”تقرير/ شهاب
تتواصل حالة الجدل السياسي والإعلامي حول ما يُتداول بشأن “انتهاء المهلة” في سياق التفاهمات غير المباشرة المتعلقة بقطاع غزة، في وقت تتقاطع فيه مؤشرات الميدان مع تحركات دبلوماسية إقليمية ودولية تُعيد رسم ملامح المشهد التفاوضي على أكثر من مستوى، وسط محاولات متباينة لإعادة ترتيب أولويات الملفات العالقة وإدارة مسار التهدئة.
وبينما تتصاعد الروايات الإعلامية التي تتحدث عن ضغوط زمنية محتملة وإمكانية الوصول إلى نقاط حاسمة في مسار التفاهمات، يبرز في المقابل خطاب سياسي وتحليلي أكثر حذرًا يشير إلى أن المعطيات الراهنة لا تعكس بالضرورة اقتراب حسم نهائي، بقدر ما تعكس حالة إعادة تموضع وإعادة ضبط للإيقاع التفاوضي بين الأطراف المعنية.
خلف الكواليس
من جانبه يرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن المشهد في غزة يقف اليوم بين ضجيج الحديث عن "المهلة الأخيرة" وبين مسار تفاوضي يُعاد تشكيله بهدوء خلف الكواليس، بعيدًا عن السردية الإعلامية المتسارعة التي تتصدر المشهد.
ويشير إلى أنه في لحظة بدت فيها الصورة وكأنها تتجه نحو الحسم، خرجت وسائل إعلام إسرائيلية لتروّج لفكرة انتهاء الوقت، وأن “المهلة الأمريكية” المزعومة لحركة حماس قد وصلت إلى نهايتها، بل وذهبت صحيفة "إسرائيل هيوم" إلى الحديث عن لقاء مرتقب بين المبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف وقيادة الحركة في تركيا.
غير أن هذه الرواية، بحسب المعطيات المتوفرة، تفتقر إلى الدقة، وتندرج في إطار محاولة صناعة ضغط سياسي وإعلامي يهدف إلى دفع الأطراف نحو تنازلات سريعة.
ويؤكد عفيفة أن خلف هذا الضجيج الإعلامي كان الواقع السياسي يسير في اتجاه مغاير تمامًا، حيث قدم ملادينوف خلال الأسابيع الماضية ورقة سياسية للفصائل، إلا أنها جاءت ـ وفق القراءة الفلسطينية ـ محمّلة بلغة تهديد مبطّن، الأمر الذي أثار امتعاضًا واسعًا داخل الأوساط الفلسطينية، ودفعه لاحقًا إلى زيارة دولة الاحتلال بهدف إعادة ضبط مواقفه بناءً على الملاحظات والتحفظات التي تلقتها الورقة.
ويضيف أنه بعد اللقاءات التي أجراها مع ممثلين عن الاتحاد الأوروبي المعنيين بملف السلام، بدا واضحًا أن ملادينوف أعاد تموضع خطابه السياسي، متحدثًا عن ضرورة تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى ووقف خروقات الهدنة، وهو ما يتقاطع جزئيًا مع المطالب الأساسية للفصائل الفلسطينية.
ويشير إلى أن التحول الأبرز يتجلى في الدور المصري، حيث دعت القاهرة إلى عقد لقاء مهم يوم السبت المقبل، بمشاركة وفد رفيع من حركة حماس، في مؤشر يعكس أن المسار التفاوضي لم يُغلق، بل يجري إعادة ترتيبه وفق مقاربة أكثر هدوءًا وتدرجًا.
ويؤكد أن الصورة العامة توحي بأن إسرائيل تسعى عبر رواية “المهلة المنتهية” إلى خلق ضغط نفسي وسياسي، في مقابل واقع ميداني وتفاوضي يتجه نحو إعادة ضبط الإيقاع بدلًا من الانفجار أو القطيعة.
ويرى أن المعطيات الراهنة، وفق تحديثات الساعات الأخيرة، لا تشير إلى انفجار وشيك كما يُروّج، بل إلى مرحلة إعادة صياغة لمسار التفاوض، ومحاولة فتح نافذة سياسية جديدة، وإن كانت هذه النافذة لا تزال محكومة بتداعيات الحرب الإقليمية التي هزّت المنطقة خلال الأسابيع الماضية، ولا تزال تلقي بظلالها على مختلف المسارات.
حرب نفسية واضحة
من جانبه، يقول الكاتب والمحلل إياد إبراهيم القرا إن ما يجري تداوله حول ما يُسمّى بـ"انتهاء المهلة" التي يتم التلويح بها في سياق التفاهمات غير المباشرة الجارية بين أطراف الوساطة (وخاصة الوسطاء الإقليميين والدوليين) وبين الفصائل الفلسطينية في غزة، ضمن مسار التهدئة وتبادل التفاهمات السياسية والأمنية — يندرج في سياق حرب نفسية واضحة تستهدف دفع أطراف المقاومة نحو تقديم تنازلات سريعة، لا سيما في ما يتعلق بملف نزع السلاح، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الخطاب يُستخدم كأداة ضغط سياسية وإعلامية في آن واحد.
ويضيف القرا أن توظيف التسريبات الإعلامية، ومنها ما يُشاع حول لقاءات القاهرة، لا يعكس بالضرورة وجود مسار تفاوضي مكتمل أو قائم فعليًا، بل يُستخدم في محاولة لصناعة واقع تفاوضي غير موجود على الأرض، بما يهدف إلى التأثير على مواقف الأطراف المختلفة.
