تقرير - شهاب
في مشهد يتكرر يوميًا داخل مستشفيات قطاع غزة، يخوض آلاف المرضى والجرحى معركة صامتة مع الألم، في ظل حصار خانق يقيّد خروجهم للعلاج خارج القطاع، ويمنع في الوقت ذاته دخول الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ما يجعل من المرض رحلة معاناة قد تنتهي بالموت.
ورغم إعلان جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني اليوم، تنفيذ عملية إجلاء طبي جديدة شملت 17 مريضًا برفقة 33 مرافقًا عبر معبر رفح، إلا أن هذه الخطوات تبقى محدودة ولا ترقى إلى حجم الكارثة، في وقت ينتظر فيه عشرات آلاف المرضى فرصة السفر للعلاج خارج قطاع غزة.
ويمثل معبر رفح المنفذ الوحيد تقريبًا لمرضى غزة نحو العلاج في الخارج، إلا أن سياسة الإغلاق المتكرر، أو الفتح الجزئي والمحدود، تجعل منه “عنق زجاجة” يختنق عنده المرضى.
فوفق المعطيات، لا يُسمح إلا لأعداد قليلة جدًا بالسفر يوميًا، في حين ينص اتفاق وقف إطلاق النار على سفر 150 مريضًا يوميًا، إلا أن نسبة الالتزام في أفضل الحالات، لا تتجاوز 19%، ما يعكس فجوة كبيرة بين الاتفاق والتطبيق.
ويؤكد مختصون أن ما بين 6 إلى 10 مرضى يفارقون الحياة يوميًا أثناء انتظارهم السفر، فيما فقد نحو 1400 مريض حياتهم منذ مايو/أيار 2024 نتيجة تأخر الإجلاء الطبي.
المستشفيات “مقابر جماعية”
من داخل مجمع الشفاء الطبي، يرسم مديره الدكتور محمد أبو سلمية صورة قاتمة للوضع الصحي، مؤكدًا أن الأزمة بلغت مستويات غير مسبوقة.
وقال أبو سلمية لوكالة (شهاب) إنه "منذ اندلاع الحرب، يزداد الوضع الصحي في قطاع غزة سوءًا وتعقيدًا يومًا بعد يوم، وإغلاق المعابر جعل إدخال الأدوية والمستلزمات شبه مستحيل".
وأوضح أن أكثر من 48% من الأدوية الأساسية و70% من المستلزمات الطبية غير متوفرة، ما يترك المرضى، خاصة مرضى السرطان والكلى والقلب، دون علاج.
وأشار إلى أن نحو 350 ألف مريض مزمن يعانون من صعوبة الوصول إلى أدويتهم، في حين يحتاج عشرات آلاف الجرحى إلى تدخلات جراحية عاجلة غير متوفرة.
وحذر أبو سلمية من كارثة أكبر تلوح في الأفق، قائلاً: "نحن أمام خطر حقيقي بتحول المستشفيات إلى مقابر جماعية، بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات، ما يعني توقف أقسام حيوية كغسيل الكلى وحضانات الأطفال وغرف العمليات".
كما لفت إلى أن نحو 22 ألف مريض كانوا ينتظرون السفر للعلاج، إلا أن إغلاق المعابر أوقف خروجهم تمامًا، ما يرفع من معدلات الوفيات.
انهيار شبه كامل ونقص كارثي
بدوره، أكد المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، الدكتور محمد إبراهيم أبو ندى، أن القطاع الصحي يعيش حالة “انهيار شبه كامل”، في ظل نقص حاد وخطير في الأدوية والمستلزمات الطبية.
وقال لوكالة (شهاب) إن "غزة تشهد كارثة إنسانية بكل أبعادها، ومعبر رفح تحول إلى نقطة اختناق بسبب الإغلاق المتكرر ومحدودية أعداد المرضى المسموح لهم بالسفر".
وأوضح أن عدد المغادرين يوميًا لا يتجاوز بين 10 إلى 15 مريضًا، وهو رقم لا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات، خاصة مع وجود آلاف الحالات الحرجة، بينها مرضى أورام وأطفال.
وأشار إلى نفاد أدوية السرطان والعناية المركزة، مؤكدًا أن مئات المرضى ينتظرون منذ أسابيع فرصة للخروج دون جدوى، ما يهدد حياتهم بشكل مباشر.
منظومة صحية منهكة وقوائم انتظار طويلة
تظهر البيانات الرسمية أن أكثر من 20 ألف مريض، بينهم آلاف الأطفال ومرضى السرطان، ينتظرون الإجلاء الطبي، في حين تحتاج ما بين 200 إلى 400 حالة يوميًا للسفر من أجل احتواء الأزمة خلال أشهر.
وتخضع عملية الإجلاء لإجراءات معقدة تبدأ بالتقييم الطبي داخل غزة، مرورًا بالموافقات الدولية، وصولًا إلى "التنسيق الأمني" الذي يمثل العقبة الأكبر بسبب الاحتلال، حيث قد يتم رفض أو تأخير سفر المرضى ومرافقيهم.
ورغم الجهود الدولية المحدودة، يؤكد أطباء ومختصون أن الحل يكمن في فتح المعابر بشكل دائم، والسماح بإدخال الإمدادات الطبية دون قيود، وإنقاذ آلاف المرضى الذين يواجهون خطر الموت في أي لحظة.
