تقرير – شهاب
في حدث وُصف بأنه "زلزال سياسي في قلب أمريكا"، شكّل فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك تحوّلًا استثنائيًا في المشهد السياسي الأمريكي، وتحوّلًا رمزيًا يتجاوز حدود الانتخابات المحلية إلى عمق الوعي الجمعي الغربي تجاه العدالة والقضايا الإنسانية، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية.
ففي مدينة تُعدّ المركز العصبي للمال والإعلام والسياسة والثقافة في الولايات المتحدة، وفي قلب منطقة لطالما كانت محسوبة على التيارات الليبرالية الموالية للاحتلال الإسرائيلي، صعد شاب مسلم، ليكسر كل القوالب النمطية السائدة حول الهوية والانتماء والولاء السياسي في أمريكا ما بعد حرب غزة.
ووفق مراقبون، فإن فوز ممداني، يعتبر حصيلة لتحوّلات عميقة تعصف بالشارع الأمريكي منذ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2023، فقد كشفت الحرب عن تصدّع في الخطاب الأمريكي الرسمي، ودفعت شرائح واسعة من الشباب، الأكاديميين، والنشطاء إلى مراجعة سردية الصراع التي طالما هيمنت على الإعلام الأمريكي لعقود طويلة.
ووسط هذا الانعطاف التاريخي في الرأي العام، برز ممداني كصوت جديد يتحدث بلغة أخلاقية مباشرة، تدعو إلى محاسبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، ورفض ازدواجية المعايير الغربية في قضايا العدالة الدولية.
وفي برنامجه الانتخابي وخطاباته العامة، لم يتردد في إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة، وقال إنه سيعمل إن امتلك الصلاحية على اعتقال رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حال دخوله نيويورك، متهمًا إياه بارتكاب جرائم إبادة ضد الشعب الفلسطيني.
ويرى مراقبون، أن كهذه المواقف كانت قبل سنوات قليلة كفيلة بإنهاء أي طموح سياسي في الولايات المتحدة، لكنها اليوم أصبحت على العكس رمزًا للجرأة والمصداقية لدى جيل أمريكي جديد يبحث عن معنى للعدالة خارج الإطار التقليدي الذي فرضته اللوبيات وأجهزة الضغط السياسي والإعلامي.
وبحسب محللون، فإن فوز ممداني يعتبر دليل على أن المزاج العام الأمريكي بدأ يتحرّك من مرحلة "الحياد الأخلاقي" تجاه الجرائم في الشرق الأوسط، إلى مرحلة جديدة يرى فيها كثير من الأمريكيين أن فلسطين لم تعد قضية بعيدة جغرافيًا، بل اختبارًا عالميًا للقيم الإنسانية والضمير الدولي.
خطوة تعزز حضور القضية الفلسطينية
فوز السياسي الأمريكي زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك، أثار اهتمامًا واسعًا في الأوساط العربية والدولية، خاصة في ظل مواقفه الجريئة من الحرب على غزة، ودفاعه العلني عن الحقوق الفلسطينية، والذي يعدّ حدثًا ذا طابع رمزي كبير بالنسبة للفلسطينيين، إذ يحمل أبعادًا سياسية وثقافية تتجاوز حدود الانتخابات المحلية الأمريكية.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي علي أبو رزق أن أهمية فوز ممداني تكمن في عدة نقاط جوهرية، أبرزها أن جزءًا كبيرًا من سرديته السياسية وبرنامجه الانتخابي بُني على موقفه من الحرب على غزة، إذ تعهّد أكثر من مرة باعتقال رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا دخل نيويورك، متهمًا إياه بارتكاب جرائم إبادة بحق الفلسطينيين.
وأضاف أبو رزق أن وجود شخصية مثل ممداني على رأس أكبر وأهم بلدية في الولايات المتحدة يشكّل منبرًا إعلاميًا وتوعويًا مؤثرًا للتعريف بالقضية الفلسطينية وبما جرى في غزة بعد الإبادة، حتى وإن تناولها في خطاباته على نحو محدود، فإن مجرد حضوره كصوت مؤمن بالعدالة سيبقي القضية في واجهة النقاش العام الأمريكي.
وأشار إلى أن فوز ممداني يمثّل مصدر إلهام للشباب الأمريكي، الذي شهد تحوّلًا كبيرًا خلال الحرب على غزة، واستشهد أبو رزق بتقرير لصحيفة واشنطن بوست أكد أن نحو 60% من الشباب الأمريكيين باتوا يؤمنون بسردية الحقوق الفلسطينية على حساب الرواية الإسرائيلية التقليدية.
ولا يقلّ البعد الإلهامي للفوز أهمية بالنسبة إلى الشباب العربي في الولايات المتحدة والغرب عمومًا، بحسب أبو رزق، إذ يشجعهم هذا النجاح على الانخراط بفاعلية أكبر في الحياة السياسية والانتخابية، والبحث عن طرق جديدة لدعم القضية الفلسطينية من داخل المؤسسات الديمقراطية الغربية.
كما يرى الكاتب أن فوز ممداني كسر حاجزًا نفسيًا مهمًا داخل السياسة الأمريكية، إذ أثبت أن المرشح لم يعد بحاجة إلى دعم اللوبيات الإسرائيلية، مثل منظمة الأيباك، للفوز في الانتخابات، بل على العكس بات الدفاع عن القضايا الحقوقية والإنسانية بوابةً حقيقية للوصول إلى الناخب الأمريكي.
ولفت إلى أن منظمة الأيباك نفسها أعلنت نيتها إعادة النظر في طريقة دعمها للمرشحين، بعد أن أصبح تدخلها العلني أحيانًا عاملًا سلبيًا يؤثر على فرص الفوز.
ورغم أن منصب عمدة نيويورك لا يمتلك سلطات مباشرة على السياسة الخارجية الأمريكية، إلا أن فوز ممداني، وفق أبو رزق، يعكس تحوّلًا أعمق في المزاج العام الأمريكي، وقد يدفع صنّاع القرار في واشنطن إلى إعادة تقييم سياساتهم تجاه الشرق الأوسط عمومًا والقضية الفلسطينية خصوصًا.
وشدد أبو رزق بالقول إن هذا الحدث يشكّل "رسالة رمزية قوية" مفادها أن الرأي العام الأمريكي بدأ يتحرك نحو رؤية أكثر توازنًا وإنسانية، وأن زمن احتكار الرواية الإسرائيلية للوعي الغربي بدأ يتصدّع من الداخل، من قلب نيويورك نفسها.
كسر نمطية الولاء لـ"إسرائيل"
ومن جانبه، قال دكتور العلوم السياسية والدولية، أمجد بشكار، إن "الانتخابات الأمريكية الجارية، وخصوصًا صعود المرشح من أصول إفريقية–آسيوية زهران ممداني، تمثل تحولًا لافتًا في المزاج العام داخل الولايات المتحدة، خاصة في ظل موقفه المتقدم من القضية الفلسطينية".
وأضاف بشكار، في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن "ممداني الذي ينتمي لطبقة متوسطة، هو نتاج بيئة فكرية مغايرة؛ فوالده مفكر معروف في مجال ما بعد الاستعمار، ووالدته مخرجة سينمائية. هذه الخلفية ساعدته على تحدي المنظومة السياسية التقليدية في الولايات المتحدة، وتبني مواقف راديكالية تجاه قضايا العدالة والقانون الدولي، من ضمنها محاسبة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على جرائم الإبادة التي ارتكبها بحق الفلسطينيين".
وأكد أن "ممداني يعيد تعريف المفاهيم داخل الوعي الأمريكي، لا سيما فيما يتعلق بالفصل بين معاداة السامية ومعارضة الصهيونية، وتجريم ممارسات الاحتلال في فلسطين، مشيرًا إلى أنه يسعى لتطبيق القانون الدولي الذي أقره الغرب نفسه، بما يشمل محاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية".
واعتبر بشكار أن فوز ممداني في نيويورك، المدينة التي تُعد مركزًا تقليديًا للوبيات الداعمة لإسرائيل، شكّل اختراقًا تاريخيًا، قائلاً: "فوز منداني قلب المعادلة من داخل معقل اللوبيات الإسرائيلية، وهو بمثابة انهيار لقداسة الولاء لإسرائيل داخل الوعي الأمريكي".
وأضاف أن هذا التحول يعكس انقسامًا عميقًا داخل النخبة السياسية الأمريكية على ثلاثة مستويات: بين الجمهوريين والديمقراطيين، وبين تيارات داخل اليمين ذاته، وأيضًا داخل التيار الديمقراطي، حيث تنمو أصوات ترى في احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي جوهرًا حقيقيًا للقيم الأمريكية.
وختم بشكار بأن الولايات المتحدة تقف اليوم أمام لحظة تاريخية يعاد فيها تشكيل الوعي العام، وتفكيك التحالفات التقليدية، في ظل تصاعد الأصوات المناهضة للهيمنة الصهيونية على القرار الأمريكي.
وبهذا، فإن فوز زهران ممداني لا يمثل مجرد انتصار انتخابي لشخص أو لحزب، بل تعبيرًا عن لحظة تحوّل أعمق في الضمير الأمريكي، حيث باتت العدالة والكرامة والحقوق هي المفردات الجديدة التي تكتب بها السياسة في زمن ما بعد الإبادة في غزة.
