عاد ملف المرحلة التي تلي الحرب على قطاع غزة إلى الواجهة مجددًا، في ظل تسريبات ومعلومات متداولة حول اجتماع مرتقب تعتزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقده لما يُعرف بـ"مجلس السلام"، والذي يُتوقع أن يتولى الإشراف على إعادة إعمار القطاع ونشر قوة استقرار دولية.
ويأتي الحديث عن هذا المجلس في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن مدى التزام الاحتلال الإسرائيلي باتفاق وقف إطلاق النار، في ظل استمرار الخروقات الميدانية، إلى جانب الغموض الذي يكتنف مستقبل لجنة التكنوقراط والعراقيل التي تعيق مباشرتها مهام إدارة القطاع.
في الإطار، كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية، أن "إسرائيل" تعرقل بدء عمل لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة، وتمنع أعضاء اللجنة من دخول القطاع عبر مصر، رغم أن معبر رفح فتح مطلع فبراير الجاري، موضحة أن تأخر بدء عمل اللجنة يعود بالدرجة الأولى إلى الرفض الإسرائيلي السماح بدخول أعضائها إلى قطاع غزة.
وبحسب ما نقلته وكالة "رويترز" عن مسؤولين أميركيين كبار، فإن ترامب يعتزم الإعلان خلال الاجتماع الرسمي الأول لـ"مجلس السلام" في واشنطن عن خطة لإعادة إعمار قطاع غزة بقيمة مليارات الدولارات، إضافة إلى كشف تفاصيل نشر قوة استقرار دولية في القطاع، في إطار ترتيبات أُقرت بالتنسيق مع أطراف دولية.
ووفق المسؤولين، من المقرر أن يُعقد الاجتماع في التاسع عشر من فبراير/شباط الجاري، بمشاركة وفود من أكثر من عشرين دولة، بينها قادة ومسؤولون رفيعو المستوى، على أن يترأس ترامب الاجتماع شخصيًا.
وأوضح المسؤولون أن النقاشات ستركز على إنشاء صندوق دولي لتمويل إعادة إعمار غزة، مع تقديم مساهمات مالية من الدول المشاركة، مشيرين إلى أن عدداً من الدول أبدى استعدادًا لتقديم دعم مالي دون طلب أميركي مباشر.
وتندرج هذه التحركات ضمن خطة أميركية أوسع لإعادة تشكيل الواقع في غزة بعد الحرب، عبر الجمع بين إعادة الإعمار، وترتيبات أمنية جديدة، وإعادة تنظيم الإدارة المدنية في القطاع، بما يضمن – وفق الرؤية الأميركية – استقرار الأوضاع ومنع تجدد المواجهات.
ويُعد نشر ما يُعرف بـ"قوة الاستقرار الدولية" أحد أبرز محاور الخطة المطروحة، إذ تشير التقديرات إلى أن هذه القوة ستضم آلاف الجنود من عدة دول، مع توقعات بانتشارها في قطاع غزة خلال الأشهر المقبلة.
وتتمثل مهام هذه القوة، وفق ما يجري تداوله، في توفير مظلة أمنية للقطاع، والإشراف على ترتيبات تتعلق بسلاح الفصائل، والمساهمة في تثبيت الاستقرار ضمن مرحلة انتقالية قد تسبق ترتيبات سياسية أوسع.
وفي المقابل، يثير الحديث عن نشر قوة دولية جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً، وشدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على ضرورة أن تحظى أي قوة دولية يُعتزم نشرها في غزة بشرعية دولية كاملة، لضمان قبولها من قبل السكان المحليين والأطراف المعنية، ومنع تحولها إلى عامل توتر إضافي.
حماس: لم نتلق أي مقترحات رسمية
على المستوى الفلسطيني، أكد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أسامة حمدان، أن الحركة لم تتلقَّ من الوسطاء أي مسودة أو مقترحات رسمية تتعلق بسلاح المقاومة، مشددًا على أن الحركة لم تعتمد رسميًا أي قرار يخص تجميد سلاح المقاومة.
وأوضح حمدان، في تصريحات لقناة "الجزيرة"، الأربعاء، أن موقف الحركة ثابت باعتبار المقاومة حقًا مشروعًا للشعب الفلسطيني ما دام الاحتلال قائمًا، وأضاف "شعبنا يرفض الوصاية ولا يمكن القبول بقوات دولية تحل محل جيش الاحتلال".
وأشار إلى أن الحركة تواصلت مع الحكومة الإندونيسية، وأكدت لها أن دور القوات الدولية يجب أن يقتصر على حدود قطاع غزة للفصل عن الاحتلال، مضيفًا: "ينبغي أن تمنع قوة الاستقرار الدولية العدوان على شعبنا وفقًا لما جاء بخطة ترمب".
وكانت وسائل اعلام نقلت الثلاثاء عن المتحدث باسم الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، إن "قوة حفظ السلام متعددة الجنسيات المقترحة لغزة قد يبلغ قوامها نحو 20 ألف جندي، وإن تقديرات إندونيسيا تشير لإمكانية أن تساهم بما يصل إلى 8000 جندي في هذه القوة".
لكن المتحدث قال إنه "لم يتم الاتفاق على شروط الانتشار أو مناطق العمليات".
وفيما يتعلق بسلاح المقاومة، أكد القيادي في حركة حماس، محمود مرداوي، أن مسألة سلاح المقاومة الفلسطينية مرتبطة بشكل مباشر بأهداف الشعب الفلسطيني السياسية، مشدداً على أنه لا يمكن تسليم هذا السلاح في ظل استمرار الاحتلال في ممارسات الاغتيال والعدوان.
وأضاف مرداوي فى تصريحات صحفية تابعتها "شهاب"، أن سلاح المقاومة سيصبح بيد الدولة الفلسطينية عند قيامها، في إشارة إلى أن أي تسليم للسلاح قبل تحقيق الدولة يعد سابقاً لأوانه.
خروقات إسرائيلية تحصد مئات الشهداء دون رادع
وتطرق القيادي إلى الالتزام الحالي بوقف إطلاق النار، قائلاً إن حركته ملتزمة به، بينما يتصرف العدو وكأنه غير ملزم بأي شيء، مؤكداً أن المقاومة لن تتخلى عن سلاحها ما لم يلتزم الاحتلال بتنفيذ الاتفاقات المبرمة.
وأوضح مرداوي أن انسحاب الاحتلال والتزامه بتنفيذ الاتفاقات يشكلان الطريق للوصول إلى مسار سياسي حقيقي، موضحاً أن أي تخلي عن السلاح في ظل دعم الاحتلال للمليشيات المحلية سيكون خطوة غير ممكنة ولا مسؤولة تجاه الشعب الفلسطيني وأهدافه الوطنية.
ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تواصل إسرائيل ارتكاب مئات الخروقات بالقصف وإطلاق النيران، ما أدى إلى استشهاد وإصابة مئات المدنيين الفلسطينيين.
وأفادت أحد معطيات وزارة الصحة في غزة، بأن إجمالي حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بلغت شهيداً و1578 مصاباً، بينهم أطفال ونساء.
على الصعيد الإنساني
أفاد المكتب الإعلامي الحكومي بأن الاحتلال الإسرائيلي يواصل التنصل من التزاماته ضمن البروتوكول الإنساني، حيث بلغ إجمالي ما دخل إلى قطاع غزة 31,178 شاحنة من المساعدات والتجارية والوقود، من أصل 72,000 شاحنة كان يفترض إدخالها، بنسبة التزام لم تتجاوز 43%.
وبيّن المكتب، في حصيلة حديثة بعد مرور 4 أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، أن الشاحنات التي سُمح بدخولها توزعت بواقع 17,945 شاحنة مساعدات إنسانية، و12,402 شاحنة تجارية، إضافة إلى 861 شاحنة وقود فقط، من أصل 6,000 شاحنة وقود كان من المفترض إدخالها، بنسبة التزام لم تتجاوز 14%، فيما بلغ المتوسط اليومي لدخول الشاحنات نحو 260 شاحنة فقط.
وأوضح المكتب الإعلامي أن البروتوكول الإنساني ينص على إدخال 600 شاحنة يومياً إلى قطاع غزة تشمل المساعدات والمواد التجارية والوقود، إضافة إلى إدخال 50 شاحنة وقود يومياً تتضمن السولار والبنزين وغاز الطهي، وهو ما لم يلتزم به الاحتلال منذ بدء تنفيذ الاتفاق.
وأشار المكتب إلى أن الاحتلال لم يلتزم بإدخال الأعداد المتفق عليها من الشاحنات، كما لم يلتزم بخطوط الانسحاب المحددة من قطاع غزة، في استمرار واضح لسياسة فرض الوقائع الميدانية.
كما لفت إلى أن الاحتلال لم يسمح بإدخال المواد اللازمة لإعادة تأهيل وصيانة البنية التحتية التي تعرضت لدمار واسع، ولم يلتزم بإدخال المعدات الثقيلة الخاصة بالدفاع المدني، اللازمة لإزالة الأنقاض وانتشال جثامين الشهداء.
وفي السياق الصحي، أكد المكتب أن الاحتلال لم يلتزم بإدخال المعدات والمستلزمات الطبية والأدوية الضرورية، ما يزيد من تعقيد الأوضاع الصحية في القطاع، في ظل الانهيار الكبير الذي أصاب المنظومة الصحية.
وفيما يتعلق بحركة العبور، أوضح المكتب أن الاحتلال لم يلتزم بإعادة فتح معبر رفح وفق ما تم الاتفاق عليه، بل جرى تشغيله بشكل جزئي وتحت قيود مشددة، ما أعاق حركة السفر والعلاج.
وأضاف أن الاحتلال لم يلتزم كذلك بملفات الشهداء والجرحى والمعتقلين والمفقودين، كما لم يسمح بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة ومواد الإيواء اللازمة لإغاثة مئات آلاف النازحين.
وأشار المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن الاحتلال لم يلتزم أيضاً بإعادة تشغيل محطة توليد الكهرباء، الأمر الذي يفاقم أزمة الطاقة في القطاع، كما لم يلتزم بحدود ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث واصل التوغل وقضم مساحات إضافية داخل قطاع غزة.
وأنهى اتفاق وقف النار، حرب إبادة جماعية إسرائيلية استمرت عامين منذ 3 أكتوبر 2023، خلفت 72 ألفاً و45 شهيداً و171 ألفاً و686 مصاباً، ودماراً هائلاً طال 90% من البنى التحتية المدنية بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
