تقرير انتهاكات يومية وعنف متصاعد يحوّل الضفة الغربية إلى ساحة تهجير قسري ومخاطر مستمرة على الفلسطينيين

تقرير / شهاب

تتحرك حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية على وقع قيود مشددة وعمليات اعتقال مستمرة، حيث تواجه كل يوم تحديات لم تعد محصورة في القوانين والسياسات، بل في كل تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من حرية التنقل إلى حقهم في أرضهم ومنازلهم.

بينما تتسارع آلة الاستيطان الإسرائيلية وتهجير التجمعات السكانية، مما يحول الضفة تدريجيًا إلى مساحة مفتوحة لتجارب أمنية وسياسية تكاد تحاصر الإنسان نفسه، ليصبح كل منزل مهددًا، وكل طريقٍ مسدود، وكل مجتمعٍ معرضًا لأن يتحول إلى رقمٍ في إحصاءات النزوح.

حالة متصاعدة

تشير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقرير موسع إلى أن الضفة الغربية تشهد حالة متصاعدة من العنف والسياسات القسرية التي تهدد حياة الفلسطينيين واستقرار مجتمعاتهم.

فقد وثّق التقرير نزوح أكثر من 36 ألف فلسطيني خلال 12 شهرًا، في أكبر موجة تهجير قسري منذ عقود، بما يثير مخاوف جدية من التطهير العرقي.

وتوضح الأمم المتحدة أن هذا النزوح ليس حادثًا عشوائيًا، بل يبدو جزءًا من سياسة منسقة تهدف إلى النقل القسري الجماعي للفلسطينيين بهدف تهجير دائم، وسط تصاعد وتيرة الاستيطان غير القانوني وتهجير التجمعات السكانية، بما يشمل إنشاء 36,973 وحدة سكنية في القدس الشرقية وحوالي 27,200 وحدة في باقي الضفة الغربية، إلى جانب 84 بؤرة استيطانية جديدة، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الاحتلال.

وتؤكد الأمم المتحدة أن هذا النشاط الاستيطاني امتد إلى المنطقة (ب) من الضفة الغربية، مما يحد من سلطة الفلسطينيين في أراضيهم ويضاعف القيود المفروضة عليهم يوميًا.

ويشير التقرير الأممي أيضًا إلى أن عنف المستوطنين تصاعد بشكل كبير ووصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث وثق وقوع 1,732 حادثة عنف خلال الفترة الأخيرة، تشمل الاعتداء الجسدي، وتدمير المنازل والممتلكات، وترهيب المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، في حين استمر الإفلات الواسع من العقاب الذي شجع على استمرار هذا العنف.

وقد شهد موسم جني الزيتون في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أعلى وتيرة من الاعتداءات منذ عام 2006، حيث أصيب 131 فلسطينيًا، بينهم نساء وأطفال. وأوضحت الأمم المتحدة أن العنف القائم على النوع الاجتماعي ساهم في دفع بعض العائلات إلى النزوح، بينما أجبرت اعتداءات أخرى النساء والأطفال على الرحيل، في حين بقي الرجال يحاولون حماية أراضيهم وممتلكاتهم.

حذرت الأمم المتحدة من أن النقل غير القانوني للأشخاص المحميين يشكل جريمة حرب وفق اتفاقية جنيف الرابعة، وقد تصل المسؤولية الفردية للمسؤولين الضالعين فيها إلى جرائم ضد الإنسانية، داعية إسرائيل إلى التراجع عن كل ممارسات الاستيطان والهدم والإخلاء القسري، وتمكين عودة الفلسطينيين المهجرين وحماية حقوقهم الأساسية.

من جانبه، نهاد أبو غوش، الكاتب والمتخصص في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، يشير إلى أن التوترات والحروب الإقليمية تؤثر بشكل مباشر على الإجراءات الأمنية "الإسرائيلية" في الضفة الغربية بشكل متصاعد.

ويشرح أن أي أزمة إقليمية تؤدي إلى تهميش القضية الفلسطينية في المشهد الدولي، حتى لو لم يكن لـ"إسرائيل" دور مباشر فيها. ويضرب أبو غوش مثالًا على ذلك حين يُستشهد ثلاثة فلسطينيين برصاص المستوطنين في قرى مثل أبو فلاح، المغير، أو قريوت، حيث كان يُعتبر هذا حدثًا كبيرًا يستدعي ردة فعل دولية وإقليمية حادة في الظروف العادية، لكنه يؤكد أن وقوع مثل هذه الأحداث اليوم يصبح هامشيًا مقارنةً مع الغارات والحروب التي تتسبب بمقتل مئات الأشخاص يوميًا، ما يقلل من تأثير الحدث الفلسطيني على الساحة الدولية.

"قوانين حرب"

ويشير أبو غوش إلى أن حكومة الاحتلال "الإسرائيلية" الحالية تمتلك برنامجًا معلنًا لتكثيف الاستيطان وتقليص التواجد الفلسطيني، موضحًا أن هذا البرنامج ليس سريًا بل معلن في الاتفاقيات الائتلافية بين حزب الليكود وشركائه، وفي التوجهات الرسمية للحكومة التي تهدف إلى تهجير الفلسطينيين وجعل الأراضي غير صالحة للحياة.

ويصف أبو غوش التصعيد الإقليمي بأنه "بيئة مواتية جدًا" لانفلات المستوطنين وممارسات الجيش، إذ يتم تنفيذ إجراءات صارمة أحيانًا بحجة الأمن، وأحيانًا عبر غض النظر عن سلوك المستوطنين، مؤكدًا أن "إسرائيل" تحاول تصوير الفلسطينيين كجزء من "محور موالٍ لإيران"، في حين أن حركات المقاومة الفلسطينية موجودة منذ ما قبل الثورة الإيرانية ومرتبطة بتاريخ الشعب الفلسطيني ونضاله، وليس بأي قوى إقليمية.

ويضيف أن الاحتلال يتعامل مع الضفة الغربية كشأن داخلي "إسرائيلي" خاص بها، مدعومًا بقوانين مثل قانون القومية الذي يمنح حق تقرير المصير لليهود حصريًا ويقيد الحقوق الفلسطينية إلى حقوق اقتصادية ومعيشية فقط.

ويؤكد أبو غوش أن الاحتلال يدير الشأن الفلسطيني بالقوة المسلحة وليس عبر المفاوضات أو الاتفاقيات، ويتعامل مع كل قضية فلسطينية على أنها شأن داخلي لا علاقة للأمم المتحدة أو أي دولة عربية بها.

ويستعرض أبو غوش الإجراءات الأمنية المشددة التي تطبقها "إسرائيل" منذ بداية الحرب على قطاع غزة، موضحًا أنها تعتبر القوانين المطبقة في الضفة الغربية "قوانين حرب"، وتشمل الاعتقالات التعسفية، تمديد الاحتجاز، التحقيق تحت ظروف استثنائية، مصادرة الأملاك، الإغلاقات المستمرة، أكثر من ألف بوابة حديدية تمنع الوصول إلى المدن والمناطق المختلفة، وتنفيذ حملات تنكيل على الطرق بين المدن، إضافة إلى استهداف كل الفئات بما فيها الأكاديميون والطلاب والنقابيون ورؤساء البلديات.

ويشير إلى أن حوالي 1,100 فلسطيني ارتقوا منذ بداية الحرب على غزة في الضفة الغربية، بينهم 60-70 فلسطينيًا قُتلوا على يد المستوطنين، دون أي تحقيق فعلي في غالبية الحالات، حيث يوفر الجيش والمحاكم تبريرات لإطلاق النار على الفلسطينيين لمجرد الاشتباه بحركاتهم أو أي تصرف يبدو مريبًا.

ساحة توتر مستمرة

ويتابع أبو غوش أن كل هذه الإجراءات تتكامل مع عمليات الاقتحام المستمرة، وعمليات القضم التدريجي للأراضي، وتهجير التجمعات البدوية، حيث جرى تهجير أكثر من 75 تجمعًا رعويًا وبدويًا بهدف السيطرة على منطقة "ج" بالكامل، وكل ذلك يخدم مشروع التوسع الاستيطاني على المدى الطويل.

ويشير إلى أن هذه السياسات تصب في هدف أكبر، هو خلق واقع مادي على الأرض يصعب التراجع عنه مستقبلًا، ويقلل من الأمل لدى الفلسطينيين في حياة آمنة، ويجعل الهجرة خيارًا مجبرًا لكثيرين منهم.

ويبرز أبو غوش أن إسرائيل تستخدم التوترات الإقليمية لتبرير تشديد القيود الأمنية والإغلاقات، لكنه يؤكد أن الهدف الحقيقي ليس الأمن، بل هو ضغط سياسي للسيطرة على السكان ودفعهم نحو الاستسلام.

ويضيف أن هذه السياسة تؤثر بشكل مباشر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين، إذ تشمل السيطرة على الموارد والمياه، عرقلة التجارة والاستيراد، حرمان السكان من المشاريع الاقتصادية، مصادرة الأموال الفلسطينية بحجج متنوعة، وفرض قيود على عمل الوكالات الدولية مثل الأونروا.

وتبقى الضفة الغربية ساحة توتر مستمرة، فيها كل فلسطيني معرض للانتهاكات، مع تزايد الاعتداءات اليومية من المستوطنين وجيش الاحتلال، لتصبح الحياة اليومية للفلسطينيين محفوفة بالخطر، بينما تُمارس "إسرائيل" سياسات تهدف إلى فرض سيطرتها الكاملة على الأرض.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة