تقرير / شهاب
أثار تعديل لغوي في النسخة الإنجليزية من موسوعة ويكيبيديا جدلاً واسعًا حول وصف مدن وقرى قطاع غزة بصيغة الماضي. إذ استخدم محررون غير محددين الفعل "was" لوصف مدن مثل رفح وبيت حانون، وقرى مثل أم النصر والقرية السويدية، فيما بدا وكأنه يشير إلى اختفائها أو اندثارها.
هذه التعديلات أثارت انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر متابعون أنها تتجاوز مجرد خطأ لغوي، وتحمل دلالات سياسية مرتبطة بمحاولات طمس الهوية و الجفرافية الفلسطينية في قطاع غزة.
مغالطات وتحريفات السياسية
خلال الأشهر الأخيرة، لوحظ إدخال تعديلات على مقالات عدة في النسخة الإنجليزية من ويكيبيديا تتعلق بمدن وقرى غزة، بحيث جرى وصفها بصيغة الماضي "was" بدلاً من الحاضر "is". شملت هذه التعديلات مدنًا رئيسية مثل رفح وبيت حانون، إضافة إلى قرى مثل أم النصر والقرية السويدية، ما يوحي، وفق بعض المتابعين، بأنها لم تعد قائمة أو اندثرت.
وتزامن هذا الأسلوب اللغوي مع الإشارة إلى الدمار الواسع الذي لحق بالقطاع جرّاء حرب الإبادة "الإسرائيلية" الأخيرة التى شنتها اسرائيل يوم السابع من كتوبر عام 2023، أسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف شخص وإصابة نحو 171 ألفًا، إضافة إلى دمار نحو 90% من البنية التحتية المدنية.
وبلغت كلفة إعادة الإعمار، حسب تقديرات الأمم المتحدة، حوالي 70 مليار دولار، ما يعكس حجم الأثر الميداني على المدن والقرى التي ورد ذكرها في التعديلات.
كما أظهر سجل التعديلات أن بعض المقالات أعيدت لاحقًا إلى صياغة الحاضر "is"، مع مراجعات دقيقة لتجنب إيحاءات زائفة حول اختفاء المدن. على سبيل المثال، تم تصحيح مقالة مدينة رفح يوم الأربعاء 11 مارس/آذار، بينما أعيدت صياغة مقال القرية السويدية في 10 مارس/آذار، في خطوة اعتبرها البعض محاولة لاستعادة الدقة اللغوية والمعلوماتية في الموسوعة المفتوحة.
من جانبها، توضح دكتورة الإعلام الرقمي والصحافة فداء المدهون أن ويكيبيديا تعمل كموسوعة رقمية مفتوحة، تتيح لأي مستخدم إنشاء حساب وإجراء تعديلات على المقالات، مع تسجيل كل تعديل في سجل التعديلات، ما يسمح لأي شخص بمراجعتها أو التراجع عنها.
وتعتمد عملية اعتماد التغييرات على المجتمع الرقمي والمشرفين، حيث تثبت التعديلات الدقيقة المبنية على مصادر موثوقة، بينما يُعاد تعديل أو إلغاء التغييرات المضللة.
وتشير المدهون إلى أن التفريق بين التصحيحات اللغوية والمغالطات أو التحريفات السياسية أمر بالغ الأهمية. فالتصحيحات العادية تشمل الأخطاء الإملائية أو النحوية، بينما المغالطات غالبًا ما تتعلق بصياغة المعلومات أو استخدام كلمات توحي بتغير الواقع، مثل وصف المدن بأنها "اندثرت"، وهو ما يحتاج إلى مراجعة دقيقة للتأكد من تطابقه مع الواقع.
وتلفت المدهون إلى أن النسخة الإنجليزية من ويكيبيديا هي الأكبر والأكثر تعرضًا للتعديلات، وقد تكون أكثر عرضة للتلاعب السياسي بسبب جمهورها العالمي الكبير، بينما النسخ الأخرى مثل العربية أقل حركة لكنها ليست محصنة، إذ قد تتأثر بمحررين محليين أكثر دراية بالواقع السياسي والجغرافي.
وفي هذا السياق، قالت دكتورة الإعلام فداء المدهون إن استخدام صيغة الماضي لوصف مدن وقرى غزة في موسوعة ويكيبيديا يحمل "أبعادًا سياسية تتجاوز مجرد صياغة لغوية". وأضافت: "الوصف الذي يوحي بأن هذه المدن اندثرت هو في الواقع محاولة لإخفاء واقع مأساوي قائم، ويعكس سردية قد تساهم في طمس الهوية والجغرافية والتاريخ الفلسطيني."
وأوضحت المدهون أن التعديلات جاءت في وقت تواجه فيه غزة دمارًا واسعًا، مشيرة إلى أن العدوان "الإسرائيلي" الأخير أودى بحياة آلاف المدنيين ودمر معظم البنية التحتية.
وأضافت: "حين يتم الجمع بين صورة ميدانية مأساوية وصياغة لغوية توحي بالانقراض، فإن الرسالة التي تصل إلى المتلقي الدولي قد تكون مضللة، وكأن المدن لم تعد موجودة رغم أن الناس يعيشون فيها ويكافحون للحياة."
كما أشارت المدهون إلى أن حرية تعديل المقالات في ويكيبيديا، رغم كونها من سمات الموسوعة المفتوحة، "يمكن أن تتحول إلى أداة لنشر سرديات مضللة، خصوصًا عندما تُصاغ بلغة تبدو محايدة، ما يجعلها مؤثرة على الملايين من المستخدمين الذين يعتمدون عليها كمصدر أساسي للمعلومات."
وأضافت أن متابعة هذه التعديلات وفهم دوافعها أمر ضروري للصحفيين والباحثين، مشددة على أن "اللغة ليست مجرد كلمات، بل أداة قوة في تشكيل الرأي العام وإعادة رسم صورة الواقع على المنصات الرقمية."
سرديات حساسة
وتؤكد المدهون أيضًا أن التحقق من صحة المعلومات في مناطق مأهولة وسرديات حساسة يتم عبر الرجوع إلى مصادر موثوقة، مثل البيانات الرسمية والتقارير الدولية ووسائل الإعلام المعتمدة، بالإضافة إلى متابعة سجل التعديلات وإشعارات المجتمع الرقمي. وتوضح أن هذه التعديلات يمكن أن تشكل الانطباع الأول لدى القارئ عن المدن، مما يخلق تصورًا مغلوطًا عن الواقع الميداني إذا لم يتم تصحيحها.
وتشير المدهون إلى أن ويكيبيديا تتبع سياسات مثل الحياد (Neutral Point of View) والقابلية للتحقق (Verifiability) لضمان موثوقية المعلومات وتجنب التلاعب السياسي، مع استخدام المشرفين لأدوات مثل حماية المقالات، ومراجعة سجل التعديلات بشكل دوري، وإشراك الخبراء في متابعة المواضيع الحساسة. وتلفت إلى أن بعض المقالات تخضع للمراقبة الآلية، بينما تُنشر تعديلات أخرى فورًا ثم يُراجعها المجتمع الرقمي لاحقًا، والفارق الأساسي هو مدى سرعة اكتشاف أي مغالطة قبل انتشارها.
كما تؤكد المدهون على الدور الكبير للمجتمع الرقمي من مستخدمين عاديين في كشف التلاعب بالمقالات، من خلال الإبلاغ عن التعديلات المشبوهة، ومراجعة المصادر، وإعادة المقالة إلى الصياغة الصحيحة عند الحاجة. وتختتم بالقول إن التثقيف الرقمي للجمهور هو المفتاح لتعزيز وعي المستخدمين بالفرق بين السرديات التاريخية أو السياسية والحقائق الحالية، وذلك بالاعتماد على البيانات الرسمية والتقارير الميدانية للخبراء، وليس على صياغة الكلمات فقط.
اعتبرت دكتورة الإعلام الرقمي والصحافة فداء المدهون أن الجدل الذي أثاره مؤسس موسوعة ويكيبيديا، جيمي ويلز، العام الماضي حول صفحة "الإبادة الجماعية في غزة" يسلط الضوء على إمكانات الانحياز والتلاعب داخل الموسوعة، حتى من قِبل مؤسسيها. وأوضحت المدهون أن تدخل ويلز المباشر في تعديل صياغة الصفحة، عبر اقتراح إدراج عبارة تقلل من دلالة وصف الإبادة الجماعية التي ارتكبتها "إسرائيل" في قطاع غزة، رغم الأدلة الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، يشكل "شبهة تواطؤ رمزي" يمكن أن يؤثر على تصورات المستخدمين الدوليين.
وقالت المدهون: "عندما يتجاوز مؤسس الموسوعة حدود الحياد المعلن، ويقترح تعديل النص ليعكس آراء بعض الحكومات والمنظمات دون الإشارة إلى الحقائق الميدانية والتحقيقات الدولية، فإن هذا يعطي الانطباع بأن الموسوعة نفسها متحيزة، وهو ما يضعف مصداقيتها ويجعلها أداة غير محايدة في سرد الأحداث."
وأشارت إلى أن الصفحة أُغلقت بالكامل أمام أي تعديل مفتوح، بينما يشارك ويلز في توجيه محتواها، وهو ما يخلق "توازنًا مزيفًا بين الحرية التحريرية والرقابة السياسية"، مؤكدة أن هذا التداخل يعزز المخاوف من أن اللغة والصياغة داخل ويكيبيديا قد تتحول إلى أداة لتبييض الجرائم أو التشكيك في وقوعها.
وأضافت المدهون أن هذا الوضع يضع مسؤولية كبيرة على المستخدمين والمجتمع الرقمي لمراقبة التعديلات والتحقق من مصادر المعلومات، معتبرة أن "اللغة ليست مجرد كلمات، بل قوة لتشكيل الرأي العام، وفي حالة مثل غزة، يمكن أن تتحول إلى أداة لتجميل الجرائم أو تحييد المسؤولية الدولية عن ما يجري على الأرض."
ما حدث على صفحات ويكيبيديا ليس مجرد جدل لغوي، بل انعكاس لكيفية محاولات تزييف الحقيقة أحيانًا، حتى على منصات يُفترض أنها حيادية.
وصف مدن وقرى غزة بصيغة الماضي، أو التخفيف من وصف "الإبادة الجماعية" التي ارتكبتها "إسرائيل"، لا يمحو الواقع الذي يعيشه الناس هناك يوميًا: فقدان الأحبة، دمار البيوت، وكفاح يومي من أجل البقاء. المسؤولية تقع على الجميع – صحفيين وباحثين ومستخدمي الإنترنت – في متابعة الحقيقة، والحرص على أن تصل كما هي، بلا تزوير.
