حذّر الكاتب البريطاني جون غراي من أن الحرب التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران قد تتحول إلى نقطة تحوّل تاريخية تُسرّع تراجع النفوذ الأمريكي على الساحة الدولية، بعدما كانت تُقدَّم في بدايتها كعملية سريعة ومحدودة.
ويرى غراي أن توصيف ترامب للحرب بأنها “نزهة صغيرة” اصطدم بواقع ميداني معقّد، حيث تحوّلت العملية من محاولة لوقف البرنامج النووي الإيراني إلى صراع مفتوح هدفه كسر الحصار عن مضيق هرمز واستعادة الوضع السابق، وهو هدف بات بعيد المنال.
ويؤكد أن أي محاولة لإعادة فتح المضيق بالقوة ستكلّف الولايات المتحدة خسائر فادحة، فيما ستظل إيران قادرة على إعادة فرض سيطرتها فور انسحاب القوات الأميركية، ما يمنح طهران نفوذًا حاسمًا في الاقتصاد العالمي، خاصة مع قدرتها على التأثير في إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن إيران بدأت بالفعل بفرض ترتيبات جديدة للمرور في مضيق هرمز، ملوّحة بإعادة تعريف قواعد الملاحة بما يخدم مصالحها، وهو ما يعكس تحولًا استراتيجيًا في ميزان القوة الإقليمي.
ميدانيًا، استعرض غراي سلسلة من الهجمات التي نُسبت إلى إيران، والتي أظهرت قدرات عسكرية متقدمة، من استهداف منشآت حيوية في قطر، إلى ضرب قواعد عسكرية في السعودية والمحيط الهندي، وصولًا إلى إسقاط طائرة مقاتلة أميركية، ما نسف الرواية الأميركية بشأن تدمير القدرات الدفاعية الإيرانية.
ويرى الكاتب أن هذه التطورات لم تكن مفاجئة، إذ حذرت دراسات عسكرية سابقة من مخاطر الانزلاق إلى حرب مع إيران، إلا أن الإدارة الأميركية تجاهلت تلك التحذيرات، مفضّلة التصعيد على الحذر.
كما نبّه إلى تداعيات اقتصادية خطيرة للحرب، خاصة في ظل تهديدات بإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، ما قد يؤدي إلى خنق نحو ربع إمدادات النفط العالمية، والتسبب بأزمة في سلاسل الإمداد وركود تضخمي عالمي.
وفي تحليل أوسع، شبّه غراي ما يحدث بنماذج تاريخية لفشل استراتيجي ناتج عن الغرور وسوء التقدير، مستشهدًا بأحداث من التاريخ مثل حرب فيتنام وسقوط إمبراطوريات سابقة، حيث أدت الثقة المفرطة وتجاهل البدائل إلى نتائج كارثية.
ويضيف أن الرهان على إسقاط النظام الإيراني عبر استهداف قيادته كان تقديرًا خاطئًا، نظرًا لطبيعة النظام المتجذر اجتماعيًا، واستعداده لتحمل كلفة المواجهة، ما يجعل تحقيق نصر سريع أمرًا غير واقعي.
سياسيًا، يرى غراي أن الحرب قد تنعكس سلبًا على ترامب داخليًا، عبر ارتفاع أسعار الطاقة وتآكل شعبيته، فضلًا عن تناقضها مع وعوده بإنهاء “الحروب الأبدية”، ما قد يضعف موقعه داخل قاعدته السياسية.
أما على المستوى الدولي، فيعتقد أن الحرب تهدد أسس النظام الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة، خاصة نظام “البترودولار”، الذي قام على ضمان الحماية الأمنية لدول الخليج مقابل تسعير النفط بالدولار، وهو ما قد يتعرض للاهتزاز مع تراجع الثقة بالحماية الأميركية.
وفي الشرق الأوسط، يشير إلى أن حلفاء واشنطن باتوا أكثر عرضة للمخاطر، في ظل تصاعد التهديدات وتراجع مظلة الردع، ما قد يدفعهم لإعادة حساباتهم الاستراتيجية وربما البحث عن توازنات جديدة.
ويخلص غراي إلى أن الحرب، بغض النظر عن مآلاتها، قد تكرّس صعود إيران كقوة إقليمية رئيسية، مقابل تراجع الدور الأميركي، معتبرًا أن ما يجري ليس مجرد نزاع عسكري، بل بداية نهاية لفكرة “الإمبراطورية الأميركية” كما تشكّلت خلال العقود الماضية.
