محلل سياسي يوضح سيناريوهات ما بعد الترويج لـ"انتهاء المهلة" حول مسار التهدئة بغزة

قال الكاتب والمحلل إياد إبراهيم القرا إن ما يجري تداوله حول ما يُسمّى بـ"انتهاء المهلة" التي يتم التلويح بها في سياق التفاهمات غير المباشرة الجارية بين أطراف الوساطة (وخاصة الوسطاء الإقليميين والدوليين) وبين الفصائل الفلسطينية في غزة، ضمن مسار التهدئة وتبادل التفاهمات السياسية والأمنية — يندرج في سياق حرب نفسية واضحة تستهدف دفع أطراف المقاومة نحو تقديم تنازلات سريعة، لا سيما في ما يتعلق بملف نزع السلاح، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الخطاب يُستخدم كأداة ضغط سياسية وإعلامية في آن واحد.

ويضيف القرا أن توظيف التسريبات الإعلامية، ومنها ما يُشاع حول لقاءات القاهرة، لا يعكس بالضرورة وجود مسار تفاوضي مكتمل أو قائم فعليًا، بل يُستخدم في محاولة لصناعة واقع تفاوضي غير موجود على الأرض، بما يهدف إلى التأثير على مواقف الأطراف المختلفة.

ويؤكد أن هناك فجوة واضحة بين الخطاب الإعلامي "الإسرائيلي" من جهة، وبين الوقائع الميدانية والسياسية من جهة أخرى، وهو ما يكشف ـ بحسب وصفه ـ عن عدم تطابق بين التصعيد الإعلامي والقدرة على ترجمته إلى نتائج سياسية ملموسة.

ويشير القرا إلى أن ما يُعرف بـ"ورقة ملادينوف" بدأ بطرح حمل لغة تهديد مبطّن، الأمر الذي قوبل برفض وتحفظ فلسطيني واضح، قبل أن يشهد الخطاب لاحقًا تراجعًا نسبيًا بعد اللقاءات الأوروبية، وهو ما يراه مؤشرًا على فشل مقاربة الضغط المباشر في تحقيق أهدافها.

ويوضح أن التحول نحو الحديث عن "تنفيذ المرحلة الأولى" يعكس تقاطعًا جزئيًا مع الموقف الفلسطيني، ويُظهر إعادة تموضع في صياغة الطروحات السياسية المطروحة على طاولة التفاوض.

ويضيف أن دخول الاتحاد الأوروبي على خط التأثير السياسي أعاد ضبط إيقاع الطرح العام، وساهم في خلق حالة من التوازن النسبي، إذ يميل الأوروبيون ـ بحسب القرا ـ إلى التهدئة التدريجية بدلًا من فرض حلول صادمة أو مفاجئة.

ويشير إلى أن هذا الدور الأوروبي يحدّ من اندفاعة الطرح الأمريكي–"الإسرائيلي" الأكثر تشددًا، ويُعيد توزيع عناصر الضغط داخل مسار التفاوض.

وفي ما يتعلق بالدور المصري، يوضح القرا أن الدعوة المصرية لعقد اجتماع جديد تؤكد أن المسار التفاوضي لم يُغلق بعد، وأن القاهرة تتحرك في إطار إعادة هندسة التفاهمات وفق مقاربة “خطوة مقابل خطوة”.

ويضيف أن استعادة الدور المصري تعكس حرصًا واضحًا على منع العودة إلى الحرب، والعمل على إبقاء المسار السياسي قائمًا عبر إدارة التدرج في التفاهمات.

وعن الموقف الفلسطيني، يشير القرا إلى أنه يتمسك بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى قبل الانتقال إلى أي مراحل لاحقة، ويرفض ربط الملفات الإنسانية أو ملف إعادة الإعمار بأي شروط سياسية أو أمنية.

ويوضح أن هذا الموقف، رغم الضغوط، لا يُظهر تغيرًا جوهريًا، إذ يمتلك قدرة على امتصاص الضغط السياسي والإعلامي دون تعديل في جوهره الاستراتيجي.

وفي سياق متصل، يقول القرا إن الاحتلال يسعى إلى فرض سقف زمني وإيقاع تفاوضي ضاغط، مستخدمًا أدوات متعددة في ذلك، من بينها الاستهدافات الميدانية الممنهجة ومحاولات استنزاف المقاومة.

ويضيف أن استمرار الخروقات الميدانية يشكل تهديدًا مباشرًا لأي تقدم في مسار التفاوض، ويُضعف فرص بناء الثقة بين الأطراف.

ويشير القرا إلى أن انشغال الإقليم بملفات تصعيدية أخرى، مثل إيران ولبنان وغيرها، يخفف من الضغط المباشر على ملف غزة، لكنه في الوقت نفسه يبطئ الوصول إلى اتفاق شامل نتيجة تداخل الملفات وتشابكها.

ويؤكد أن جميع الأطراف تتعامل بحذر شديد لتفادي فتح جبهات إضافية قد تقود إلى انفجار إقليمي واسع.

ويضيف أن المشهد يشهد انتقالًا واضحًا من مرحلة "الضجيج الإعلامي" إلى مرحلة "المسارات الهادئة"، مع تراجع احتمالات الانفجار الفوري، وبروز نمط تفاوضي تدريجي قائم على التراكم بدل الحسم السريع.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يوضح القرا أن السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار التفاوض برعاية مصرية–دولية مع تقدم جزئي، بينما يتمثل السيناريو المتوسط في تثبيت المرحلة الأولى مقابل تهدئة ميدانية نسبية.

أما السيناريو الأضعف فيكمن في انهيار المسار التفاوضي والعودة إلى انفجار واسع، رغم أن هذا الاحتمال ـ بحسب تقديره ـ يبقى الأقل واقعية في المرحلة الحالية رغم التلويح به إعلاميًا.

ويختم القرا بالقول إن المشهد العام يتجه نحو تفاوض بطيء طويل الأمد تحكمه توازنات إقليمية معقدة، مشيرًا إلى أن الاحتلال يسعى لإطالة أمد هذه الحالة دون تحقيق اختراقات جوهرية.

ويؤكد أن بقاء هذا المسار أو انهياره لا يتوقف على ساحة غزة وحدها، بل يرتبط بشكل أساسي بتطورات الإقليم وتشابك ملفاته المفتوحة.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة