تقرير / شهاب
يعود رغيف الخبز إلى واجهة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، رغم مرور ستة أشهر على قرار وقف إطلاق النار، في ظل استمرار التراجع الحاد في إمدادات الدقيق وتعثر عمل المخابز، ما ينذر بتفاقم جديد في الأوضاع المعيشية للسكان.
وتتزامن عشرات الطوابير مع ساعات الفجر الأولى في مشهد يومي يعكس حجم المعاناة المتصاعدة للحصول على ربطة خبز، التي تشكل العمود الأساسي لغذاء أكثر من مليوني إنسان في القطاع.
حجم الضغط
تشهد الأسواق المحلية ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار الخبز والدقيق، وسط تراجع الإمدادات وصعوبة وصول المواد الأساسية، وقد ينعكس هذا النقص بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، ما يدفع الكثير من الأسر إلى مواجهة خيارات معيشية صعبة لتأمين احتياجاتها اليومية من الغذاء.
يرتفع سعر ربطة الخبز من السعر المدعوم البالغ نحو (3 شواكل) إلى ما بين (7 و15 شيكلاً) في السوق، فيما يقفز سعر كيس الدقيق (25 كغم) من نحو (20–25 شيكلاً) إلى ما بين (70–100 شيكل)، في مؤشر يعكس حجم الضغط المتزايد على الأسواق وندرة المواد الأساسية.
تعيش أم رفيق هنية (33 عامًا) حالة من القلق المتواصل مع تزايد المخاوف من توقف إنتاج الخبز في المخابز التي تتبع للمطبخ العالمي، وهو ما تعتبره تطورًا خطيرًا قد يضاعف من معاناة آلاف الأسر التي تعتمد بشكل أساسي على الخبز في توفير احتياجاتها اليومية.
تقول أم رفيق: "منذ أيام أضع يدي على قلبي، خائفة من توقف إنتاج الخبز في المخابز التي تتبع المطبخ العالمي، وهذا بحد ذاته كارثة قد تحل على كافة سكان الخيام الذين يعتمدون على الخبز في إطعام صغارهم".
وتوضح أن هذه المخابز تمثل شريانًا أساسيًا للغذاء في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها النازحون، ومع أي توقف محتمل لها، تتزايد المخاوف من دخول الأسر في مرحلة أكثر قسوة من انعدام الأمن الغذائي.
وتضيف: "عدم الحصول على ربطة خبز يومية يعني أننا كنساء سنضطر إلى صناعة الخبز البيتي، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل الظروف الحالية، لأنه مكلف جدًا، ولا تستطيع غالبية الأسر تحمله".
وتشير إلى أن غياب أبسط مقومات الحياة من أماكن الخبز والوقود والخشب والغاز اللازم لإعداده يجعل من هذا الخيار شبه مستحيل بالنسبة لمعظم العائلات.
وتؤكد أن النساء في المخيمات يجدن أنفسهن أمام أعباء مضاعفة، ليس فقط في تأمين الطعام، بل في محاولة إيجاد بدائل محدودة في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات المعيشة.
يكشف برنامج الأغذية العالمي عن استمرار جهوده بالتنسيق مع المخابز العاملة في القطاع، لتأمين الحد الأدنى من احتياجات السكان من الخبز، عبر آليات تشغيل ودعم جديدة تهدف إلى الحفاظ على استمرارية الإنتاج، رغم التحديات المتزايدة في سلاسل الإمداد.
وقال مسؤول الاتصالات في برنامج الأغذية العالمي – مكتب غزة، ماكسيم لو ليجور، في تصريح تابعته "شهاب"، إن البرنامج يدعم حاليًا 26 مخبزًا في قطاع غزة، ما يساهم في إنتاج نحو 130 ألف رزمة خبز يوميًا، تُوزع ضمن برامج الدعم الإنساني للفئات المتضررة.
مرهونًا بوصول الإمدادات
وأوضح "لو ليجور" أن البرنامج سيواصل خلال شهر أبريل تقديم مستويات الدعم نفسها من حيث توفير الوقود ودقيق القمح، على غرار ما تم خلال شهر مارس، في إطار ضمان استمرارية عمل المخابز وتجنب توقفها في ظل الظروف الراهنة.
وفي السياق ذاته، يشير إلى أن برنامج الأغذية العالمي يعمل بالتعاون مع المخابز على تطبيق إجراءات تشغيل جديدة، تهدف إلى تعزيز كفاءة الإنتاج وتوسيع نطاق الدعم، إلى جانب الإسهام في دعم الاقتصاد المحلي المرتبط بسلسلة إنتاج الخبز.
ويضيف أن الخطة تتضمن في المرحلة الحالية دعم ستة مخابز إضافية عبر نموذج تشغيل يعتمد بشكل أساسي على توفير الوقود فقط، مع تجهيز المناطق المحيطة بها لبدء العمليات التشغيلية تدريجيًا.
غير أن المسؤول الأممي يوضح أن إطلاق هذه التجربة يبقى مرهونًا بوصول الإمدادات التجارية من دقيق القمح، والتي لم تدخل قطاع غزة منذ بداية الحرب الإقليمية، ما يحدّ من إمكانية توسيع نطاق الإنتاج بالشكل المطلوب.
ويؤكد في الوقت نفسه أن البرنامج سيواصل دعم المخابز الأخرى من خلال تغطية احتياجاتها من الوقود ودقيق القمح، إلى حين توفر ظروف سوق مستقرة تسمح لها بالاعتماد على إمدادات تجارية منتظمة من الدقيق، بما يضمن استدامة إنتاج الخبز وتخفيف حدة الأزمة الإنسانية المتصاعدة.
في حين يقول محمود الكيلاني، وهو صاحب نقطة بيع خبز مرخصة من برنامج الأغذية العالمي، إن الكميات التي تصل إلى نقاط التوزيع لم تعد كافية لتغطية احتياجات المواطنين، مشيرًا إلى أن البرنامج كان يزودهم قبل شهر رمضان الماضي بنحو ألف ربطة خبز يوميًا، قبل أن يتم تخفيض الكمية خلال الشهر إلى نحو 750 ربطة فقط.
وأوضح الكيلاني أن هذا التراجع في الكميات ينعكس بشكل مباشر على آلية العمل داخل نقاط التوزيع، ويضع العاملين أمام تحديات صعبة في التعامل مع أعداد متزايدة من الأهالي، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الاعتماد على هذه المساعدات كغذاء أساسي للعديد من الأسر.
ويضيف أن حجم الطلب اليومي يفوق بكثير ما هو متاح من الخبز، ما يؤدي إلى حالة من الازدحام والضغط، وأحيانًا إلى توتر واستياء بين المواطنين الذين ينتظرون لفترات طويلة للحصول على حصصهم المحدودة.
وتابع قائلاً: "نضطر يوميًا إلى توزيع ربطة خبز واحدة لكل عائلة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وذلك بهدف إيصال الخبز لأكبر عدد ممكن من الأسر، رغم إدراكنا أن هذا لا يكفي احتياجات العائلات الكبيرة، لكننا مجبرون على اتباع هذا الأسلوب لتفادي حرمان الآخرين".
ويؤكد أن معالجة الأزمة تتطلب زيادة كميات التوريد، وإعادة تشغيل المخابز بكامل طاقتها، إضافة إلى توفير الطحين والوقود وقطع الغيار بشكل عاجل، لضمان استقرار عملية الإنتاج والتوزيع وتخفيف حدة الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
من جانبه، يوضح المكتب أن الأشهر الأخيرة شهدت تراجعًا خطيرًا في إنتاج الخبز نتيجة النقص الحاد في الدقيق، في ظل تضييق شديد على إدخال البضائع والمساعدات الإنسانية، حيث لم تتجاوز الكميات التي سُمح بدخولها في أفضل الأحوال 38% فقط من إجمالي ما كان يدخل قبل حرب الإبادة الجماعية، رغم ما تم الاتفاق عليه ضمن البروتوكول الإنساني بالسماح بدخول 600 شاحنة يوميًا، وهو ما لم يلتزم به الاحتلال مطلقًا.
حدة الأزمة
وبحسب المعلومات الواردة من المكتب الإعلامي، فإن المطبخ المركزي العالمي يوقف دعمه للدقيق بشكل كامل، بعد أن كان يوفر ما بين 20 إلى 30 طنًا يوميًا، كما يقوم برنامج الغذاء العالمي بتقليص كميات الدقيق من 300 طن إلى 200 طن يوميًا، إلى جانب توقف مؤسسات أخرى متعددة عن برامج دعم الخبز والدقيق، ما يفاقم من حدة الأزمة داخل قطاع غزة.
وبحسب المكتب الإعلامي، فإن الاحتياج اليومي لقطاع غزة من الدقيق يبلغ نحو 450 طنًا، في حين لا يتوفر حاليًا سوى قرابة 200 طن فقط، ما يخلق فجوة يومية حادة في احتياجات السكان.
كما يوضح أن نحو 30 مخبزًا تعمل حاليًا وتنتج ما يقارب 133 ألف ربطة خبز يوميًا، منها 48 ألف ربطة توزع مجانًا، و85 ألف ربطة تباع بسعر مدعوم عبر 142 نقطة بيع معتمدة، إلا أن هذه الكميات لا تغطي الاحتياج الفعلي للسكان، خاصة في ظل تقليص الدعم الدولي.
ويحذر المكتب الإعلامي الحكومي من مخاطر حقيقية لتوقف ما تبقى من الدعم الإنساني، الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيار منظومة الخبز بشكل كامل، ويعزز ما يصفه بسياسة التجويع التي ينتهجها الاحتلال "الإسرائيلي" ضد المدنيين في قطاع غزة.
