ذوو الإعاقة الحركية في غزة معاناة متراكمة.. وأحلام بسيطة لا تتجاوز كرسيًا متحركًا

بين الخيام والشوارع المدمرة يعيش أصحاب الإعاقة حياةً مليئةً بالتحديات، ليس فقط في التنقل وإتمام أبسط متطلباتهم اليومية، بل في مواجهة عالم لم يُهيأ لهم بعد، تتشكل أحلامهم الصغيرة والكبيرة، لكن أكثرها جوهرية يتركز في حصولهم على كرسي متحرك يمنحهم حرية الحركة واستقلالية الحياة، ليتمكنوا من الانخراط في تفاصيل حياتهم كمفتاح لكرامة ووجود أهدرتها تداعيات الإبادة.

نافذة ضيقة

يعيش أحمد المغربي مع إعاقته الحركية منذ أكثر من عشرين عامًا، لكنه لم يكن يومًا أسيرًا للإعاقة، فقد اعتاد قبل الحرب أن يدير تفاصيل يومه بنفسه، متنقلًا بكرسيه المتحرك بين البيت والشارع، يشتري احتياجات أطفاله، ويتبادل الأحاديث مع الجيران، ويعيش حضوره الطبيعي بين الناس.

لكن حرب الإبادة غيرت المشهد كليًا، بعد أن فقد أحمد كرسيه المتحرك تحت ركام منزله في شمال غزة بعد تدميره خلال الحرب، ومنذ ذلك الوقت، انتقلت عائلته للسكن في شقة مستأجرة مراعاةً لظروفه الصحية، إلا أن الشقة تقع في الطابق الثالث داخل عمارة غير مهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة.

يقبع أحمد داخل غرفة صغيرة تحوّلت إلى عالمه الكامل، يطلّ منها على الشارع عبر نافذة ضيقة يراقب منها حركة الناس والحياة التي حُرم منها، يقول لـ"شهاب": "إن أصعب ما في الأمر ليس البقاء في المكان، بل الإحساس بأنه منفصل عن العالم، لا يستطيع أن ينخرط في تفاصيل الحياة ولا تأدية متطلبات عائلته".

يحلم أحمد بالحصول على كرفان أرضي يتيح له مغادرة "سجن الغرفة" إلى الشارع، حيث يستطيع رؤية الناس والتفاعل معهم، ومرافقة أطفاله في تفاصيلهم اليومية. يتذكّر كيف كان قبل الحرب يخرج بنفسه لشراء الطعام لهم، ويشاركهم الحياة خارج جدران المنزل.

لكن حلمه الأكبر يظل الحصول على كرسي متحرك كهربائي يعيد له قدرته على الحركة والاستقلال. بالنسبة له، الكرسي ليس وسيلة تنقّل فقط، بل مفتاح حياة كاملة حُرم منها. يقول: "لا أريد شيئًا استثنائيًا، فقط أن أعيش يومي بشكل طبيعي، وأن أكون حاضرًا في حياة أطفالي كما كنت".

1107840-113944765.jpg


 

في حين تختصر نور أبو عريبان معاناتها بالقول: "حياتي تغيّرت تمامًا بعد فقداني الكرسي الكهربائي الذي كنت أعتمد عليه".

تضيف: "كنت أتحرك بحرية داخل منزلي وداخل الحي الذي أسكنه، وفي كثير من المرات كنت أستطيع التسوق والذهاب إلى العيادة الطبية وحدي، كنت أتشارك حياتي مع العائلة والأصدقاء، وأمارس نشاطاتي اليومية دون صعوبة".

وتتابع: "اليوم كل شيء مختلف ومحدود، وحركتي بالكامل معتمدة على مساعدة الآخرين في ظل الدمار الذي طال الشوارع والبنية التحتية، ما يجعل التنقل شبه مستحيل، حتى أموري الشخصية ما عدت قادرة على القيام بها وحدي، مما يضعني في وضع محرج جدًا".

عزلة تامة

توضح نور أن معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة لا تقتصر على الحركة فقط، بل تشمل الرعب المستمر، أماكن النزوح، وغياب الأمن الغذائي، إذ لم تراعَ مراكز الإيواء احتياجاتهم ولا خصوصياتهم، وهو ما جعل تجربتها مع النزوح شديدة القسوة.

وتضيف أن نقص الكوادر المؤهلة للتعامل مع هذه الفئة، وتغييب ذوي الإعاقة عن المشاركة في وضع الخطط واتخاذ القرارات، يزيد من شعورهم بالعزلة والإهمال: "أصعب ما أواجهه هو عدم وجود مكان ملائم للعيش، ما يفقدني أدنى مقومات الحياة الكريمة وسط فوضى يومية لا تراعي احتياجاتنا".

تشير إلى أن الأدوات المساعدة التي كانت تعتمد عليها دمرت بسبب تدمير الشوارع والبنية التحتية، والبحث عن البدائل عبر المؤسسات العاملة في مجال الإعاقة متعب، كونها تواجه شحًا في الموارد وصعوبة إدخال الأدوات بسبب الإغلاق المستمر للمعابر، في مقابل زيادة غير طبيعية بعدد ذوي الإعاقة.

تؤكد نور أن العديد من أصدقائها من ذوي الإعاقة فقدوا حياتهم نتيجة عدم توفر الأدوية اللازمة، وصعوبة الوصول إلى المراكز الصحية غير المهيأة لهم وغياب الكوادر المدربة، فيما يقضي كثير منهم حياتهم في عزلة تامة عن المجتمع.

في حين يقول سعيد أبو شوقة "31 عامًا": "أقضي نهاري كله أمام الخيمة على كرسي متحرك متهالك بالكاد يتحرك على أرضٍ رملية مستوية، أراقب حركة الناس حولي، بينما أبقى أنا في مكاني بشكل يومي، حتى بت أشعر أنني جزء من الخيمة".

يوضح سعيد أنه قبل الحرب كان يعتمد على نفسه في التنقل وقضاء احتياجاته اليومية مستخدمًا كرسيه المتحرك الكهربائي، يخرج لزيارة أصدقائه، ويشارك في المناسبات العائلية، ويحاول أن يعيش حياة قريبة من الطبيعي رغم إعاقته، لكن الحرب غيرت كل شيء.

يمضي ساعات طويلة جالسًا في الخارج لأن إدخال الكرسي إلى الداخل مهمة شاقة، الرمال تغوص تحت العجلات، والمساحات الضيقة بين الخيام تجعل الحركة مرهقة ومحفوفة بالخطر، وعادة ما يحتاج إلى من يساعده لدفع الكرسي بضعة أمتار فقط، وهذا يعزز إحساسه بالعجز وأنه عبء على من حوله.

تزداد معاناة سعيد مع نقص الأدوات الخاصة التي يحتاجها يوميًا كشخص من ذوي الإعاقة، سواء مستلزمات النظافة أو الأدوات المساندة للحركة والجلوس المريح. هذا النقص لا ينعكس على صحته الجسدية فقط، بل على حالته النفسية أيضًا، إذ يحدّ من قدرته على التواصل والخروج من عزلته.

إنسان موجود

يناشد أحمد المؤسسات الإنسانية والدولية المعنية بشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة توفير كرسي متحرك كهربائي مناسب له، يمكنه من إدارة حياته بكرامة. يقول: "لا أريد أكثر من أن أتحرك وحدي، أن أخرج وأعود دون أن أطلب المساعدة كل مرة، أريد أن أشعر أنني إنسان موجود على وجه هذه الأرض".

من جانبه، أكد مجدي مرعي، الأمين العام للاتحاد الفلسطيني للأشخاص ذوي الإعاقة، أن وضع ذوي الإعاقة في قطاع غزة وصل إلى مستوى غير مسبوق من القسوة نتيجة استمرار الحصار وإغلاق المعابر ومنع إدخال المعونات الطبية والمستلزمات الأساسية.

وقال إن توقف إطلاق النار لم ينعكس إيجابياً على حياتهم، إذ ازدادت معاناتهم مع انهيار المنظومة الصحية، ونقص المستلزمات اليومية، وغياب خدمات التأهيل، مشيرًا إلى صعوبة تقدير أعداد الإعاقات الجديدة الناتجة عن الحرب، موضحًا أن التقديرات تتراوح بين 35 إلى 55 ألف إعاقة جديدة، إضافة إلى نحو 58 ألف حالة كانت مسجلة مسبقًا، مؤكداً أن هذه الأرقام تشكل حالة رعب للمجتمع الفلسطيني وتتطلب خطة وطنية شاملة بمشاركة الجهات الحكومية والدولية والمجتمع المحلي.

وحول خدمات التأهيل، أكد مرعي أنها شبه معدومة حاليًا، وأن الأولوية هي توفير مستلزمات تحافظ على حياة ذوي الإعاقة إلى حين وصول العلاج، في ظل تدمير مؤسسات الرعاية وتأهيل ذوي الإعاقة، وإغلاق الاحتلال حسابات 37 مؤسسة كانت تقدم مساعدات محدودة لذوي الإعاقة.

من جانبه، يرى الناشط في حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ناجي ناجي، أن الحرب تركت آثارًا كارثية على هذه الفئة، التي تعتمد حياتها على قدر من الاستقرار والخدمات المستمرة مثل الرعاية الصحية، التأهيل، وتوفر الأدوات المساعدة.

ويضيف ناجي: "مع انهيار البنية التحتية والخدمات، فقد الكثيرون منازلهم وأجهزتهم ومراكز التأهيل وأدويتهم، وأصبح عدد كبير منهم يعتمد كليًا على أسرهم في ظروف معيشية بالغة الصعوبة".

ويشير إلى أن حرية الحركة تشكل تحديًا كبيرًا في ظل دمار الشوارع وغياب الطرق المهيأة، ونقص وسائل النقل وسيارات الإسعاف.

آليات مرنة

ويؤكد ناجي أن الإصابات الجديدة، وبخاصة حالات البتر، أدت إلى زيادة أعداد الأشخاص الذين يحتاجون إلى خدمات تأهيل عاجلة غير متوفرة بالقدر الكافي.

وأضاف أن الحالات المزمنة تدهورت أيضًا، مع ارتفاع معدلات تقرحات الفراش والالتهابات، وتفاقم الاضطرابات النفسية مثل القلق والصدمات، نتيجة انقطاع الأدوية والخدمات الأساسية.

ويشير إلى أن تدمير البنية التحتية أدى إلى عزل شبه كامل لذوي الإعاقة، في ظل انقطاع الكهرباء الضرورية لتشغيل الأجهزة الطبية، شح المياه النظيفة، تضرر مراكز التأهيل والمستشفيات، وعدم تهيئة مراكز الإيواء لاستقبالهم.

img-2.jpeg


 

ويدعو ناجي لإدماج ملف الإعاقة في جميع خطط الطوارئ، وإشراك منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة في التخطيط والتنفيذ، مع توفير آليات توزيع مرنة مثل النقاط المتنقلة أو التوصيل المنزلي، ودعم خدمات التأهيل بشكل عاجل، خصوصًا لحالات البتر الجديدة، حتى لا تتحول الإعاقة من تحدٍ يمكن التكيف معه إلى عزلة كاملة وسط الحرب المستمرة

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة