تقرير أيتام غزة.. معاناة في حضن الحرب ورعاية ينهض بها المجتمع رغم الكارثة

أيتام غزة.. معاناة في حضن الحرب ورعاية ينهض بها المجتمع رغم الكارثة

خاص _ شهاب

بين ركام البيوت وهدير الطائرات، تنمو طفولة لا حماية لها في قطاع غزة، حيث يُكافح الأيتام للنجاة وسط واقع إنساني بالغ القسوة، ومع استمرار العدوان "الإسرائيلي" والنزوح الجماعي، يبرز مشهد الأيتام بوصفه أحد أكثر تداعيات الحرب مأساوية، لكنه في ذات الوقت، يكشف عن صمود المجتمع المحلي وجهود فاعليه رغم محدودية الإمكانيات وانعدام الموارد.

رغم نزوحها وتدمير منازلها، بادرت عشرات الأسر الفلسطينية إلى احتضان الأطفال الأيتام وتوفير الحد الأدنى من الرعاية لهم، كما ساهمت الجمعيات الأهلية والمبادرات المجتمعية والمجموعات الشبابية التطوعية في جمع التبرعات، وتقديم الدعم النفسي والمادي، وتنظيم فعاليات لإخراج الأيتام من أجواء القصف والدمار.

منذ اندلاع العدوان "الإسرائيلي" المكثف على قطاع غزة في أكتوبر 2023، دخل المجتمع الفلسطيني في دوامة إنسانية قاسية، لم تترك خلفها فقط الدمار والدماء، بل جيلًا من الأطفال اليتامى الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا سند، بلا بيت، وأحيانًا بلا أحد.

الأيتام.. جراح نفسية ومجتمعية

الأخصائية النفسية أرجوان حسن تؤكد أن مفهوم "اليتيم" في غزة تجاوز من فقد أحد والديه، ليشمل كل طفل فقد أحباءه أو عايش مشاهد الدم والموت.

 وفي حديث خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أشارت حسن إلى أن "أبسط احتياجات الأيتام من غذاء ومأوى ورعاية نفسية لم تعد متاحة في ظل نزوح مئات الآلاف واستمرار القصف"، لافتة إلى غياب البيئة الآمنة التي يمكن فيها للأطفال التعافي أو حتى الاستمرار في التعليم.

وأضافت أن الأطفال، وإن ظلوا تحت رعاية ذويهم من الأقارب، فإنهم يعانون من فراغ نفسي حاد، بسبب صعوبة تقديم الدعم السلوكي والمعنوي في أجواء الخوف المستمر.

مبادرات ميدانية رغم الانهيار

في هذا المشهد المأساوي، برزت مبادرات منظمات محلية تحاول التصدي للفجوة المتزايدة في الرعاية، وعلى رأسها "مؤسسة الأمل الجديد للتنمية"، التي أطلقت برنامجًا طارئًا لرصد وتوثيق حالات الأطفال الأيتام، وسط غياب معظم الجهات الراعية في تلك اللحظة الحرجة.

وقد استقبلت المؤسسة آلاف الطلبات لعائلات فقدت معيلها، ووثّقت حتى لحظة إعداد هذا التقرير وجود 3,883 طفلًا يتيمًا، فقد أكثر من 3,700 منهم أحد والديهم نتيجة القصف المباشر، بينما تعود حالات أخرى لأسباب صحية، من بين هؤلاء، يعيش 142 طفلًا بدون أي من الوالدين، في ما يعرف بـ"اليتيم المزدوج"، فيما هناك 388 طفلًا باتوا بلا مأوى أو أقارب مباشرين، وأصبحوا نزلاء ملاجئ مؤقتة، كما فقدت 386 أسرة معيلها الوحيد الذي كان مسؤولًا عن أكثر من خمسة أطفال.

اللافت في الإحصائيات أن نسبة الذكور والإناث من الأيتام كانت متقاربة، ما يعكس التأثير العشوائي للحرب على جميع فئات الأطفال دون تمييز.

معاناة الأطفال لا تتوقف عند فقدان ذويهم فقط، بل تمتد إلى مشاكل صحية خطيرة، فقد أظهرت تقارير المؤسسة أن المئات من الأيتام يعانون من إعاقات جسدية أو عقلية نتيجة الحرب، وبعضهم أُصيب بحروق، أو بتر في الأطراف، أو إصابات دماغية، كما يعاني مئات الأطفال من سوء تغذية حاد بسبب غياب الغذاء الكافي، وهو ما ينذر بتدهور خطير في صحتهم الجسدية والنفسية.

أرقام مفزعة وصدمات متراكمة

ويصف المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة الدكتور إسماعيل الثوابتة، أوضاع الأيتام بـ"الإنسانية المأساوية وغير المسبوقة"، مشيرًا إلى أن العدوان أدى إلى استشهاد أكثر من 18 ألف طفل، وفقدان أكثر من 40 ألف طفل لأحد والديهم أو كليهما، من بينهم 17 ألف طفل حُرموا من الوالدين معًا.

وقد أدى القصف المباشر على المنازل إلى محو أكثر من 2,172 عائلة من السجل المدني بالكامل، وإبادة أكثر 5,070 عائلة لم يتبق منها سوى فرد واحد فقط.

وأضاف أن معظم الأطفال الأيتام يعانون من فقدان السكن، والرعاية، والتعليم، وحتى الشعور بالأمان، ويواجهون صدمات نفسية عميقة في ظل غياب البيئة الحاضنة والاستقرار.

جهود حكومية محدودة تحت القصف

رغم تدمير أكثر من 224 مقرًا حكوميًا، تسعى وزارة التنمية الاجتماعية ومؤسسات الرعاية إلى تقديم رعاية أولية لهؤلاء الأطفال من خلال تسجيل بياناتهم، وتوجيههم إلى أسر حاضنة أو مراكز إيواء مؤقتة.

وأوضح الثوابتة أن الجهود الحكومية تركز على تأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء وخدمات نفسية، بالتنسيق مع وكالات الأمم المتحدة، ورغم الحصار ونقص الوقود، إلا أن أقل من 30% من الأيتام تم الوصول إليهم فعليًا، بسبب ضخامة الملف، وخطورة الظروف الميدانية، واستمرار الإبادة الجماعية.

وتشير الوقائع الميدانية إلى أن أطفال غزة الأيتام لا يحتاجون فقط للتعاطف، بل إلى خطط تدخل فورية ومستدامة، تتضمن كفالات مالية شهرية تغطي الغذاء، التعليم، والرعاية الصحية، ورعاية طبية متخصصة لعلاج الإصابات والإعاقات الجسدية والعقلية، دعم نفسي وتأهيلي لمساعدتهم على تجاوز صدمة الحرب، وتغذية صحية مدروسة لمعالجة سوء التغذية المنتشر.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة