تقرير/ شهاب
لا يعرف سكان الخيام المنتشرة على طول الخط الأصفر في الجزء الشرقي من قطاع غزة أي رصاصة طائشة أو موجهة قد تكون سببًا في مصادرة حقهم في الحياة. إذ يعيشون وسط وابل من الرصاص الذي يسقط بشكل يومي بالقرب من الخيام أو فوق بقايا البيوت المحاذية لما بات يُعرف بـ"خط الموت الأصفر"، الذي يقسم قطاع غزة إلى شرق الخط الأصفر، وهي منطقة تقع تحت سيطرة الاحتلال الكاملة، وغربي الخط الأصفر، حيث يطال الرصاص جنود الاحتلال كل من يعيش هناك.
ومع كل إطلاق نار، يضطر من يسمعه إلى الانبطاح أرضًا أو الهروب العشوائي، رغم أن هذه المناطق مدنية بامتياز ولا تمثل أي تهديد أمني. لكنها تبقى عرضة للخطر في واقع يومي خلق حالة خوف مزمنة ومأساة متجددة، يوثق من خلالها معاناة النازحين وهشاشة حياة الخيام وسيل الرصاص المتواصل.
رصاصة طائشة
نازك أبو شمالة، 60 عامًا، فقدت منزلها في شمال القطاع نتيجة القصف والنزوح القسري المتواصل، واضطرت في النزوح الأخير للانتقال إلى خيمة مهترئة شرق المغازي، لتكون من بين آلاف العائلات التي تعيش تحت وطأة هشاشة المأوى وخطر القصف اليومي.
قبل أيام قليلة، وبينما كانت "نازك" تجلس داخل خيمتها محاطة بأبنائها، أُطلقت رصاصة غادرة من قوات الاحتلال، دون سابق إنذار، لتقضي على حياتها في لحظة خاطفة.
لم تمنحها الخيمة أو وجودها غربي الخط الأصفر أي حماية، ولم يكن هناك ما يشير إلى أن حياتها ستنتهي بهذه الطريقة المفجعة.
الحدث لم يكن مجرد حادثة فردية، بل يعكس واقع آلاف العائلات التي تعيش قرب الخط الأصفر، حيث يسقط الرصاص بشكل يومي، والخطر مستمر، والأمان معدوم.
أما قصة الطفلة دانا مقاط، 11 عامًا، فقد استشهدت بينما كانت تغط في نومها داخل خيمة عائلتها في مخيم الإيواء المؤقت الذي أقامت فيه الأسرة بعد نزوحها في منطقة التفاح شرقي مدينة غزة.
في عصر يوم 28 ديسمبر 2025، سمعت الأسرة أصوات إطلاق نار كثيف من الرافعات المنصوبة على الحدود الشرقية، فاضطر جميع أفراد العائلة للهرب. وبعد أن هدأت وتيرة إطلاق النار العشوائية، عادوا لتفقد دانا النائمة فوجدواها غارقة في دمائها، وقد أصيبت برصاصة مباشرة في الرأس.
من جانبه، أكد الناطق باسم مديرية الدفاع المدني، محمود بصل، أن الانتهاكات المتواصلة لوقف إطلاق النار من قبل قوات الاحتلال لم تتوقف، لا سيما في المناطق المحاذية للحدود الشرقية وضمن نطاق ما يُعرف بـ"الخط الأصفر". وأوضح بصل أن هذه الانتهاكات تؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا بين شهداء وجرحى، بينهم نازحون يعيشون في خيام نزوح مؤقتة.
وأشار بصل إلى أن "القوة المفرطة التي يستخدمها الاحتلال تجاه النازحين تترافق مع عمليات توغل مفاجئة، ما يؤدي بشكل متكرر إلى إصابات خطيرة أو استشهاد".
وأضاف أن العديد من الجرحى يضطرون للبقاء لساعات طويلة دون تلقي أي علاج، نتيجة رفض الاحتلال السماح لطواقم الدفاع المدني والطواقم الطبية بالوصول إليهم ونقلهم إلى المستشفيات، وهو ما يحول الكثير من الإصابات إلى حالات موت محقق.
ولفت بصل إلى أنه "حتى بعد استشهاد بعض المدنيين، يمنع الاحتلال فرقنا من انتشال الجثامين، ما يجعلها عرضة للخطر الطبيعي وللكلاب الضالة، ويمنع أي شخص من الاقتراب لتقديم الإسعافات الطبية للمصابين، منوهًا أن هذه الإجراءات جزء من سياسة متعمدة تستهدف المدنيين بشكل مباشر، رغم أنهم لا يشكلون أي تهديد".
غير صالحة للعيش
وأكد أن هذه السياسة تشمل عمليات نسف وقصف يومية تُسهم في توسيع نطاق الخط الأصفر وتحويل المناطق الحدودية إلى مناطق غير صالحة للعيش، ما يدفع الكثير من السكان إلى النزوح بحثًا عن أمان نسبي، بينما يضطر آخرون للبقاء داخل مدينة غزة المكتظة رغم الخطر الشديد.
وقال: "إطلاق الرصاص العشوائي أصبح جزءًا يوميًا من الحرب المستمرة على المدنيين في غزة، ويحول الخيام إلى قبور حقيقية، وسط صمت المجتمع الدولي".
بينما يرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني وسام عفيفة أن المشهد الميداني في غزة يشير بوضوح إلى ما يمكن وصفه بـ"إعادة هندسة المناطق الأمنية المحتلة".
ويشرح عفيفة أن القوة النارية المستخدمة في هذه المناطق لا تقتصر على الأهداف العسكرية المباشرة أو المواجهات اللحظية، بل يتم توظيفها كأداة استراتيجية لإعادة توزيع السكان على الأرض، بما يخدم مسارًا سياسيًا أوسع يرتبط بملفات نزع السلاح وترتيبات ما بعد الحرب، وليس مجرد اعتبارات عسكرية آنية.
ويضيف عفيفة أن تكثيف الاستهداف في محيط خطوط التماس لا يهدف فقط إلى إضعاف البيئة القتالية أو السيطرة على مواقع محددة، بل يتجاوز ذلك إلى تحويل هذه المناطق إلى نطاق غير قابل للحياة. هذه السياسة تُنشئ عمليًا ما يمكن تسميته بـ"حزام أمني" يمنع عودة السكان، ويمهّد لفرض ترتيبات أمنية لاحقة على الأرض، سواء عبر نشر قوات احتياط أو فرض ترتيبات مراقبة مستقبلية.
ويشير المحلل الفلسطيني إلى أن هذا النهج يتضمن ما وصفه بـ"إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية في القطاع"، موضحًا أن تركيز النار والضغط المستمر في المناطق الشمالية الشرقية يعزز فرضية أن الهدف الأساسي هو دفع السكان نحو الغرب، بعيدًا عن مناطق التماس مع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
وبحسب عفيفة، فإن هذه السياسة لا تهدف فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى فرض واقع ديمغرافي وجغرافي جديد، بحيث تصبح العودة للسكان أصعب وأكثر تعقيدًا، ويُصبح المسار السياسي مستندًا إلى وقائع جديدة على الأرض.
تفريغ الحدود
ويضيف: "تفريغ المناطق الحدودية من السكان يُعد شرطًا عمليًا لأي آلية رقابة أو انتشار محتمل لقوات متعددة الجنسيات. وهذا يتقاطع مع المسار السياسي المرتبط بخطط نزع السلاح، إذ تشير الطروحات الخاصة بالمرحلة الثانية من اتفاقيات سابقة إلى أن عودة السكان ستكون مشروطة وتحت رقابة أمنية مشددة، بما يضمن السيطرة على هذه المناطق بعد أي نزاع".
ويتابع: "يمكن فهم التصعيد الميداني الإسرائيلي في هذا السياق كجزء من استراتيجية أوسع تتضمن تقليص الوجود العسكري النظامي واستبداله بقوات احتياط، إلى جانب إعادة توزيع القوات نتيجة الضغط المتصاعد على الجبهة الشمالية. كل ذلك يوازي السعي لفرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة، تسبق أي ترتيبات سياسية مقبلة، سواء تمثلت في نشر قوات دولية أو فرض ترتيبات أمنية بديلة على الأرض".
ويؤكد عفيفة أن هذه السياسة تجعل المدنيين في المناطق الحدودية يعيشون في حلقة مفرغة من الخطر المستمر، حيث تتحول حياة الأطفال والنساء وكبار السن إلى روتين من الخوف والرعب اليومي. كما تؤكد الحوادث الموثقة لنازحين يعيشون في مناطق مدنية لا تشكل أي تهديد أمني، ومع ذلك يُستهدفون بالرصاص العشوائي والمباشر، وتُحرم أسرهم من حقهم في الحماية والوصول إلى المساعدة الطبية العاجلة.
