حرب إيران وتداعياتها على الخليج.. تصدّع الثقة بواشنطن وبداية تحولات كبرى في ميزان القوى الإقليمي

حرب إيران وتداعياتها على الخليج.. تصدّع الثقة بواشنطن وبداية تحولات كبرى في ميزان القوى الإقليمي

فرضت الهجمات الإيرانية على دول الخليج واقعًا جديدًا في المنطقة، بعدما وجدت هذه الدول نفسها طرفًا في حرب سعت طويلًا إلى تجنبها. فمع تصاعد الضربات الإيرانية وتعطّل المصالح الاقتصادية وتهديد الأمن الإقليمي، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل، من أبرزها بروز تعاون عربي-إسرائيلي أكثر وضوحًا، إلى جانب تنامي الشعور الخليجي بتراجع موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية.

ويرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن ومدير مشروع دراسات الشرق الأوسط فيها، مارك لينش، أن مرحلة التوافق الخليجي مع إسرائيل بشأن ضرورة تبني إستراتيجية مواجهة ضد إيران قد انتهت. ويعزو ذلك إلى سلسلة من الصدمات التي تلقاها قادة الخليج خلال السنوات الماضية.

ففي عام 2019، كشفت الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية قدرة إيران وحلفائها على ضرب أهداف حساسة دون رد أميركي حاسم أو قدرة دفاعية فعالة. ثم جاءت الهجمات بالطائرات المسيّرة على أبوظبي لتعزز هذا الانطباع، ما رسّخ قناعة لدى قادة الخليج بوجود ضعف حقيقي لا يمكن للتحالف مع الولايات المتحدة تعويضه، أو أن واشنطن قد لا ترغب أساسًا في القيام بذلك.

وكانت العلاقات السعودية الإيرانية قد شهدت انفراجًا دبلوماسيًا عام 2023 برعاية الصين، حيث توصل الطرفان إلى تهدئة شاملة هدفت إلى خفض حروب الوكالة بينهما. وقد صمد هذا التقارب حتى خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا في يونيو 2025، إذ لم تستهدف إيران حينها السعودية أو أي دولة خليجية.

لكن الهجوم الأميركي-الإسرائيلي العنيف على إيران غيّر الحسابات الإستراتيجية في طهران. فمع ظهور استعداد الولايات المتحدة وإسرائيل لخوض حرب منسقة قد تصل إلى حد السعي لتغيير النظام الإيراني، أدركت طهران أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة لا يمكن العودة فيها إلى الترتيبات السابقة، وأن التقارب الدبلوماسي مع السعودية لم يعد مجديًا.

في المقابل، كانت دول الخليج تأمل أن يبقى الصراع محدودًا بين إسرائيل وإيران، وأن تتجنب أراضيها تبعات الحرب، خاصة فيما يتعلق بتدفق النفط وحركة الملاحة. ويقول لينش إن قادة الخليج تمنوا حربًا قصيرة قد تفضي إلى قيادة إيرانية أكثر براغماتية دون انهيار الدولة أو اندلاع فوضى إقليمية.

غير أن إيران رفضت هذا السيناريو، وردت على الهجوم الأميركي-الإسرائيلي بسلسلة ضربات مكثفة طالت معظم دول الخليج. فقد ركزت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية بشكل خاص على الإمارات والبحرين، لكنها استهدفت أيضًا السعودية والكويت، وحتى قطر وعُمان رغم علاقاتهما الودية مع طهران.

ويشير لينش إلى أن نمط الاستهداف الإيراني لم يكن عشوائيًا، بل اتبع إستراتيجية واضحة، إذ جرى ضرب مراكز مدنية داخل دول الخليج لإرسال رسالة مباشرة إلى الحكومات والشعوب مفادها أن أمنهم أصبح معرضًا لخطر غير مسبوق.

كما سعت إيران إلى إحداث ضغط اقتصادي عالمي سريع من خلال تعطيل إمدادات الطاقة، حيث أدى تهديدها بإغلاق مضيق هرمز إلى تراجع حركة ناقلات النفط، فيما تعطلت مصافي النفط السعودية وتراجع إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، ما ساهم في ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.

وفي ظل هذه التطورات، بدت الولايات المتحدة غير مستعدة لرد حاسم، رغم أن جماعة الحوثيين لم تنضم بعد إلى المعركة، على الرغم من دورها السابق في تعطيل الملاحة في البحر الأحمر خلال الحرب على غزة.

وتعتمد الإستراتيجية الإيرانية، بحسب لينش، على إنهاك منظومات الدفاع الصاروخي الخليجية والأميركية عبر إطلاق موجات متتالية من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة من طراز "شاهد"، إلى جانب استهداف منهجي لأنظمة الرادار والاتصالات المرتبطة بالدفاعات الجوية.

ويحذر لينش من أن معدلات الاعتراض المرتفعة في بداية الصراعات لا تعكس الصورة الكاملة، إذ إن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنفد الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن، وتبدأ إيران باستخدام صواريخ أكثر تطورًا.

وعلى مدى عقود، اعتمدت دول الخليج على الضمانات الأمنية الأميركية لمواجهة إيران. ومع عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي، شعر قادة الخليج أن علاقاتهم مع واشنطن أصبحت أقوى مما كانت عليه في الإدارات السابقة. لكن التطورات الأخيرة عمّقت لديهم الشعور بأن الولايات المتحدة خذلتهم.

ويعتقد لينش أن لدى قادة الخليج أسبابًا قوية للاعتقاد بأن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل تمس مصالحهم الحيوية وربما تهدد استقرارهم، دون أن يتم التشاور معهم بشكل جدي.

كما أن الإستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى تغيير النظام الإيراني تثير قلقًا عميقًا لدى دول الخليج، التي تدرك أنها لن تكون بمنأى عن التداعيات الكارثية في حال انهيار الدولة الإيرانية، سواء عبر تدفقات اللاجئين أو اضطراب الملاحة أو تصاعد الحركات المتطرفة.

وفي ضوء هذه المخاوف، بدأ يتشكل شعور متزايد في المنطقة بأن القواعد العسكرية الأميركية قد تحولت من مصدر للأمن إلى عامل جذب للهجمات والتهديدات.

وفي نهاية المطاف، تجد دول الخليج نفسها عالقة بين سيناريوهين كلاهما محفوف بالمخاطر: فبقاء النظام الإيراني سيعزز قدرته على استخدام الضغط العسكري والاقتصادي ضدها مستقبلاً، أما سقوطه فقد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة.

ويخلص لينش إلى أن ضراوة الحرب الحالية وطبيعتها المفتوحة، إضافة إلى المشاركة الأميركية المباشرة فيها، قد تدفع دول الخليج إلى إعادة التفكير جذريًا في تحالفاتها، وربما تمهد الطريق لتراجع سريع للهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط.

المصدر : عرب ٤٨

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة