في غزة لا يبدو التفاوض مساراً سياسياً بقدر ما هو اختبار قاسٍ تحت النار، فبينما تُعقد لقاءات القاهرة وتُطرح مسارات لتنفيذ اتفاقات معلنة، يواصل الاحتلال إدارة الوقائع على الأرض بمنطق مختلف تمامًا؛ قصف متكرر، واستهداف لمناطق النزوح، وتوسيع لجراح مفتوحة لم تُمنح فرصة للالتئام، وكأن الاتفاق يُكتب في العلن ويُنسف في الميدان في اللحظة ذاتها.
تتعامل الفصائل الفلسطينية في هذا السياق بإيجابية ومسؤولية سياسية، ضمن حالة تنسيق وطني تحاول تثبيت الحد الأدنى من التوافق في مواجهة واقع بالغ التعقيد. غير أن المرجعية الواضحة تبقى ما تم الاتفاق عليه سابقًا، حيث يُعد تنفيذ المرحلة الأولى بالكامل، وفق جدول زمني دقيق وملزم، هو المدخل الوحيد لأي مسار لاحق، دون فتح أبواب لمفاوضات جديدة أو قفز فوق الالتزامات القائمة.
في المقابل، يكشف استمرار الخروقات عن أزمة التزام حقيقية من جانب الاحتلال، ما يضع الوسطاء أمام مسؤولية مضاعفة لضمانات تنفيذ فعلية لا شكلية، وفي قلب هذا المشهد، تبقى حقوق الشعب الفلسطيني غير قابلة للمساومة، فيما يظل وقف المعاناة الإنسانية وفتح المعابر وتدفق المساعدات أولوية عاجلة لا تحتمل التأجيل. الكرة اليوم ليست في ملعب التفاوض وحده، ولكن في اختبار جدية الالتزام على الأرض.
سياق التفاوض ومسار لقاءات القاهرة
في المشهد السياسي المتحرك بين الدخان والوفود، تبدو لقاءات القاهرة وكأنها محاولة لإبقاء خيط الاتفاق حيّاً فوق أرضٍ تتآكل يوماً بعد يوم، غير أن هذا المسار التفاوضي يُقرأ بوصفه "إدارة أزمة مفتوحة" تُدار فيها الملفات تحت ضغط النار لا تحت سقف الالتزام.
غزة، في هذا السياق، تُمثّل واقع يومي يُعاد تشكيله بالقصف والنزوح والانقطاع المتكرر للحياة، وبينما تُطرح عبارات "التقدم الإيجابي" في الغرف المغلقة، يردّ الميدان بصوت آخر أكثر قسوة بأنه "لا تفاوض فوق الركام".
وتكشف هذه الازدواجية بين النص التفاوضي والواقع الميداني عن فجوة عميقة، حيث يُنتج المسار السياسي خطاباً هادئاً، بينما تُنتج الأرض حقيقة دامية لا تعرف التأجيل.
الموقف الفلسطيني: مسؤولية وتوافق وطني
في مواجهة هذا التعقيد، تتحرك الحالة الفلسطينية ضمن محاولة واعية لتثبيت "التماسك الوطني التفاوضي" بوصفه شرطاً لبقاء أي مسار سياسي فاعل، فالتعامل مع المفاوضات يتم، بحسب السياق، ضمن شراكة وتنسيق بين فصائل العمل الوطني، بما يعكس إدراكاً عميقاً أن التفرد في لحظة كهذه يُعتبر ثغرة خطيرة.
هذا الموقف لا يقوم على الانفعال، بقدر ما يمكن تسميته بـ"العقلانية تحت النار"، حيث تُدار الملفات من داخل جرح مفتوح، دون التفريط بالثوابت أو الانزلاق إلى ردود فعل غير محسوبة، وكما يُقال في الخطاب الميداني المتداول: "نفاوض ونحن نحمل أثقال الميدان لا أوهام الطاولة"، وهذا التوافق يُقدَّم كدرع داخلي يحمي الحد الأدنى من وحدة القرار في مواجهة مشروع يسعى لتفكيك كل ما هو جماعي.
مرجعية الاتفاق وأولوية تنفيذ المرحلة الأولى
في قلب الجدل التفاوضي، تبرز مسألة المرجعية بوصفها نقطة ارتكاز حاسمة، فالاتفاق وفق مقاربته الفلسطينية هو نص ملزم لا يُقرأ خارج تسلسل مراحله.
المرحلة الأولى تحديداً تُطرح باعتبارها "الاختبار التنفيذي الأول"، وأي نقاش خارج إتمامها يُعد -في الرؤية الفلسطينية- قفزاً على الوقائع وإعادة تدوير للالتزامات دون ضمانات، لذلك يُعاد التأكيد أن "لا مسار جديد قبل إنجاز المسار القائم"، وأن الجدول الزمني المكتوب هو جوهر الالتزام.
خروقات الاحتلال وأثرها على تعطيل الاتفاق
على الأرض، لا يمكن فصل المسار التفاوضي عن سلسلة الخروقات المستمرة التي تعيد تشكيل الواقع يومياً، فالقصف المتكرر، واستهداف مناطق النزوح، واستمرار سقوط الضحايا، تُشكّل بنية ضغط ميدانية تُضعف أي إمكانية لبناء ثقة سياسية.
في غزة، يُختصر المشهد بعبارة تتردد على ألسنة الناس: "نُوقّع على اتفاق في النهار، ونُدفن تحت أنقاضه في الليل"، هذه المفارقة هي انهيار الفاصل بين السياسة والعنف.
هذه الخروقات تُقوّض فلسفة تنفيذ الاتفاق من الأساس، وتحوله إلى نص مُفرغ يُستخدم كغطاء بينما يُعاد إنتاج الأزمة على الأرض، لذلك يُنقل هذا الموقف بوضوح إلى الوسطاء، باعتبار أن أي مسار لا يستند إلى ضمانات حقيقية للتنفيذ يظل عرضة للانهيار في كل لحظة.
هنا تصبح المسألة أبعد من تفاوض، إنها معركة على معنى الالتزام ذاته: هل هو نص مكتوب، أم فعل يُقاس بوقف النار لا باستمراره؟
دور الوسطاء بين الضمانات والضغط السياسي
في قلب المشهد التفاوضي، يقف الوسطاء كمساحة مفصلية بين نصّ يُراد له أن يُنفّذ، وواقع يُعاد تشكيله بالقوة، غير أن هذا الدور، في السياق الغزّي يُقاس بقدرة فعلية على تحويل التفاهمات إلى "ضمانات مُلزمة قابلة للتحقق".
فالوساطة هنا ليست إدارة محايدة للنقاش، بقدر ما هي اختبار دقيق لقدرتها على منع انهيار الاتفاق تحت ثقل الخروقات المتكررة، وفي هذا الإطار تُنقل الرسائل الفلسطينية بوضوح إلى الوسطاء، بأن أي اتفاق لا يُدعَم بآليات رقابة وتنفيذ صارمة، يتحول إلى "نص سياسي بلا وزن ميداني".
وتبرز إشكالية إضافية حين يُستخدم الضغط السياسي كبديل عن الضمانات، ما يخلق حالة من الاختلال في ميزان الالتزام، فبدل أن يكون الضغط موجّهاً لوقف الانتهاكات، يُخشى أن يتحول إلى أداة لإدارة الوقت بدل إدارة الحل.
الثوابت الفلسطينية: الحقوق غير القابلة للمساومة
في كل لحظة مفصلية من مسار التفاوض، تعود الثوابت الفلسطينية لتفرض حضورها كمرجعية لا تخضع للمراجعة، فالقضية بالأصل هي حقوق تاريخية تتجاوز حدود اللحظة السياسية.
وضمن هذا الإطار، تُعاد صياغة المعادلة بوضوح، أنه "لا مساومة على الحقوق، ولا تفويض بالتنازل تحت أي ضغط"، وكما يُطرح ملف سلاح المقاومة ضمن هذا السياق باعتباره حقاً مشروعاً مرتبطاً بوجود الاحتلال، لا عنصراً تفاوضياً معزولاً، وإنّما قضية تُبحث في إطار توافق وطني شامل، لا في سياق الابتزاز السياسي أو الضغط المرحلي.
مستقبل المسار: تنفيذ فعلي أم تفاهمات شكلية
في النهاية، يقف المسار التفاوضي أمام سؤال حاسم: هل نحن أمام اتفاق يُنفَّذ، أم أمام تفاهمات تُدار لتخفيف الضغط دون تغيير الواقع؟
إن ما يجري حتى الآن يوحي بأن الاختبار الحقيقي في القدرة على تحويل بنود الاتفاق إلى التزام فعلي على الأرض، فالاتفاقات التي لا تُترجم إلى وقف شامل للانتهاكات، وضمان تدفق المساعدات، وتهيئة بيئة إعادة الإعمار، تبقى في دائرة "التفاهمات الشكلية" التي تُستهلك سياسياً دون أثر ملموس.
من هنا، يُطرح المشهد كلحظة مفصلية مفتوحة، إما تثبيت مسار تنفيذ حقيقي يُعيد تعريف الالتزام، أو استمرار دوامة تفاهمات مؤجلة تُعيد إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة.
وفي الحالتين، تبقى الكرة في ملعب الاحتلال لإثبات أن الاتفاق هو التزام يُقاس بالفعل لا بالتصريحات.
في نهاية هذا المشهد المعلّق بين التفاوض والنار، لا يعود السؤال: ماذا نوقّع؟ ولكن ماذا يُنفَّذ؟ فغزة التي تُختبر يومياً تحت القصف لا تنتظر مزيداً من النصوص، هي تنتظر التزاماً يوقف هذا العبث المفتوح مع الزمن والدم.
لقد تحوّل الاتفاق، في صورته الراهنة، إلى مرآة تكشف حجم الفجوة بين ما يُقال في الغرف المغلقة وما يُفرض على الأرض بالقوة، وكل خرقٍ جديد هو طعنة في فكرة الاتفاق نفسها، وإعادة إنتاج لمنطق "السلام المؤجل بالقصف".
إن استمرار هذا المسار دون ضمانات حقيقية يعني ببساطة إبقاء غزة داخل دائرة الاستنزاف الدائم، حيث تُدار الحياة بحدّها الأدنى، ويُدار التفاوض بحدّه الأقصى من الغموض.
أما الحقيقة التي لا تقبل التأويل، فهي أن الحقوق لا تُمنح تحت النار، ولا تُصاغ على وقع الانتهاك، وأن أي مسار لا يفضي إلى تنفيذ فعلي ومُلزم، ليس سوى تفاهمات مؤقتة تُرحَّل فيها الأزمة ولا تُحل.
اليوم، الكرة في ملعب اختبار الإرادة، إما اتفاق يُفرض كواقع على الأرض، أو مسار يتهاوى كلما اشتدت نيران الاحتلال، وغزة كعادتها تبقى هي الشاهد الأكبر، والضحية الأثقل، والمعيار الحقيقي لصدق كل ما يُقال.
