خاص – شهاب
في تطور لافت في طبيعة المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، برز استخدام الصواريخ الانشطارية الإيرانية كأحد أكثر الأسلحة إثارة للجدل في الحرب الجوية الأخيرة بين إيران و"إسرائيل"، هذا النوع من الصواريخ، الذي يعتمد على الرؤوس الحربية المتعددة أو الذخائر العنقودية، غيّر طريقة التعامل مع الهجمات الصاروخية، حيث لم يعد الهدف الدفاعي مجرد صاروخ واحد يمكن اعتراضه، إنما مجموعة من الأهداف المتعددة التي تنتشر في السماء في لحظة واحدة.
خلال الهجمات الصاروخية الأخيرة، تحدثت تقارير عسكرية وإعلامية عن استخدام إيران صواريخ ينفصل رأسها الحربي على ارتفاع عدة كيلومترات فوق الأرض، مطلقًا عددًا من الذخائر الصغيرة التي تتجه نحو أهداف مختلفة في وقت واحد، وبحسب تقارير نقلتها وسائل إعلام دولية، فإن هذه الذخائر تنتشر فوق مساحة واسعة، ما يجعل اعتراضها أكثر تعقيدًا بالنسبة لأنظمة الدفاع الجوي "الإسرائيلية".
كيف تعمل الصواريخ الانشطارية؟
تعتمد الصواريخ الانشطارية على مبدأ بسيط لكنه فعال عسكريًا، فبدل أن يحمل الصاروخ رأسًا حربيًا واحدًا ينفجر عند وصوله إلى الهدف، ينفتح الرأس الحربي في الجو ويطلق عشرات القذائف أو الشظايا الصغيرة التي تنتشر فوق مساحة واسعة من الأرض، وتعرف هذه التقنية في العلوم العسكرية باسم الذخائر العنقودية أو الرؤوس الحربية المتعددة.
وعند استخدام هذه التقنية في الصواريخ الباليستية، يصبح من الصعب على أنظمة الدفاع الجوي التعامل مع جميع الأهداف الناتجة عن الانفجار، فالرادارات وأنظمة الاعتراض مثل القبة الحديدية أو منظومة Arrow تعتمد على تتبع الصاروخ الأصلي، لكن عندما يتحول الصاروخ إلى عشرات الأجسام الصغيرة، فإن ذلك يخلق ما يشبه "سحابة من الأهداف" في السماء.
صواريخ إيرانية قادرة على حمل رؤوس متعددة
تملك إيران واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في الشرق الأوسط، وتشير تقديرات مراكز الدراسات العسكرية إلى أن طهران تمتلك آلاف الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، بعضها قادر على حمل رؤوس حربية متعددة.
ومن أبرز الصواريخ التي يعتقد أنها قادرة على حمل رؤوس انشطارية صاروخ "شهاب-3" الذي يصل مداه إلى نحو 2000 كيلومتر، وهو ما يجعله قادرًا على الوصول إلى معظم الأراضي "الإسرائيلية"، وتشير تقارير تقنية إلى أن بعض النسخ المطورة من هذا الصاروخ يمكن تجهيزها برؤوس حربية متعددة أو ذخائر فرعية تنفصل قبل وصول الصاروخ إلى الهدف.
كما تشير تحليلات عسكرية إلى أن صواريخ أخرى في الترسانة الإيرانية مثل قدر و"خرمشهر" قد تكون قابلة أيضًا لتطوير رؤوس حربية متعددة، وهو ما يزيد من قدرتها على تجاوز الدفاعات الجوية.
لماذا تشكل هذه الصواريخ تحديًا للدفاعات "الإسرائيلية"؟
تكمن خطورة الصواريخ الانشطارية في أنها تغير طبيعة المواجهة الجوية، فأنظمة الدفاع مثل القبة الحديدية صُممت أساسًا لاعتراض الصواريخ الفردية أو القذائف الصاروخية القادمة من اتجاه واحد، لكن عندما ينقسم الصاروخ إلى عدة أهداف في الجو، يصبح على نظام الدفاع التعامل مع عدد أكبر من الأهداف في وقت واحد.
ويرى خبراء عسكريون أن هذه التقنية تهدف أساسًا إلى إرباك أنظمة الدفاع الجوي وإغراقها بالأهداف، وهو تكتيك معروف في الحروب الحديثة باسم الهجوم التشبعي، وفي هذا النوع من الهجمات، لا يكون الهدف الرئيسي دائمًا إحداث أكبر قدر من الدمار، إنما استنزاف قدرات الدفاع الجوي وإرباك راداراته.
جدل قانوني حول استخدام الذخائر العنقودية
رغم فعاليتها العسكرية، يثير استخدام الذخائر العنقودية جدلًا واسعًا في القانون الدولي، فقد حظرت اتفاقية الذخائر العنقودية التي وقعتها عشرات الدول استخدام هذا النوع من الأسلحة بسبب تأثيره الواسع وصعوبة السيطرة على أماكن سقوط الذخائر الفرعية.
لكن العديد من الدول الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا والصين، لم تنضم إلى هذه الاتفاقية، وما زالت تحتفظ بهذا النوع من الأسلحة في ترساناتها العسكرية.
حرب الصواريخ تدخل مرحلة جديدة
يرى محللون أن استخدام الصواريخ الانشطارية يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الحروب الحديثة في الشرق الأوسط، فالصراع لم يعد يعتمد فقط على مدى الصواريخ أو قوة تفجيرها، إنما على قدرتها على تجاوز أنظمة الدفاع المتقدمة.
وفي ظل سباق التسلح المستمر في المنطقة، يتوقع خبراء أن تستمر المواجهة بين الصواريخ الهجومية وأنظمة الدفاع الجوي في التطور، حيث تعمل الدول على تطوير صواريخ أكثر تعقيدًا، بينما تسعى أنظمة الدفاع إلى تحسين قدرتها على اكتشاف الأهداف المتعددة واعتراضها.
وفي هذا السياق، تحولت سماء المنطقة إلى ساحة حرب تكنولوجية متقدمة، حيث لم يعد الصاروخ الواحد هو التهديد الوحيد، إنما موجات من الرؤوس الحربية المتعددة التي تجعل المعركة الجوية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