ويؤكد أن هناك فجوة واضحة بين الخطاب الإعلامي "الإسرائيلي" من جهة، وبين الوقائع الميدانية والسياسية من جهة أخرى، وهو ما يكشف ـ بحسب وصفه ـ عن عدم تطابق بين التصعيد الإعلامي والقدرة على ترجمته إلى نتائج سياسية ملموسة.
ويشير القرا إلى أن ما يُعرف بـ"ورقة ملادينوف" بدأ بطرح حمل لغة تهديد مبطّن، الأمر الذي قوبل برفض وتحفظ فلسطيني واضح، قبل أن يشهد الخطاب لاحقًا تراجعًا نسبيًا بعد اللقاءات الأوروبية، وهو ما يراه مؤشرًا على فشل مقاربة الضغط المباشر في تحقيق أهدافها.
ويوضح أن التحول نحو الحديث عن "تنفيذ المرحلة الأولى" يعكس تقاطعًا جزئيًا مع الموقف الفلسطيني، ويُظهر إعادة تموضع في صياغة الطروحات السياسية المطروحة على طاولة التفاوض.
ويضيف أن دخول الاتحاد الأوروبي على خط التأثير السياسي أعاد ضبط إيقاع الطرح العام، وساهم في خلق حالة من التوازن النسبي، إذ يميل الأوروبيون ـ بحسب القرا ـ إلى التهدئة التدريجية بدلًا من فرض حلول صادمة أو مفاجئة. ويشير إلى أن هذا الدور الأوروبي يحدّ من اندفاعة الطرح الأمريكي–"الإسرائيلي" الأكثر تشددًا، ويُعيد توزيع عناصر الضغط داخل مسار التفاوض.
"خطوة مقابل خطوة"
وفي ما يتعلق بالدور المصري، يوضح القرا أن الدعوة المصرية لعقد اجتماع جديد تؤكد أن المسار التفاوضي لم يُغلق بعد، وأن القاهرة تتحرك في إطار إعادة هندسة التفاهمات وفق مقاربة "خطوة مقابل خطوة".
ويضيف أن استعادة الدور المصري تعكس حرصًا واضحًا على منع العودة إلى الحرب، والعمل على إبقاء المسار السياسي قائمًا عبر إدارة التدرج في التفاهمات. وعن الموقف الفلسطيني، يشير القرا إلى أنه يتمسك بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى قبل الانتقال إلى أي مراحل لاحقة، ويرفض ربط الملفات الإنسانية أو ملف إعادة الإعمار بأي شروط سياسية أو أمنية.
ويوضح أن هذا الموقف، رغم الضغوط، لا يُظهر تغيرًا جوهريًا، إذ يمتلك قدرة على امتصاص الضغط السياسي والإعلامي دون تعديل في جوهره الاستراتيجي.
وفي سياق متصل، يقول القرا إن الاحتلال يسعى إلى فرض سقف زمني وإيقاع تفاوضي ضاغط، مستخدمًا أدوات متعددة في ذلك، من بينها الاستهدافات الميدانية الممنهجة ومحاولات استنزاف المقاومة.
ويضيف أن استمرار الخروقات الميدانية يشكل تهديدًا مباشرًا لأي تقدم في مسار التفاوض، ويُضعف فرص بناء الثقة بين الأطراف.
ويشير القرا إلى أن انشغال الإقليم بملفات تصعيدية أخرى، مثل إيران ولبنان وغيرها، يخفف من الضغط المباشر على ملف غزة، لكنه في الوقت نفسه يبطئ الوصول إلى اتفاق شامل نتيجة تداخل الملفات وتشابكها.
ويؤكد أن جميع الأطراف تتعامل بحذر شديد لتفادي فتح جبهات إضافية قد تقود إلى انفجار إقليمي واسع. ويضيف أن المشهد يشهد انتقالًا واضحًا من مرحلة "الضجيج الإعلامي" إلى مرحلة "المسارات الهادئة"، مع تراجع احتمالات الانفجار الفوري، وبروز نمط تفاوضي تدريجي قائم على التراكم بدل الحسم السريع.
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يوضح القرا أن السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار التفاوض برعاية مصرية–دولية مع تقدم جزئي، بينما يتمثل السيناريو المتوسط في تثبيت المرحلة الأولى مقابل تهدئة ميدانية نسبية. أما السيناريو الأضعف فيكمن في انهيار المسار التفاوضي والعودة إلى انفجار واسع، رغم أن هذا الاحتمال ـ بحسب تقديره ـ يبقى الأقل واقعية في المرحلة الحالية رغم التلويح به إعلاميًا.
ويري القرا بالقول إن المشهد العام يتجه نحو تفاوض بطيء طويل الأمد تحكمه توازنات إقليمية معقدة، مشيرًا إلى أن الاحتلال يسعى لإطالة أمد هذه الحالة دون تحقيق اختراقات جوهرية. ويؤكد أن بقاء هذا المسار أو انهياره لا يتوقف على ساحة غزة وحدها، بل يرتبط بشكل أساسي بتطورات الإقليم وتشابك ملفاته المفتوحة.
يبدو المشهد في غزة أقرب إلى مرحلة إعادة تشكيل هادئة لمسار التفاهمات، أكثر من كونه اقترابًا من حسم سريع، في ظل تداخل العوامل السياسية والإقليمية وتعدد مسارات الضغط والتفاوض،ويبقى المسار العام مرهونًا بقدرة الوساطات على إدارة التوازنات الدقيقة ومنع انزلاق الأوضاع نحو انفجار جديد.
