خاص كاتب لشهاب: مجلس السلام الأمريكي يعكس انتقال إدارة غزة إلى إطار دولي–إقليمي وتهميش التمثيل الوطني الفلسطيني

ترامب وملادينوف

خاص- شهاب

قال الكاتب الفلسطيني صادق أبو عامر إن إعلان البيت الأبيض عن تشكيل ما يسمى بـ«مجلس السلام» لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة يعكس توافقات أمريكية وإقليمية معقدة، قادت في نهاية المطاف إلى وقف حرب الإبادة الجماعية على القطاع، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام تحولات عميقة في شكل إدارة القضية الفلسطينية.

وأوضح أبو عامر في حديث لوكالة شهاب أن المجلس الجديد يقوم على بنيتين متداخلتين ومتكاملتين، الأولى مجلس إشرافي ذي طابع سياسي–اقتصادي، يمكن توصيفه كصيغة وصاية أمريكية غير معلنة، حيث يتركز دوره على الإشراف الاستراتيجي، وحشد الموارد، وضمان انسجام المسار الجديد مع توجهات السياسة الخارجية الأمريكية.

أما البنية الثانية، بحسب أبو عامر، فهي مجلس تنفيذي تنسيقي ذو طابع إقليمي خاص بقطاع غزة، ويضم الدول التي لعبت دور الضامن والوسيط في اتفاق وقف إطلاق النار، ويتركز دوره على التنسيق الإقليمي وإدارة العمليات الميدانية على الأرض.

وأشار إلى أن هذا التطور يتزامن مع الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، إلى جانب الكشف عن أسماء لجنة التكنوقراط الفلسطينية المؤقتة لإدارة قطاع غزة، في ظل غياب أي ضمانات حقيقية بشأن التزام إسرائيل باستحقاقات هذه المرحلة، مع وجود مؤشرات واضحة على رغبة إسرائيلية في إفشال هذه الجهود، رغم أنها تلبي في جوهرها معظم المطالب الأمنية الإسرائيلية على المديين المتوسط والبعيد.

وبيّن أبو عامر أن المجلس التنفيذي التنسيقي، ذي الطابع الإقليمي، من المفترض أن يوفر الغطاء والدعم اللوجستي والسياسي للجنة التكنوقراط المؤقتة، مشيرًا إلى أن المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف يلعب دور حلقة الوصل بين مكونات هذا الإطار، بما يشمل المجلس الإشرافي والمجلس التنفيذي ولجنة التكنوقراط، بما يضمن إدارة الشأن المدني في غزة.

وفي هذا السياق، اعتبر أبو عامر أن القضية الفلسطينية دخلت مرحلة جديدة، يتم فيها نقل مركز الثقل في ما يتعلق بتقرير المصير الفلسطيني من المرجعيات الوطنية الفلسطينية إلى إطار دولي–إقليمي تقوده واشنطن، وهو ما يتجلى بوضوح في تغييب أي تمثيل وطني فلسطيني مباشر ضمن هذه الترتيبات.

وأضاف أن هذا التهميش يظهر حتى في التفاصيل الرمزية، مشيرًا إلى أن الاجتماع الأول للجنة التكنوقراط الفلسطينية في القاهرة عُقد دون إظهار العلم الفلسطيني، رغم وجود تفويض وطني مؤقت وقابل لإعادة التقييم، لكنه يفتقر إلى أفق واضح لبدائل عملية، ما ينذر بمخاطر حقيقية لتوجه أمريكي يفصل إدارة غزة عن المسار الشامل للقضية الفلسطينية.

وحذر أبو عامر من أن هذا التوجه قد يحوّل قطاع غزة إلى ملف وظيفي–أمني–اقتصادي شبه مستقل، بما يتناقض مع روح القرار الأممي رقم 2803، الذي لم يصادر حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة في المستقبل.

وأكد أن هذا المسار لا يعكس بالضرورة قدرة أمريكية مطلقة على التحكم بمصير الشعب الفلسطيني، بقدر ما يعبر عن سعي جاد لتفريغ نتائج الحرب في غزة من أي مضمون سياسي، وتحويلها إلى ترتيبات تقنية تركز على الاستقرار والخدمات وإعادة الإعمار، دون ربطها بأسئلة الاحتلال والسيادة ووحدة الأرض.

وفيما يتعلق بفصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، شدد أبو عامر على أن واقع ما بعد الحرب يؤكد استحالة العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر، وفي الوقت ذاته فشل أي سياسة تقوم على إقصاء الحركة أو تجاوزها، وهو ما يضع الحالة الفلسطينية أمام مفترق طرق حاسم.

وأوضح أن الخيارات المطروحة تتراوح بين رفض هذه الترتيبات بما قد يؤدي إلى استكمال مسار الاستنزاف الوطني واستئناف العدوان، أو القبول الكامل بها بما يفضي إلى احتواء وظيفي للحركة الوطنية الفلسطينية، ويهدد مشروعها التحرري القائم على الحرية والاستقلال وتقرير المصير.

وختم أبو عامر بالتأكيد على أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في إعادة التموضع الوطني، عبر الخروج من عبء الإدارة المباشرة دون التفريط بما تبقى من عناصر القوة، وفي مقدمتها الحفاظ على الوجود الفلسطيني على الأرض، وتماسك المجتمع، وصون الهوية الوطنية، ووحدة المؤسسات والتمثيل السياسي، مع القبول بالترتيبات المرحلية بوصفها أمرًا واقعًا يلبي الاحتياجات الإنسانية الملحة في غزة، بالتوازي مع العمل على استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وضمان وحدة الجغرافيا بين غزة والضفة والقدس، ومنع تكريس الفصل، مع إبقاء أفق ما بعد الحرب مفتوحًا على حل سياسي شامل لا يختزل القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني أو الاقتصادي.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة