أثار غلاف العدد الأخير من مجلة L'Espresso الإيطالية الأسبوعية موجة غضب رسمية وشعبية في "إسرائيل"، بعدما نشر صورة صادمة توثق – بحسب المجلة – انتهاكات في الضفة الغربية، ما فجّر خلافًا دبلوماسيًا وأعاد فتح نقاش واسع حول حدود حرية الصحافة ومعاداة السامية في أوروبا.
ويحمل الغلاف عنوان "الاعتداء"، ويُظهر مستوطنًا "إسرائيليًا" مسلحًا، يرتدي الكيباه و"البيوت" (خصلات الشعر الجانبية التي تميز بعض اليهود )، وهو يقوم بتصوير فتاة فلسطينية ترتدي حجابًا منقوشًا باستخدام هاتفه المحمول. وتبرز في الصورة مفارقة حادة؛ إذ يظهر المستوطن بابتسامة ساخرة، بينما يبدو الألم واضحًا على وجه الفتاة، التي تُقدَّم بوصفها إحدى ضحايا المداهمات المتزايدة في الضفة الغربية.
"حملة تطهير عرقي"
تندرج هذه الصورة ضمن مشروع وثائقي للمصور الإيطالي بيترو ماستورزو، الذي يسعى من خلال أعماله إلى توثيق التحولات الميدانية والإنسانية في مناطق الصراع، عبر عدسة تركز على التفاصيل اليومية التي تعكس معاناة السكان تحت وطأة الاحتلال.
ويأتي نشر هذه الصورة في سياق المادة الرئيسية للعدد، التي كتبها الصحفي دانييلي ماستروجياكومو، حيث يتناول فيها ما يُعرف بمشروع "إسرائيل الكبرى"، مستعرضًا أبعاده الفكرية والتاريخية، ومتتبعًا جذوره ذات الامتداد التوراتي، إلى جانب مناقشة ما يراه تعارضًا واضحًا بين هذا الطرح وبين قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
كما يتضمن العدد مقالًا تحليليًا مرفقًا بقلم علاء السعيد، يستند إلى التقرير الكامل للمصور، ويعرض قراءة موسعة للواقع الميداني، إذ تصف المجلة من خلاله ما تعتبره "حملة تطهير عرقي" تجري في الضفة الغربية، في ظل تصاعد الانتهاكات والضغوط على السكان الفلسطينيين.
ويأتي هذا الطرح ضمن سياق أوسع تربطه المجلة بما تصفه بـ"الإبادة الجماعية" في قطاع غزة، في محاولة لربط الأحداث ضمن إطار تحليلي شامل يسلط الضوء على الترابط بين مختلف الساحات الفلسطينية وتداعياتها السياسية والإنسانية.
رد إسرائيلي غاضب
جاء الرد "الإسرائيلي" سريعًا وحادًا، حيث أدان سفير "إسرائيل" لدى ايطاليا، الغلاف بشدة، وكتب عبر منصة "إكس" أن بلاده "تدين بشدة الاستخدام التلاعبي لغلاف مجلة L'Espresso"، معتبرًا أن الصورة "تشوه الواقع المعقد الذي تعيشه إسرائيل، وتروج للصور النمطية والكراهية"، داعيًا إلى "صحافة مسؤولة تتسم بالتوازن والدقة".
ولم يقتصر الانتقاد على المستوى الرسمي، إذ وصفت منصة "موكيد"، وهي من أبرز المنصات المعبرة عن الحياة اليهودية في إيطاليا، الغلاف بأنه "مهرجان للصور النمطية".
واعتبرت أن تصوير الجندي الإسرائيلي بشكل "قبيح ومهدد"، مع التركيز على عناصر مثل "البيوت" والزي العسكري، يندرج ضمن تعميم صفات سلبية على مجموعة سكانية بأكملها.
كما تساءلت المنصة عما إذا كان الهدف من الغلاف "الإعلام أم التلقين"، داعية نقابة الصحفيين الإيطالية إلى تطبيق "إعلان القدس بشأن معاداة السامية"، الذي كانت قد تبنته رسميًا في 31 مارس الماضي، في إطار التزامها بمكافحة معاداة السامية إلى جانب جميع أشكال العنصرية والتمييز.
تمسك تحريري بالمحتوى
في المقابل، تمسكت مجلة L'Espresso بموقفها، ولم تسحب الغلاف أو تقدم أي اعتذار. وأكدت في عرضها للعدد أن الصورة توثق "الانتهاكات اليومية التي يعاني منها الفلسطينيون الذين ولدوا في أراضٍ يدّعي المستوطنون حقهم في احتلالها ضمن مشروع إسرائيل الكبرى".
وأضافت المجلة أن ما وصفته بـ"جرائم المستوطنين" مستمرة، وتحظى – بحسب روايتها – بدعم من الجيش الإسرائيلي، في ظل غياب إدانة دولية حقيقية.
وعلى صعيد الرأي العام، أثار تدخل السفير الإسرائيلي ردود فعل واسعة، حيث تداول مستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعي صورة الغلاف بشكل مكثف، معتبرين أن الاحتجاج الدبلوماسي يمثل محاولة للضغط على حرية الصحافة ومنع توثيق الانتهاكات.
يأتي هذا الجدل في سياق تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حيث أعادت الحرب مع إيران ، والقصف الإسرائيلي المستمر في لبنان، إلى جانب التطورات في سوريا، تشكيل النقاش الإعلامي والسياسي في أوروبا بشكل غير مسبوق.
وباتت كل صورة قادمة من مناطق الصراع تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز مضمونها المباشر، ما يزيد من حدة الجدل حول دور الإعلام وحدود تأثيره.
ويرى منتقدو الغلاف أن اختيار صورة واحدة لجندي مبتسم بمظهر ديني لتمثيل صراع معقد ودولة بأكملها، قد يسهم في تعزيز التوصيفات الجماعية السلبية، وهو ما يتعارض مع المبادئ التي تسعى أطر مكافحة التمييز إلى ترسيخها.
في المقابل، يدافع مؤيدو الغلاف عن حق الصحافة في عرض الواقع كما هو، مؤكدين أن الصورة توثق لحظة حقيقية، وأن مهمة الصحافة المصورة هي كشف ما تحاول السلطات إخفاءه، وأن الشعور بعدم الارتياح تجاه الصورة لا يعني بالضرورة أنها متحيزة.
توتر ميداني
ويربط التقرير بين الصورة ونمط أوسع من التطورات على الأرض، مشيرًا إلى موافقة الحكومة الإسرائيلية مؤخرًا على بناء نحو 27 ألف وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، إضافة إلى 37 ألف وحدة في القدس الشرقية، رغم الإدانات الدولية، بما في ذلك مواقف صادرة عن الأمم المتحدة.
كما يتحدث عن واقع يصفه بـ"الإفلات التام من العقاب" للمستوطنين، وما يترتب عليه من ضغوط تدفع عائلات فلسطينية متزايدة إلى مغادرة أراضيها.
ويبقى الجدل مفتوحًا حول طبيعة هذا الغلاف: هل هو عمل صحفي مشروع يوثق واقعًا ميدانيًا، أم استفزاز بصري يحمل رسائل سياسية حادة؟
الإجابة، كما يرى مراقبون، تعتمد إلى حد كبير على موقف المتلقي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو صراع بات من الصعب التوصل فيه إلى رواية تحظى بإجماع.
وبينما اختارت مجلة L'Espresso التعبير عن موقفها عبر صورة واحدة، يبدو أن الجدل الذي أثارته هذه الصورة مرشح للاستمرار، في ظل الانقسام الحاد الذي يطبع النقاش الدولي حول القضية الفلسطينية.
