارية، ويقفون يومياً في طوابير النجاة المؤقتة من أجل كيس طحين أو لتر ماء، يدركون أن الحرب لم تعد فقط على السلاح، بقدر ما هي على الإرادة الجماعية ذاتها، لذلك لم يُنتج الاغتيال حالة انكسار عامة بقدر ما أعاد تثبيت القناعة بأن الاحتلال يحاول انتزاع ما عجز عن حسمه ميدانياً عبر طاولة التفاوض.

قيادات دفعت أثمانها كاملة.. العائلة في قلب المعركة

أحد أكثر المشاهد التي يحاول الاحتلال طمسها هو أن قادة المقاومة لم يعيشوا الحرب من خلف الجدران أو خارج دائرة الخطر، ولكنهم دفعوا أثمانها الشخصية والعائلية كاملة، فالأبناء والأحفاد والأصهار الذين ارتقوا شهداء كانوا جزءً من اقتصاد التضحية الوجودية الذي تشكل داخل غزة منذ بدء الحرب.

لقد حاولت الرواية الإسرائيلية تسويق صورة نمطية تفصل القيادة عن الناس، وتقدّم المعركة وكأنها عبء يتحمله المدنيون وحدهم، بينما تكشف الوقائع الميدانية عكس ذلك تماماً، فالعائلات القيادية نفسها ذاقت النزوح والجوع والفقد، ووقفت أمام أكفان أبنائها كما فعل آلاف الغزيين الذين تحوّلت حياتهم إلى يوميات نجاة مؤجلة.

وفي غزة، حيث تختلط رائحة الخبز المحروق برائحة الركام، تُقاس شرعية القيادة بمقدار ما دفعت من دمها الخاص، لهذا تبدو صور القادة الذين فقدوا أبناءهم وأحفادهم أكثر تأثيراً في الوعي الشعبي من كل حملات الحرب النفسية، لأنها تعيد صياغة العلاقة بين القيادة والبيئة الحاضنة باعتبارها شراكة خسارة لا إدارة معركة عن بُعد.

اغتيال القادة وفشل صناعة الفراغ

على مدار سنوات طويلة، راهن الاحتلال على ما يمكن تسميته استراتيجية الفراغ القاتل، أي الاعتقاد بأن تصفية القادة ستؤدي تلقائياً إلى انهيار البنية التنظيمية وارتباك القرار الميداني، ومن اغتيال المؤسسين الأوائل، وصولاً إلى استهداف القائد العام الرابع للقسام عزّ الدين الحداد، ظلّ هذا الرهان حاضراً بوصفه أحد أعمدة العقيدة الأمنية الصهيونية.

غير أن الميدان في غزة كشف مراراً عن ظاهرة معاكسة؛ فكل عملية اغتيال كانت تدفع التنظيم إلى إعادة إنتاج بنيته القيادية بصورة أكثر مرونة وتعقيداً، لم تظهر حالة انهيار شاملة، ولم يتوقف الأداء الميداني، حيث استمرت العمليات وإدارة المعركة بوتيرة تشير إلى وجود بنية تعاقب مقاوم أُنشئت لتقليل أثر الصدمات القيادية.

وما يربك الاحتلال أكثر أن غزة، رغم الإبادة والحصار وانهيار البنية المدنية، ما تزال قادرة على إنتاج حالة التفاف شعبي حول المقاومة، فمشاهد التشييع التي امتلأت بالأطفال والشباب ومن مختلف الأطياف الاجتماعية بدت كأنها استفتاء ميداني على خيار الصمود، وفي مدينة أنهكها الجوع والنزوح وفقدان الأمان، يصبح استمرار هذا الالتفاف الشعبي مؤشراً على أن الاغتيال لم ينجح في صناعة الفراغ الذي أراده الاحتلال، لكنه ساهم في إعادة إنتاج المعنى الرمزي للمقاومة داخل الوعي الجمعي الفلسطيني.

الحرب النفسية في مواجهة الوعي الفلسطيني

يخوض الاحتلال حربه في غزة عبر ما تسمى إدارة الإدراك تحت النار؛ أي محاولة إعادة تشكيل وعي الفلسطيني تجاه المقاومة، وتحويل مشاهد الاغتيال والدمار إلى رسائل ردع نفسي طويلة الأمد، فكل عملية اغتيال تُقدَّم صهيونياً باعتبارها إعلان تفوق واختراق وسيطرة، في محاولة لبث شعور بأن لا أحد بمنأى عن الاستهداف، وأن البنية القيادية للمقاومة باتت مكشوفة وقابلة للتفكيك في أي لحظة.

لكن المشكلة التي تواجه الاحتلال أن البيئة الفلسطينية لا تستقبل هذه الرسائل وفق القاموس الصهيوني ذاته، ففي غزة التي عاشت شهوراً من الإبادة اليومية البطيئة، وتحوّلت فيها الخيام إلى وحدات سكنية مؤقتة، والمساعدات إلى معارك بقاء، لم يعد الخوف وحده قادرًا على إنتاج الانكسار السياسي، فحين يفقد الناس بيوتهم وأبناءهم وأمانهم دفعة واحدة، تتغير طبيعة العلاقة مع الموت ذاته، ويتحوّل الصمود من خيار سياسي إلى غريزة بقاء جماعي.

لهذا تبدو شخصية القائد المقاوم داخل الوعي الشعبي مختلفة عن الصورة التي يحاول الاحتلال تسويقها، فالقادة الذين استشهد أبناؤهم وأحفادهم، وعاشت عائلاتهم النزوح والجوع والحصار، لم يعودوا يُنظر إليهم باعتبارهم مجرد قادة عسكريين، بقدر ما أصبحوا رموز للمشاركة الوجودية في الألم الفلسطيني، وهذه النقطة تحديداً تُفشل أحد أهم أهداف الحرب النفسية الصهيونية، لأن البيئة الشعبية لا ترى في الاغتيال نهاية للرواية، بل امتداداً لها.

واللافت أن الاحتلال، كلما حاول صناعة صورة القيادة المكسورة، اصطدم بصورة معاكسة تنتجها غزة نفسها؛ أطفال يرفعون صور الشهداء بين الركام، وأمهات يودعن أبناءهن بخطاب يتجاوز الفقد الفردي إلى معنى جماعي للصمود، وشباب يخرجون من تحت الحصار أكثر التصاقاً بفكرة المقاومة لا أقل، هنا يتحول الوعي الفلسطيني إلى منظومة امتصاص نفسي تعيد تفكيك رسائل الردع وتحويلها إلى وقود معنوي مضاد.

التشييع بوصفه استفتاءً شعبياً على خيار المقاومة

في غزة، تحوّلت جنازات القادة إلى مساحة سياسية مكثفة تكشف المزاج الشعبي الحقيقي بعيداً عن استطلاعات الرأي والخطابات الرسمية، فمشاهد التشييع التي خرج فيها الأطفال والشباب والنساء ومن مختلف الأطياف الاجتماعية، رغم القصف والخوف والجوع، بدت كأنها استفتاء ميداني حي على خيار المقاومة في أكثر لحظات الحرب قسوة.

لم يكن المشهد عابراً أن تمتلئ الشوارع المدمرة بالحشود بينما لا تزال الطائرات تحلق فوق الرؤوس، وأن يحمل أطفال أنهكتهم الخيام صور القادة الذين اغتيلوا، وكأن غزة تقول إن الحرب، رغم وحشيتها، لم تنجح في تفكيك الرابط الوجداني بين الناس والمقاومة، على العكس هي ربما عمّقت هذا الرابط عبر شعور جماعي بأن ما يجري هو معركة على الوجود والكرامة والحق في البقاء.

وفي مدينة تعيش اقتصاد النجاة المنهك، حيث تُقاس الحياة بعدد ساعات الكهرباء وكمية المياه الصالحة للشرب، يصبح خروج الناس في التشييع فعلاً يتجاوز الحزن إلى إعلان موقف سياسي وأخلاقي، فالجماهير التي تمشي خلف نعوش القادة هي نفسها التي فقدت أبناءها ومنازلها وأحلامها الصغيرة تحت الركام، ولذلك فإن هذا الحضور الشعبي يمكن قراءته باعتباره تعبيراً عن قناعة متجذرة بأن التراجع تحت الضغط لن يوقف آلة الإبادة، وأن الكلفة مهما بلغت لا تُنتج استعداداً جماعياً للتخلي عن خيار المقاومة.

الأخطر بالنسبة للاحتلال أن هذه المشاهد تُسقط أحد رهاناته الأساسية: تحويل البيئة الحاضنة إلى بيئة ناقمة، فبدل أن تؤدي الاغتيالات والإبادة إلى عزل المقاومة اجتماعياً، تكشف لحظات التشييع عن التحام وجداني مقاوم يعيد إنتاج الشرعية الشعبية من قلب الألم نفسه، ولهذا تبدو الجنازات في غزة أقرب إلى مشاهد إعادة تعريف للهوية الوطنية تحت النار، حيث يتحول الشهيد من فرد مغتال إلى رمز جماعي يعيد شدّ المجتمع إلى فكرة الصمود والبقاء.

في النهاية، تبدو معركة الاغتيالات في غزة كأنها مواجهة مفتوحة على معنى الإرادة الفلسطينية نفسها، فالاحتلال الذي حاول تحويل الدم إلى أداة تفاوض، والاغتيال إلى هندسة للإخضاع، اصطدم بحقيقة أكثر تعقيداً: أن غزة التي تُدفن تحت الركام كل يوم ما تزال قادرة على إنتاج قيادة جديدة، ووعي جديد، والتفاف شعبي يتجاوز الجوع والخوف والإبادة.

لقد أراد الاحتلال باغتيال عزّ الدين الحداد واستهداف عائلات القادة أن يزرع الفراغ والانكسار، لكنه وجد نفسه أمام مجتمع يُشيّع قادته كما لو أنه يجدد العهد معهم لا يودعهم، وفي كل مرة ظنّ فيها أنه قطع رأس المقاومة، كانت غزة تعيد إنتاجها من بين الخيام، ومن أصوات الأطفال، ومن أمهات الشهداء اللواتي حوّلن الفقد إلى خطاب صمود لا إلى استسلام.

وهكذا، تبدو المفارقة الأكثر قسوة بالنسبة للاحتلال أن الحرب التي أرادها معركة لتفكيك الوعي الفلسطيني، تتحول تدريجياً إلى لحظة إعادة تشكيل لهذا الوعي على قاعدة أكثر صلابة، فالمقاومة التي لم تسقط تحت النار، لن تُنتزع بالمجازر، والبيئة التي صمدت تحت الإبادة لن يعيد تشكيلها الرعب، وفي غزة تحديداً، لا تنتهي الحكاية باغتيال القادة، لكنها تبدأ من دمهم مرحلة أشد التصاقاً بفكرة البقاء والمواجهة.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة