تقرير من بين ركام الجامعات... طلبة غزة يكافحون من أجل العلم بأقل الإمكانيات

صورة تعبيرية

تقرير - شهاب

يواجه طلاب الجامعات في قطاع غزة واقعاً تعليمياً مريراً لا يقل قسوة عن ظروف النزوح والعيش في الخيام، حيث يجد آلاف الطلبة أنفسهم أمام مستقبل نظري يفتقر إلى أدنى مقومات التطبيق العملي، بعد أن استهدف الاحتلال الإسرائيلي الصروح الأكاديمية ودمر المختبرات والأجهزة والموارد التقنية التي كانت تُشكّل الركيزة الأساسية لتخصصاتهم.

وبات إتمام المتطلبات الجامعية، خاصة في التخصصات العلمية والهندسية والطبية، مهمة شبه مستحيلة؛ بسبب فقدان المعدات والأدوات التي تُحوّل النظريات إلى مهارات ملموسة، مما يهدد بتخريج أجيال تحمل الشهادات وتفتقر إلى الخبرة العملية.

فجوة كبيرة

براء الديراوي، الطالب في الجامعة الإسلامية التي دمّرها الاحتلال الإسرائيلي بالكامل، تخصص التمريض، يعبر عن مخاوفه الكبيرة بشأن مستقبله المهني في ظل شبه انعدام للجانب العملي.

ويوضح براء في حديثه لوكالة شهاب، أن التخصص يعتمد بشكل كلي على الجانب العملي والتدريب على الأجهزة الطبية لتمكين الطلبة من التخصص.

ويضيف براء: "بعد ما الجامعات تدمرت والمختبرات راحت، ما ضل إلنا أجهزة ندرب عليها ولا أدوات نستخدمها، هلقيت بنقرأ الكتب وبنحفظ المعلومات، بس ما بنقدر نطبّقها عملياً".

ويشدد الطالب على أن غياب التدريب العملي أو محدوديته، بسبب عدم توفر المختبرات والأجهزة بعدما دمّر الاحتلال الجامعات، يخلق فجوة كبيرة في التأهيل المهني، متسائلاً: "كيف بدنا نكون ممرضين جاهزين إذا ما لمسنا الأجهزة ودربنا عليها؟".

ويعرب عن قلقه من التخرج دون خبرة عملية، مؤكداً أن الوظائف مستقبلاً تعتمد بشكل أساسي على الممارسة، وهو ما يجعله يشعر بالخوف الحقيقي على مستقبله المهني.

أما محمد عصام، الطالب في تخصص هندسة الحاسوب والذي بات على وشك التخرج، فيشير إلى أنه يفتقر للمهارات العملية المطلوبة رغم اقترابه من التخرج.

ويوضح، في حديثه لـشهاب، أن هذا العجز ناتج عن التوقف لمدة عامين عن الجامعة بسبب الحرب على غزة، حيث كانت الدراسة خلالها إلكترونية وتعتمد على الشق النظري فقط.

ويلفت إلى أنه حتى بعد انتهاء الحرب، لا يزال الشق العملي محدوداً للغاية؛ نظراً لأن الاحتلال دمر جميع الجامعات وما تضمّه من مختبرات وأجهزة تقنية.

ويضيف: "في ظل هذا الواقع، أحاول الحصول على دورات عملية حتى أتعلم المهارات المطلوبة في تخصصي، والتي لا يمكن اكتسابها عبر الكتب فقط".

ويقول بدر ضهير، الطالب في تخصص تطوير البرمجيات، إن خياره قد يبدو غريباً في مكان يعيش كل هذا الدمار، لكنه بالنسبة إليه كان حلماً قديماً، حيث كان يرى دائماً في البرمجة فرصة لخلق شيء من لا شيء.

ويضيف بدر، في حديثه لشهاب، أنه عندما دخل التخصص، كان يتخيل أنه سيتعلم في مختبرات مجهزة ويشتغل على أجهزة حديثة ويطبق المشاريع خطوة بخطوة، لكن الحرب ما تركت لهم هذا الخيار، مشيراً إلى أن المختبرات التي كانوا يحلمون بالتدرب فيها صارت ركاماً، والقاعات التي كان مفترضاً أن يكتبوا فيها أول برنامج لهم تهدمت، والأجهزة انتهت تحت الغبار والحجارة.

ويوضح، أن التخصص الذي أساسه أجهزة ومختبرات صار بلا مختبرات أصلاً، ما دفعه في مرات كثيرة لكتابة خوارزميات كاملة على دفتر ورقي، ورسم مخططات وترتيب أفكار وتخيل كيف سيعمل الكود.

ويشير بدر إلى شعوره في لحظات كثيرة بأن الطريق أطول عليهم مقارنة بطلاب البرمجة في أماكن ثانية بالعالم ممن لديهم مختبرات حديثة وكهرباء مستقرة، بينما يتعلم هو وزملاؤه بين الركام، ويشحنون أجهزتهم من نقاط تجارية ويشتغلون على بطارية محسوبة بالدقائق.

ويؤكد بدر أنه رغم كل شيء، فإن "الشغف ما انطفأ"، فالمباني قد تنهدم والكهرباء قد تنقطع، لكن فكرة بناء برنامج أو موقع أو تطبيق لسه موجودة، مشدداً على أن البرمجة علمته أن كل مشكلة لها حل حتى لو كان مؤقتاً.

ويتابع، "أنا أتعلم بدون مختبرات وأجهزة حديثة، بدون كهرباء، وبإمكانيات محدودة جداً، لكن عندي إصرار أكبر من كل الظروف".

كارثة حقيقية

الأكاديمي والمحاضر في جامعات غزة د. عبد السلام سلمان، يؤكد أن الواقع التعليمي في قطاع غزة بعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي الجامعات يُشكّل كارثة أكاديمية حقيقية.

ويشير في حديثه لشهاب إلى أن التخصصات العملية مثل الطب والهندسة والتكنولوجيا وغيرها لا يمكن أن تُبنى على المعرفة النظرية فقط، بل تحتاج إلى تدريب عملي متواصل.

ويبيّن أن غياب هذه البيئة يجعل الطالب يفتقر إلى الخبرة العملية، ويخلق فجوة كبيرة بين ما يتعلمه في الكتب وما يتطلبه سوق العمل.

ورغم وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما تزال إسرائيل تفرض قيودًا مشددة على دخول المساعدات والمواد الأساسية إلى قطاع غزة، وهو ما يحول دون قدرة الجامعات على تغيير المعدات التالفة أو المتهالكة.

وتشير الجهات المختصة إلى أن الاحتلال دمّر أكثر من 80% من مؤسسات التعليم العالي في القطاع.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة