د. محمد أبو شباب

الفصائل الفلسطينية في غزة: حالة توافق فريدة!

تعيش فصائل المقاومة الفلسطينية حالة توافق فريدة، يمكن أن يلمسها المواطن الفلسطيني في قطاع غزة بكل سهولة ويُسر، فهذا القطاع الصغير جغرافياً، الذي لا تتعدّى مساحته(٣٦٥كم) تنشط فيه فصائل متعددة ومتنوعة في فكرها وأيدلوجيتها، وأعدادها، واللافت أنّ هذه الفصائل على حالة من التوافق، والتعاون فيما بينها، وتشّكل نموذجاً يُحتذى به، ولعل السبب في ذلك أنها اجتمعت على نقطة التقاء كبيرة، وهي مقاومة المحتل الصهيوني، فهذا الهدف جعل التوافق سيّد الموقف، فاصطفّت الفصائل في خندق واحد، وتحت مظلة واحدة، تحكمها منظومة قيمٍ وأخلاق وطنية سامية.

بل ويلتفّ الجميع حول بعضهم إذا وقع أحدهم في مأزق معين، فتجدهم يصطفون خلفه سدّاً منيعاً، وخير مثال على ذلك حالة الغضب الجماعي التي سادت جميع الفصائل تجاه القرار البريطاني الأخير بتصنيف "حركة حماس" حركة إرهابية، فأدركت الفصائل أن هذا القرار لا يمسّ حركة بعينها، بقدر ما يطال مقاومة الشعب الفلسطيني بأسره.

ويمكن إبراز حالة التوافق بين الفصائل من خلال الآتي:

- كل الفصائل الفلسطينية العاملة في حقل مقاومة المحتل -على اختلاف مشاربها الفكرية والأيدلوجية- لها أجنحة عسكرية، ومواقع تدريب، وأسلحة، وعناصر بشرية، ورغم تعدّد هذه الفصائل وكثرة عددها ومنتسبيها، إلا أننا لم نسمع يوماً عن حالة تصادم عسكري بينها، بل نجد التنسيق الميداني بينها على مدار الساعة.

- أسست فصائل المقاومة في غزة ما سُمّي بـ "غرفة العمليات المشتركة" عام ٢٠٠٦م، وتم تفعيلها أكثر عام ٢٠١٨م؛ لتنسيق الجهود العسكرية، والميدانية في مقاومة الاحتلال، هذه الغرفة التي تُعد نموذجاً حياً يعبّر عن مدى التوافق بين الفصائل، فالجميع يدرك أنّ الاتحاد قوة، والتفرقة ضعف، وقد تعدّى دور الغرفة العسكري لتكون مرجعية سياسية موحدة للفصائل.

- حينما اندلعت مسيرات العودة على حدود قطاع غزة في مارس عام ٢٠١٨م، نجد أن جميع الفصائل في قطاع غزة تبنّت هذه الوسيلة لمقاومة المحتل، وكسر الحصار، ففي كل مسيرة كانت تخرج على حدود غزة كنّا نرى قادة الفصائل يتقدمون الصفوف معلنين حالة من الوحدة، والتنسيق المشترك.

- كثير من العمليات العسكرية نفذتها بعض فصائل المقاومة بالشراكة  فيما بينها، وكذلك عمليات إطلاق الصواريخ، مما ينم عن حالة توافق، وأن روح الجماعة هي السائدة، وليس أدلّ على ذلك من عملية خطف "شاليط" والتي اشتركت فيها ثلاثة فصائل، وكذلك في جميع الحروب على غزة، نجد المقاومين من جميع الفصائل في خندق واحد؛ لمواجهة المحتل

- نفذت الفصائل عبر غرفة عملياتها المشتركة عدة مناورات عسكرية أشهرها مناورة "الركن الشديد" الأولى والثانية، لتبعث هذه المناورة رسائل عدة، أهمها: أن الوحدة والتوافق هي رأس مال الفصائل، وثانيها: أننا على جهوزية عالية؛ لصد أي عدوان على شعبنا.

- لا تكاد تمر مناسبة وطنية إلا ونجد الفصائل جميعهم يشاركون فيها، وإن كانت المناسبة خاصة بفصيل معين نجد باقي الفصائل تشاركه هذه المناسبة، في حالة توافق يشهد القاصي والداني بنجاحها، وفاعليتها.

- بل وحتى في إدارة أزمات غزة، وإعادة إعمارها، ومقترحات التهدئة مع العدو، والحوارات الوطنية، لا يستفرد فصيل دون آخر في اتخاذ القرار، بل نجد قبل ذلك اجتماعات فصائلية تشاورية؛ للخروج بقرار توافقي موحد.

خلاصة الأمر: لا يخفى على أحد حالة التوافق والتفاهم السامية التي تعيشها فصائل المقاومة في غزة، سواء في التنسيق العسكري ممثلة في غرفة العمليات المشتركة، ومناورات الركن الشديد خير مثال، أو في التوافق السياسي بين قيادتها في القضايا الوطنية المتنوعة، بل وحتى في التعامل مع أزمات غزة، والمطالبة بإعادة إعمارها، ومقترحات التهدئة، فالجميع يدرك أنّ القوة في الوحدة، وكما قال الشاعر:

تأبى الرماحُ إذا اجتمعن تكسّراً ** وإذا افترقن تكسّرت آحادا

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة