تقرير الوقود والغاز بغزة.. استراتيجية إسرائيلية لإدارة الندرة وصناعة الأزمات الممنهجة

صورة تعبيرية

تقرير - شهاب

يتصدر الوقود وغاز الطهي مشهد الأزمات في قطاع غزة بوصفهما من أكثر الملفات حساسية في ظل الحصار الإسرائيلي المستمر، إذ يرتبطان بشكل مباشر بقدرة القطاعات الحيوية على العمل، من الكهرباء والمياه، إلى المستشفيات والمخابز ووسائل النقل والحياة اليومية للأسر.

وفي ظل هذا الواقع، يتحول الوقود والغاز إلى أدوات تحكّم تُدار عبرهما سياسة اقتصادية قسرية، تقوم على إدخال كميات محدودة لا تهدف إلى التعافي بقدر ما تمنع الانهيار الكامل، بما يعكس طبيعة السيطرة الإسرائيلية على مفاصل الاقتصاد بالقطاع.

مفاقمة الأزمة الإنسانية

الخبير في الشأن الاقتصادي محسن أبو رمضان، يقول، إن حكومة الاحتلال الإسرائيلي لا تلتزم باتفاق ترامب وبنوده الخاصة بالشق الإنساني، موضحًا أن تقنين إدخال الوقود والغاز وإيصالهما إلى قطاع غزة بأدنى درجة ممكنة وبكميات قليلة يهدف إلى مفاقمة الأزمة الإنسانية بالقطاع.

ويضيف، أبو رمضان في حديث خاص لوكالة شهاب، أن إيصال الغاز والوقود بكميات محدودة سيؤثر على المواطنين بالقطاع، وعلى محطات تحلية المياه وتشغيل الكهرباء في المستشفيات، وسيخلق أزمة بين السكان تهدد السلم الأهلي نتيجة التنازع على هذه المواد النادرة والضرورية بنفس الوقت.

ويؤكد أن ذلك عبارة عن سياسة ممنهجة تهدف إلى تقليص المساحة الإنسانية وجعل الحياة غير إنسانية، بهدف دفع المواطنين للتفكير بالهجرة ومغادرة القطاع.

وأظهرت دراسة حديثة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية بعنوان "الوقود في غزة: إدارة الحد الأدنى للحياة كسلاح نفوذ سياسي" أن الوقود لم يعد مجرد مورد تشغيلي، بل تحول إلى أداة استراتيجية تُستخدم للتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للسكان.

وأوضحت الدراسة أن إدخال الوقود يتم وفق سياسة مدروسة، خصوصًا خلال فترات الهدنة، بحيث لا يُراد إنهاء الأزمة بشكل كامل، وإنما منع الانهيار التام فقط، مع إبقاء المجتمع في حالة شلل تدريجي واستنزاف مستمر.

اقتصاد قسري

ومن جانبه، يقول المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، إن الوقود في قطاع غزة لم يعد مجرد مدخل اقتصادي لتشغيل المركبات أو توليد الكهرباء، بل تحول إلى أداة تحكم دقيقة في مستوى الحياة اليومية ومؤشر واضح على طبيعة الاقتصاد القسري الذي يُدار تحت الحصار.

ويوضح أبو قمر أنه خلال الشهور التي تلت وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، لم يشهد القطاع رفعاً للحصار بقدر ما شهد سياسة "إدارة الندرة"، حيث تسمح إسرائيل بإدخال كميات شحيحة من الوقود لا تهدف إلى التعافي، بل فقط إلى منع الانهيار الكامل.

ويكشف عن فجوة كبيرة في الأرقام، مشيراً إلى أن إسرائيل ملزمة إنسانياً بإدخال نحو 50 شاحنة وقود وغاز يومياً وفق البروتوكول الإغاثي، لكنها لا تسمح في أحسن الأحوال إلا بدخول 7 شاحنات فقط، أي أقل من 20% من الاحتياج الفعلي.

اختلال حاد

وفيما يخص غاز الطهي، يشير أبو قمر إلى أن ما دخل إلى غزة منذ بدء الهدنة وحتى نهاية يناير بلغ 307 شاحنات فقط (بكمية 6458 طناً)، بينما كانت التفاهمات تنص على إدخال 1500 شاحنة خلال الفترة نفسها.

ويبين أن هذا الشح يؤدي إلى اختلال حاد بين العرض والطلب، ما يفتح الباب أمام الاحتكار والسوق السوداء، مؤكداً أن الانخفاض الملحوظ على سعر لتر السولار مؤخراً يبقى هشاً ومرهوناً بكميات غير مستقرة.

ويشدد على أن الوقود هو العمود الفقري لأي اقتصاد، وبدونه تتعطل المستشفيات ومحطات المياه والمخابز والخدمات البلدية، معتبراً أن أي حديث عن تعافٍ اقتصادي أو إنساني في ظل إدخال أقل من خُمس الاحتياج الحقيقي ليس سوى تعافٍ وهمي يدار بالأرقام لا بالحقوق.

ويعيش سكان قطاع غزة تحت وطأة أزمات متشابكة ومفتعلة، صممتها "إسرائيل" لتكون وسيلة ضغط عليهم، وتحويل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وتفاقمت هذه الأزمات عقب حرب استمرت لعامين شنها الاحتلال، أدت إلى ارتقاء أكثر من 71 ألف شخص، وإصابة ما يزيد على 171 ألفًا، فيما خلّفت دمارًا واسعًا بالبنية التحتية، لتترك الغزيين أمام واقع قاس يهدد كل مقومات الحياة.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة