تقرير / شهاب
يغادر الغزي أرضه مرغماً، بحثاً عن العلاج الذي حُرم منه داخل قطاع غزة، نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023.
يمثل هذا القرار واحداً من أصعب الخيارات التي يواجهها أهالي القطاع، إذ يتعين على الجرحى والمرضى الموازنة بين البقاء في أرضهم مع نقص حاد في الرعاية الطبية، أو المخاطرة بالسفر إلى مصر على أمل الحصول على العلاج.
لكن الواقع المؤلم عند الوصول يكشف فجوة كبيرة بين التوقعات والأحلام، إذ يجد آلاف المرضى أنفسهم بلا خطط علاجية واضحة، ويمضون أيامهم داخل المستشفيات المكتظة التي تفتقد لأبسط مقومات العلاج، وفي مواجهة الروتين المصري في الحصول على طبيب مختص لمتابعة الحالات المرضية، بعد أكثر من عامين من المعاناة المتواصلة داخل غزة.
علاج منقذ للحياة
وبحسب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تم منذ بداية الأزمة إجلاء 11,124 مريضًا، بينهم 5,835 طفلًا، إضافة إلى 13,032 مرافقًا للحالات المرضية، فيما لا يزال أكثر من 18,500 مريضًا، بينهم حو 3,800 طفلًا، بحاجة إلى إجلاء عاجل لتلقي علاج منقذ للحياة غير متوفر في القطاع.
تقول نداء ن. "29 عاماً"، لـ"شهاب": "وصلت إلى مصر برفقة أطفالي الثلاثة على أمل تلقي العلاج بعد عامين من انتظار فرصة العلاج والتحويل للخارج بسبب انعدام العلاج داخل غزة. كنت أحسب أن المستشفيات المصرية ستوفر لي ولأطفالي الرعاية التي حُرمت منها طويلاً، لكن الواقع كان صادماً منذ اللحظة الأولى."
تروي نداء أن المستشفى الحكومي الذي وصلت إليه في إحدى محافظات صعيد مصر يعاني من ازدحام شديد، وأعداد المرضى تفوق طاقة الكادر الطبي المتاح.
وتضيف: "لم يُقدّم لي أي خطة علاجية منتظمة، ولم أجد أي فريق طبي متخصص لإصاباتي الناتجة عن شظايا في ذراعي، ولا أحد يتابع وضع أطفالي المصابين بصدمات الحرب."
وتوضح نداء أن نقص المعدات الطبية والأدوية الأساسية في المستشفى يزيد من معاناتهم يومياً.
تقول: "كنت أعتقد أننا سنبدأ رحلة الشفاء هنا، لكن كل يوم يمثل تحدياً جديداً للحصول على علاج ولو جزئي. الانتظار الطويل والطوابير، والإجراءات المؤجلة بلا جدول زمني واضح تجعل الأمل بالشفاء يتلاشى."
وتتابع: "حتى التنقل داخل المستشفى صعب، الأطفال لا يستطيعون التحرك بحرية بسبب الألم والإصابات، والموارد الطبية لا تكفي لتغطية الحالات الحرجة، ما يجعل كل زيارة للطبيب تجربة محبطة. أحياناً ننتظر لساعات طويلة دون أي نتيجة."
وتختتم نداء حديثها بالقول: "لم أتوقع أن رحلة العلاج إلى مصر ستكون أشبه باختبار طويل للصبر والمعاناة، بعد كل ما تحملناه في غزة. كنت أحلم بشفاء أولادي وراحة نفسي، لكن الواقع هنا أقسى مما تخيلت."
في حين تقول غدير محمود، 34 عاماً، لـ"شهاب": "وصلت مصر منذ أكثر من عامين، برفقة عائلتي، بعد أن أصبت بشظايا صاروخ أصاب وجهي ورأسي خلال الحرب على غزة. كنت أحسب أن مصر ستكون الملاذ الذي يخلصني من الألم ويعيد لي حياتي الطبيعية، لكن الواقع كان مختلفاً تماماً."
لا أحد يسمع وجعي
تروي غدير أن الإصابات التي لحقت بوجهها ورأسها تتطلب إجراء عمليات جراحية لإزالة الشظايا، لكن السلطات الصحية المصرية تصنف هذه العمليات ضمن "العمليات التجميلية"، وبالتالي لا تتحمل المستشفيات الحكومية كلفتها. تقول: "يعتبرون ما أعانيه مجرد تجميل، لكن الألم في رأسي وعيني مستمر كل يوم، ويمنعني من النوم ويجعل حياتي اليومية صعبة جداً، جسدي مقيد بالمعاناة، وليس هناك من يسمع وجعي."
وتضيف غدير أن الانتظار الطويل والكشوفات المستمرة للعودة إلى غزة كانت الأمل الوحيد لها: "كل يوم أنتظر أن يأتي دوري لأعود إلى غزة، إذ أتوقع أن أتلقى رعاية إنسانية أفضل، حيث يمكن إزالة الشظايا والعلاج بشكل حقيقي، لكن هنا في مصر كل شيء بطيء، والأمل يتلاشى مع مرور الأيام."
تصف: "نعيش في وجع وغربة كبيرة، دون مصدر دخل ثابت، وكل يوم يمر يزيد من شعورنا بالضياع، الأطفال لا يفهمون لماذا لا نستطيع العودة، ومواجهة الألم الجسدي والنفسي والشعور بالقهر مستمر ومتراكم."
وتؤكد: "الأمل الوحيد الذي أتمسك به هو العودة إلى غزة. أعلم أن الرعاية الصحية هناك صعبة أيضاً، لكن على الأقل هناك مؤسسات دولية كانت تقدم العلاج والدعم النفسي، وهو ما لم أجده هنا. كل ما أريده هو أن ينتهي الألم وأن أستعيد حياتي الطبيعية."
فيما يروي عبد الناصر .ع، 19 عاماً، لـ"شهاب" معاناة بأوجه متعددة، يقول: "أصبت بصاروخ مباشر على غزة خلال الحرب، وأدت الإصابة إلى تلف في عمودي الفقري أدى إلى حالة شلل جزئي. أخبرني الأطباء في غزة أنها بحاجة إلى عمليات معينة وستنتهي."
ويضيف: "تم تحويلي للعلاج بالخارج، أنا وأمي وأخوتي الصغار، على أمل إجراء عمليات جراحية قد تحسن من وضعي الصحي، لكن كل خطوة هنا تحمل معها صعوبة جديدة لي ولعائلتي."
يتابع عبد الناصر سرد معاناته: "كل عملية جراحية تحتاج بعد إجرائها إلى جلسات علاج طبيعي مكثفة، وبدون هذه الجلسات لا يحدث أي تحسن في حالتي، لكن القوانين والإجراءات في المستشفيات المصرية تنص على إجراء العملية فقط، ولا تتحمل الدولة تكلفة العلاج الطبيعي. النتيجة أنني أجرى العملية، ثم أظل لأسابيع أو شهور بدون أي متابعة أو علاج طبي، ويظل وضعي دون تطور مطلقاً."
ويصف: "أحياناً أجد بعض المتبرعين الذين يوفرون لي جلسات علاجية محدودة، لكن بعد فترة طويلة تتوقف الجلسات مرة أخرى، ولا يحدث أي تقدم في حالتي، كون هذا العلاج متراكم ويحتاج إلى متابعة مستمرة، وزي انقطاع في العلاج يعيدنا إلى نقطة البداية."
حظى العاثر
ويضيف عبد الناصر: "قدمت عشرات المناشدات لتحويل علاجي إلى الخارج، حيث أسمع من جرحى آخرين أنهم خضعوا لعمليات مشابهة لحالتي في دول أخرى، وتمكنوا من العودة للمشي والحركة بمساعدة بسيطة. لكن حظّي العاثر جعل فرصتي العلاجية داخل مصر، حيث تتركز معاناتي الصحية والمعيشية، دون أي مصدر دخل ثابت، ودون مساعدات فعلية تستطيع أن تدعم حياتي. كل شيء هنا يعتمد على المساعدات الموسمية، ولا يوجد حل طويل الأمد."
ويستدرك: "كنت أحلم بأن أتمكن من التحرك بحرية، أن أستعيد حياتي الطبيعية، لكن كل يوم هنا يذكرني بأن العلاج الحقيقي بعيد عن متناول يدي، وأن معاناتي مستمرة بين الألم، الحرمان، وانتظار معجزات قد لا تأتي."
و تُظهر شهادات المرضى والجرحى فى مصر حجم المعاناة المستمرة التي بدأت بأمل في الشفاء ثم تحولت إلى اختبار طويل للصبر، يواجه فيه المرضى والعائلات صعوبات مزدوجة: نقص الموارد الطبية والطوابير الطويلة، إلى جانب الأمل المتراجع في الحصول على رعاية صحية فعّالة ومستدامة.
