تكشف الوقائع المتراكمة من داخل المستشفيات في "إسرائيل" عن أزمة صحية مركّبة، تتصاعد تدريجياً مع استمرار العدوان الذي شنّته على إيران، حيث تحوّلت الإجراءات الطارئة، وعلى رأسها نقل المرضى إلى أقسام تحت الأرض، إلى عامل ضغط مباشر على المنظومة الصحية.
وقبل أيام من بدء العدوان، كانت مستشفيات "إسرائيلية" عدة قد أعدّت مجمّعات استشفاء تحت الأرض، معظمها في مواقف سيارات متعددة الطبقات، بعمق يصل إلى ثلاث أو أربع طبقات. ومع بدء العمليات العسكرية في 28 فبراير/شباط الماضي، جرى نقل آلاف المرضى إلى هذه المرافق، إلى جانب مرافقيهم والطواقم الطبية، في محاولة لتأمينهم من تداعيات الحرب.
غير أن هذه الأقسام، التي رُوّج لها بوصفها نموذجاً للجاهزية، تكشف اليوم واقعاً مختلفاً، إذ تحوّلت إلى بيئات مكتظة ومغلقة، تفتقر إلى الشروط المثلى للاستشفاء، خصوصاً مع طول أمد العدوان.
مخاطر عدوى متزايدة
خلال الأسابيع الأخيرة، برزت مؤشرات حقيقية على احتمال تفشّي أمراض معدية داخل هذه الأقسام، بما في ذلك تسجيل حالات "سلّ رئوي" و"عدوى حصبة"، في ظل الاكتظاظ الشديد وضعف التهوية.
وفي بيان مشترك، أعلنت وزارة الصحة "الإسرائيلية" ومركز "شيبا" الطبي تشخيص إصابة بمرض السلّ الرئوي داخل مجمّع الاستشفاء تحت الأرض، خلال الفترة بين 17 و22 مارس/آذار الماضي. وجرى، على إثر ذلك، فتح تحقيق وبائي لتحديد المخالطين.
ووفق المعطيات، تم تحديد نحو 750 مريضاً يُحتمل تعرضهم للعدوى، بينهم قرابة 300 طفل من حديثي الولادة والرضّع، إضافة إلى مرضى يعانون من ضعف في جهاز المناعة. كما شمل التعرض المحتمل نحو 1900 من أفراد الطواقم الطبية، إلى جانب عدد غير معروف من المرافقين الذين تواجدوا في المكان لساعات طويلة.
ولم تقتصر المخاوف على السل، إذ سُجّلت أيضاً حالات إصابة بالحصبة في مستشفيات عدة، بينها "معياني هشوعا" و"شامير – أساف هروفيه"، فيما تعرّض عشرات المرضى المصابين بسرطان الدم في أحد الأقسام المحصّنة لمريض مصاب بالحصبة، ما استدعى إعطاءهم جرعات من الأجسام المضادة بتكلفة مرتفعة.
في حديث صحفي تابعته "شهاب"، يصف طبيب عربي يعمل في أحد المستشفيات "الإسرائيلية" الوضع بأنه "معقّد"، في ظل العمل داخل بيئة مكتظة وتحت الأرض.
ويقول: "نعمل تحت الأرض مع عدد كبير من المرضى وسط كثافة هائلة، هذا الاكتظاظ وغياب التهوية الكافية يرفعان من مخاطر التلوث، رغم محاولات تفادي ذلك".
ويضيف: "لا أستطيع القول إنه لا توجد عدوى، لكننا لم نصل بعد إلى أعداد تُجبرنا على عزل مرضى. التعرض للأمراض المرتبطة بالتلوث لا يزال في حدود المعقول، ونستطيع السيطرة عليه".
ويشرح الطبيب أن طول مدة بقاء المرضى يزيد من احتمالات الإصابة بمضاعفات: "كلما طال مكوث المريض، زادت احتمالات تعرضه لمضاعفات التلوث، حتى في الظروف العادية. حالياً، النسبة أعلى قليلاً، لكنها ليست خارجة عن السيطرة، مع بقاء المخاوف قائمة".
إلى جانب المخاطر الصحية، يلفت الطبيب إلى أزمة الخصوصية داخل هذه الأقسام، قائلاً: "مسألة الخصوصية تُعد مشكلة بحد ذاتها. المرضى يفصل بينهم ستار أو فواصل بسيطة"، علاوة على وجود صعوبات تنظيمية: لا توجد غرف مرقمة كما في المستشفيات العادية، وأحياناً نضطر للبحث عن المرضى والسؤال عن أماكنهم.
شهادات متقاطعة
تتطابق هذه الشهادة مع روايات أخرى، إذ يصف قريب أحد المرضى المشهد بأنه "لا يُحتمل"، في ظل الاكتظاظ والظروف الصعبة.
وفي شهادة لطبيب "إسرائيلي" نقلتها وسائل إعلام عبرية، جاء أن: "الوضع مروّع وبشع، الطاقم منهك تماماً، والناس يجلسون بعيون زائغة. حتى في الظروف العادية تكون الأقسام صعبة، لكن تحت الأرض الأمر أسوأ بأضعاف".
ويضيف: "لا توجد غرف أطباء أو محطات تمريض، وكل شيء يُدار على طاولات قابلة للطي وكراسٍ بلاستيكية".
كما يلفت إلى تدهور شروط النظافة: "العدوى تنتشر، وبعض البكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، ولا توجد إمكانية لغسل اليدين كما يجب بين المرضى".
تعكس الحياة اليومية داخل أقسام الاستشفاء المقامة تحت الأرض مستوى غير مسبوق من الضغط، يتجاوز قدرة المرضى والطواقم الطبية على التحمّل. فمع الاكتظاظ الشديد، تتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى عبء إضافي، في ظل نقص واضح في المرافق الأساسية، حيث يضطر عدد كبير من المرضى والمرافقين إلى تقاسم عدد محدود من دورات المياه، ما يزيد من التوتر ويؤثر على شروط النظافة العامة.
ولا تقتصر المعاناة على الجانب الخدمي، بل تمتد إلى غياب الخصوصية بشكل شبه كامل، إذ تُفصل الأسرّة بستائر أو حواجز مؤقتة، لا تمنع التداخل البصري أو السمعي بين المرضى. وفي بعض الحالات، يُضطر المرضى، بمن فيهم كبار السن، إلى تلقي الرعاية الشخصية، مثل تغيير الحفاضات، في أماكن مكشوفة نسبياً.
كما يواجه المرضى القادرون على الحركة صعوبات في الوصول إلى المرافق الصحية، نتيجة الازدحام أو بعدها، ما يدفع بعضهم إلى استخدام وسائل بديلة داخل أماكنهم، في مشهد يعكس حجم التدهور في ظروف الاستشفاء.
في ظل الظروف الاستثنائية التي تعمل بها المستشفيات "الإسرائيلية" تحت الأرض، تبرز إشكالية غياب الشفافية بوصفها أحد العوامل التي تعقّد المشهد الصحي. فمع تزايد المؤشرات على انتشار العدوى، لا تزال الصورة الكاملة لحجم الإصابات غير واضحة، في ظل غياب توثيق دقيق ومنهجي للحالات داخل هذه الأقسام المكتظة. وتشير طبيبة "إسرائيلية" إلى أن هذا الغموض ليس محض صدفة، بل يرتبط أيضاً بحساسية التصنيف، موضحةً أن "لا أحد يريد أن يُصنَّف كمستشفى ملوّث، والتوثيق لم يُنظَّم بعد"، في إشارة إلى فجوة قائمة بين الواقع الميداني والبيانات المعلنة.
هذا الغياب في البيانات الدقيقة يحدّ من القدرة على تقييم المخاطر بشكل فعلي، ويُضعف إجراءات الاستجابة، خصوصاً في بيئة مغلقة تتزايد فيها احتمالات انتقال العدوى. وعلى الرغم من وجود تعليمات صحية رسمية للتعامل مع الأمراض المعدية، إلا أن تطبيقها على الأرض يواجه تحديات كبيرة، إذ توضح الطبيبة أن "عندما يكون كل شيء مزدحماً، يصبح الالتزام بالإجراءات أمراً معقداً". ويعكس هذا الواقع فجوة واضحة بين النظرية والتطبيق، حيث تصطدم البروتوكولات الطبية بظروف ميدانية غير ملائمة، تتسم بالاكتظاظ ونقص الموارد وصعوبة التنظيم.
طول أمد الحرب
مع استمرار الحرب، تتجه الأوضاع داخل هذه المستشفيات نحو مزيد من التعقيد، في ظل ضغط متراكم لا يقتصر على البنية التحتية، بل يمتد ليشمل الطواقم الطبية والمرضى على حد سواء. ويحذّر أطباء من أن إطالة أمد العدوان على إيران تعني عملياً زيادة احتمالات تفشي الأمراض المعدية، في بيئة لم تُصمّم أساساً للاستشفاء طويل الأمد.
وفي موازاة ذلك، تتعرض الطواقم الطبية لحالة إنهاك متزايدة، نتيجة العمل المتواصل في ظروف ضاغطة، ما ينعكس بدوره على جودة الرعاية المقدّمة. ولا تقتصر التداعيات على العاملين داخل القطاع الصحي، بل تمتد إلى المرافقين الذين يلازمون المرضى، إذ يجدون أنفسهم جزءاً من هذه البيئة المكتظة، معرضين للمخاطر الصحية نفسها، دون امتلاك أدوات الحماية الكافية.
تعكس أوضاع المستشفيات المقامة تحت الأرض في "إسرائيل" صورة مكثّفة لضغط داخلي متصاعد، يواكب استمرار الحرب التي شنّتها على إيران. فالمعطيات الميدانية تُظهر أن تداعيات هذه الحرب لم تبقَ محصورة في ساحاتها الخارجية، بل امتدت إلى الداخل، حيث تواجه المنظومة الصحية تحديات متراكمة تكشف حدود قدرتها على التعامل مع أزمات ممتدة ومعقّدة، في ظل بيئة استثنائية تتداخل فيها العوامل الصحية واللوجستية والإنسانية.
