نعيم أشرف مشتهى

الإنهاك البنيوي وتآكل الردع.. أزماتٌ في "الجيش الإسرائيلي" في ظل معركة طوفان الأقصى

يعاني "جيش الاحتلال الاسرائيلي من أزماتٍ متعددة أهمها أزمة النقص في الموارد البشرية، حيث أثرت معركة طوفان الأقصى عليه من الناحية البشرية بشكل مباشرٍ لم يتوقعه من قبل، حيث اعتمدت المقاومة الفلسطينية في عملياتها عدة تكتيكاتٍ من شأنها تكبيد قوات العدو خسائر فادحة مقابل خسائر معقولة في صفوفها، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف للتأكيد على ضرورة تجنيد الحريديم، وهو ما يعارضه جزء من الحكومة "الاسرائيلية" ويوافقه جزء آخر، وفي ذات السياق صرح رئيس أركان "جيش" الاحتلال السابق هرتسي هاليفي عدة تصريحاتٍ تقضي بضرورة تجنيد عناصر بشرية جدد لصالح القوات، كما صرح رئيس الأركان الحالي زامير تصريحًا خطيرًا أدى لرفضه من العديد من وزراء حكومة الاحتلال حيث قال أن "الجيش الاسرائيلي" سينهار من الداخل إذا لم تتم عملية التجنيد.

وتأتي تلك التصريحات في الوقت الذي تقاتل فيه "اسرائيل" على جبهاتٍ متعددة، وهو ما يخالف عقيدتها العسكرية المبنية على الردع والحسم والإنذار المبكر، حيث فقدن صبيحة السابع من أكتوبر عنصر الردع والانذار المبكر، لفشلها في التنبؤ بالعملية التي قامت بها المقاومة الفلسطينية، واتخاذها القرار بناءاً على الانذار، كما أن تنفيذ عملية بذلك الحجم يظهر أن المقاومة الفلسطينية لم تكن مردوعةً كما كان يدعي رئيس الوزراء "الاسرائيلي" الحالي بنيامين نتنياهو، بل تعمل بصمتٍ وفق تخطيطٍ استراتيجيٍ دقيق، أخيرًا فإن عنصر الحسم القاضي بعدم إطالة المعركة ونقل المعركة لأرض العدو لافتقار فلسطين المحتلة للعمق الجغرافي، مع عدم إطالة زمنها لعدم قدرة "اسرائيل" على الحصول على الموافقة الدولية لحرب طويلة الأمد، وعليه فإن كل عناصر العقيدة الأمنية "الاسرائيلية" قد ذهبت أدراج الرياح تقريبًا.

كما أن القاعدة التي ترتكز عليها "اسرائيل" منذ نشأتها عام 1948 وفق ديفيد بن غوريون تقضي بوجود جيش الشعب، حيث التجنيد الاجباري وقوات الاحتياط كرافعة أساسية للقدرة القتالية، ما أدى لتآكل المبدأ شيئاً فشيئاً خلال السنوات الأخيرة، نتيجة التحولات السياسية والاجتماعية داخل المجتمع "الاسرائيلي"، والتي تفاقمت بشكلٍ واضح بعد انطلاق معركة طوفان الأقصى، حيث يعاني المجتمع "الاسرائيلي" على المستوى الاجتماعي من الفرقة الكبيرة بين التيارات العلمانية والدينية، خصوصًا فيما يتعلق بعملية التجنيد، ويتمثل جزء في ذلك برفض اليهود الحريديم الالتحاق بالخدمة العسكرية واقتصار مهمتهم على التعلم الديني وبعض القضايا الدينية الأخرى، غير أن الالتفات للمصلحة الفردية وتقديمها على مصلحة "الدولة" جعل شيئاً من تراجع الثقة بالمؤسسات، وانكشاف هشاشة العقد الاجتماعي بين "الدولة" والمجتمع، غير أن نظرة نسبة لا يستهان بها من المجتمع "الاسرائيلي" للمعارك التي تخوضها "اسرائيل" منذ انطلاق طوفان الأقصى بأنها معارك تجري لمصلحة نتنياهو وليس لمصلحة "الدولة".

على المستوى العملياتي، كشفت الحرب الحالية محدودية قدرة "الجيش الاسرائيلي" على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة والدخول في حربٍ شاملة دون مساندة من الولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ مباشر، حيث عانى "الجيش الاسرائيلي" من نقص في المعدات، وقد ظهر ذلك في احتياجه لجرافات D9 العسكرية عندما أوقفها الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، كما أن وقف الأخير لحزمة من المساعدات العسكرية كانت تحوي قانبل ثقيلة ودقيقة جعل نتنياهو يفكر بتبني سياسة الاكتفاء الذاتي، كي لا يعتمد على أي من القوى العظمى التي يمكن أن توقفه عند حد ما في الحرب الحالية أو أي حربٍ قادمة.

غير أن تصاعد التوتر في الضفة الغربية، وإعادة تفعيل حزب الله لقدراته بعد ترميمها، وتنفيذه للعديد من العمليات العسكرية التي تستهدف القوات "الاسرائيلية" العاملة في جنوب لبنان بواسطة صواريخ موجهة، بالإضافة لاستهدافة العمق "الاسرائيلي" بصواريخ ذات تأثير قوي وفعّال، على الرغم من الضربات الأمنية والعسكرية التي تلقاها الحزب منذ انخراطه في الحرب في الثامن من أكتوبر 2023 مساندًا لقطاع غزة في حربه من الاحتلال، حيث اضطرت قوات الأخير توزيع نفسها على العديد من المناطق الجغرافية وفق الاحتياج الميداني، ما أدى لاستنزاف سريع ومؤثر في القوى البشرية، خصوصًا في صفوف قوات الاحتياط، غير أن إطالة مدة استدعاء الأخيرة كشف عن الهشاشة في بقاء المقاتلين في الميدان، حيث لا يعتبر جنود الاحتياط جنود دائمون، بل يرتبطون بأعمالهم المدنية، حيث يتكون جيش الاحتياط من مقاتلين يعملون في العديد من الشواغر الوظيفية المدنية، الأمر الذي يتأثر سلبًا بشكل كبير عند طول مدة الاستدعاء، كما أن طول أمد المعركة يعكس تراجعًا في مستوى الجاهزية والانضباط، بالإضافة لارتفاع معدلات الاراهاق الجسدي والنفسي الذي يردي ببعضهم للانتحار في نهاية المطاف، بسبب الجرائم التي ارتكبها خلال المعارك.

ومن منظور استراتيجي، يمكن قراءة هذه الأزمة في إطار "حرب الاستنزاف المركب" التي تخوضها قوى المقاومة، والتي لا تستهدف فقط إلحاق خسائر ميدانية، بل تسعى إلى إنهاك العدو على المدى الطويل. وفي هذا السياق، برزت حركة حماس كفاعل رئيسي في إعادة صياغة قواعد الاشتباك، من خلال فرض معادلة جديدة تقوم على إطالة أمد الحرب، وتوسيع نطاقها، واستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية والنفسية للاحتلال، حيث لا ينظر للنقص في عدد الجنود بعدده الكمي، بل يمتد إلى أبعاد نوعية أكثر خطورة، فالجندي الذي يخوض حربًا طويلة تحت ضغط مستمر، وفي ظل غموض الأهداف الاستراتيجية، يفقد تدريجيًا الدافعية والروح المعنوية، وهو ما ينعكس على الأداء القتالي، كما أن تكرار الخسائر، وفشل تحقيق إنجازات حاسمة، يؤديان إلى تآكل الثقة بالقيادة العسكرية والسياسية.

وفي هذا الإطار، تتقاطع أزمة القوى البشرية مع أزمة أعمق تتعلق بفعالية "الردع الإسرائيلي" آنفة الذكر، حيث ما أظهر ما جرى بعد طوفان الأقصى محدودية هذا النموذج، حيث فشل "الجيش" في تحقيق نصر حاسم، ودخل في حرب طويلة الأمد، لم يكن مهيئاً لها من حيث البنية البشرية والمعدات القتالية، وينظر لهذا التحول بتداعيات استراتيجية بعيدة المدى، إذ يؤدي إلى تآكل صورة "الجيش الإسرائيلي" كقوة لا تُقهر، وهي صورة لعبت دورًا محوريًا في تحقيق الردع على مدى عقود، ومع تراجع هذه الصورة، تزداد جرأة الفاعلين غير الدوليين، وتتوسع دائرة التهديدات، ما يفرض على "إسرائيل" تحديات أمنية أكثر تعقيدًا.

من جهة أخرى، لا يمكن فصل هذه الأزمة عن السياق الاقتصادي، حيث يؤدي استدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط إلى تعطيل قطاعات إنتاجية واسعة، ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد، ومع ارتفاع تكاليف الحرب، وتراجع الاستثمارات، يصبح من الصعب على الدولة الحفاظ على مستوى الإنفاق العسكري المطلوب دون التأثير على الاستقرار الداخلي، كما يلعب البعد النفسي دورًا حاسمًا في تعميق الأزمة، حيث تؤدي الحرب الطويلة إلى انتشار مشاعر القلق والإحباط داخل المجتمع "الإسرائيلي"، خصوصًا في ظل استمرار التهديدات الأمنية، وعدم وضوح أفق الحل، حيث يؤثر المناخ النفسي بدوره على الاستعداد للخدمة العسكرية، ويزيد من ظاهرة التهرب أو التردد في الالتحاق بـ "الجيش".

وفي ضوء ما سبق من المعطيات، يمكن القول إن "الجيش الإسرائيلي" يواجه اليوم تحديًا بنيويًا مركبًا، يتجاوز مسألة نقص الجنود إلى أزمة في النموذج العسكري ذاته، فالنموذج الذي كان قائمًا على التفوق النوعي، والدعم الغربي، والتعبئة المجتمعية، لم يعد قادرًا على الاستجابة بفعالية لبيئة أمنية متغيرة، تتسم بتعدد الفاعلين، وتداخل الجبهات، وتصاعد دور الحروب غير التقليدية، وإن استمرار هذه الأزمة دون معالجة جذرية قد يدفع "إسرائيل" لإعادة النظر في عقيدتها العسكرية، وربما الانتقال إلى نموذج أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا، مثل الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي، لتعويض النقص في العنصر البشري.

غير أن هذا التحول، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا كاملًا عن الجندي على الأرض، خاصة في حروب المدن والمواجهات غير المتكافئة، في المقابل، تمثل هذه التحولات فرصة استراتيجية لقوى المقاومة التي باتت تدرك أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل هو صراع إرادات طويل الأمد، ومن خلال الاستمرار في استراتيجية الاستنزاف، يمكن لهذه القوى أن تعمق الأزمة الداخلية للعدو، وتفرض عليه معادلات جديدة.

الخلاصة: يمكن النظر إلى ما تكشفه أزمة القوى البشرية في "الجيش الإسرائيلي" بعد معركة طوفان الأقصى بأنه ليس مجرد خلل تكتيكي، بل هو مؤشر على تحول استراتيجي عميق في بنية الصراع، فمع تآكل القدرة على الحسم السريع، وتراجع الجاهزية البشرية، يجد الاحتلال نفسه أمام معادلة جديدة، تتطلب إعادة تعريف لمفاهيم الأمن والردع، وفي ظل هذه التحولات، يبدو أن الصراع يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تلعب العوامل الداخلية دورًا لا يقل أهمية عن العوامل الميدانية، في تحديد مساراته ونتائجه.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة