يواصل الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ خروقات واسعة لاتفاق وقف حرب الإبادة في قطاع غزة، منذ اللحظات الأولى لإعلان وقف النار في 10 أكتوبر الماضي، في ظل تجاهل واضح للقرارات الدولية ذات الصلة، ما يهدد الاتفاق الهش بالانهيار الكامل، بحسب محللين ومسؤولين فلسطينيين.
ورغم إعلان الفصائل التزامها الكامل ببنود الاتفاق، تصاعدت الهجمات الإسرائيلية خلال الأيام الماضية، وشملت غارات جوية وقصفًا مدفعيًا وعمليات توغل وإزاحة لموقع الخط الأصفر، في وقت تتدهور فيه الأوضاع الإنسانية بشكل متسارع داخل القطاع.
فرض واقع ميداني بالقوة
المحلل السياسي وسام عفيفة أكد، أن الاحتلال ما يزال يواصل عمليات التصعيد "خلف الخط الأصفر"، عبر تفجير المنازل وتنفيذ أعمال تخريب واسعة في مناطق متعددة داخل قطاع غزة.
وأوضح عفيفة في حديث لوكالة شهاب للأنباء، أن ما يجري يتم تحت مراقبة مركز التنسيق العسكري المدني التابع للاحتلال، وهو ما يجعل هذه الخروقات "مضاعفة الخطورة لأنها تجري بعلم ومتابعة أمريكية مباشرة".
وأضاف أن هذه العمليات أسفرت عن سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى في القطاع، الأمر الذي يجعل اتفاق وقف إطلاق النار "قابلاً للتآكل والانهيار في أي لحظة".
وشدد على أن الحفاظ على الاتفاق أصبح أولوية إنسانية وأمنية لسكان القطاع في ظل استمرار الكارثة الإنسانية.
وأشار إلى وجود "تراجع نسبي" في العمليات العسكرية خلال الساعات الأخيرة، لكنه اعتبر أن هذا التراجع لا يغير من حقيقة سعي الاحتلال لفرض وقائع جديدة على الأرض.
ودعا عفيفة الوسطاء إلى ممارسة ضغط فعّال يضمن وقف الانتهاكات ومنع انزلاق الأوضاع نحو جولة جديدة من التصعيد.
القتل لم يتوقف
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي ساري عرابي، أن "إسرائيل لم توقف إطلاق النار، ولم تتوقف عن قتل الفلسطينيين أو قصف منازلهم أو تنفيذ الاغتيالات"، مشددًا على أن الحديث عن وقف الحرب في غزة "لا يعكس واقعًا فعليًا على الأرض".
وقال عرابي في تصريحات صحفية: "نحن لا نتحدث عن وقف حرب، فمنذ توقيع الاتفاق، استشهد مئات الفلسطينيين؛ ما توقف هو الإبادة المكثفة، وليس القتل أو القصف".
وأوضح أن الاحتلال "لا يريد إنهاء الحرب، بل تحويل غزة إلى نسخة من الضفة الغربية، حيث تقتحم قواته وتقتل وتعتقل متى تشاء"، معتبرًا أن ما يجري في غزة "يشبه ما يمارسه الاحتلال في لبنان وسوريا، رغم أنهما دولتان معترف بهما دولياً".
وشدد عرابي على أن "(إسرائيل) بطبيعتها دولة توسع وقصف واغتيال، وإن كانت تفعل ذلك في دول ذات سيادة، فمن باب أولى أن تفعله في غزة ما لم تُفرض عليها معادلة ردع حقيقية".
400 خرق منذ بدء الهدنة
بدوره، قال إسماعيل الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إن الاحتلال يستغل اتفاق وقف إطلاق النار "كغطاء لمواصلة الانتهاكات"، مؤكدًا أن ما يجري "خروقات ممنهجة وليست أحداثًا عابرة".
وأوضح الثوابتة في تصريح صحفي، أن الجهات الرسمية وثقت منذ بدء الهدنة 400 خرق، أسفرت عن استشهاد أكثر من 280 مدنيًا وإصابة 652 آخرين، إضافة إلى اعتقال 35 مواطنًا خلال عمليات توغل داخل الأحياء السكنية.
وأشار إلى أن هذه الانتهاكات شملت 113 عملية إطلاق نار مباشر على المدنيين ومواقع سكنية للنازحين، و174 عملية قصف بري وجوي، إضافة إلى 85 عملية هدم لمنازل ومرافق مدنية.
وفي ما يتعلق بالوضع الإنساني، أكد الثوابتة أن الصورة في غزة "تزداد قتامة"، لافتًا إلى أن أكثر من 80% من المستشفيات خرجت عن الخدمة، بينما تعمل المتبقية بقدرة لا تتجاوز 30%.
وختم الثوابتة بالتأكيد على ضرورة تحرك دولي عاجل لإلزام الاحتلال بوقف الخروقات وضمان حماية المدنيين، مشددًا على أن الفصائل التزمت بالاتفاق "بشكل كامل ودقيق"، بينما يواصل الاحتلال "اختلاق ذرائع واهية لخرق الهدنة أمام غياب ضغط دولي حقيقي".
ومع استمرار هذه الخروقات دون محاسبة أو ضغط دولي جاد، يبقى مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار غامضًا، فيما يواصل سكان غزة العيش تحت تهديد القصف والجوع والخوف، في انتظار موقف دولي قادر على حماية الاتفاق ومنع انزلاق الأمور نحو عودة حرب الإبادة.
