د. أميرة فؤاد النحال

معركة الرواية؛ الدبلوماسية الرقمية خط الدفاع الأول

ليست الهزائم دائماً ما تُقاس بخسارة الأرض، فبعضها يُقاس حين تنكسر الرواية في وعي جمهورها، ويتسلل الشك إلى الحاضنة، وتُفتح ثغرات في الجبهة التي ظنناها أصلب من أن تُخترق، ما يجري اليوم هو ارتباك في إدراك الأولويات، وانزلاق خطير في قراءة سياق الصراع، حيث تحوّلت بعض الأقلام التي طالما وقفت في صفّنا خلال معركة الطوفان إلى أدوات ضغط على خاصرة المقاومة، لا لأن الوقائع تغيّرت، ولكن لأن زاوية النظر ضاقت، وأُعيد توجيه البوصلة تحت وطأة اصطفافات إقليمية معقدة.

كيف يمكن أن تسقط هذه النخب في اختبارٍ كهذا؟ كيف يتحول الامتنان السياسي -ولو في سياق دبلوماسي محسوب- إلى تهمة تُشهر في وجه المقاومة؟ منذ متى أصبحت المجاملة السياسية جريمة حين تصدر عن طرف محاصر يقاتل في عزلة شبه كاملة؟ الأدهى أن هذا الهجوم يستند إلى حساسية انتقائية، تتغاضى عن سوابق سياسية أكثر فجاجة في ساحات أخرى، حيث فُتحت قنوات، وعُقدت لقاءات، وتبادلت المصالح مع قوى دولية ملطخة بدماء الأبرياء، دون أن يُرفع ذات السيف الأخلاقي.

المشكلة الأدهى في اختزال المشهد، وتحويل لحظة دبلوماسية عابرة إلى معيار ولاء، وكأن المقاومة مطالبة بأن تُدير معركتها بمنطق المثاليات المعزولة، لا بمنطق الصراع المركب، هنا تحديداً تتكشف خطورة الفراغ في الدبلوماسية الرقمية، حيث تُترك الرواية بلا حراسة، فتُملأ بالتأويلات، وتُختطف من سياقها، ويُعاد إنتاجها بما يخدم خصومها.

إن معركة اليوم أصبحت تدور حول تفسير الميدان قبل أن تكون في الميدان نفسه، وفيمن يملك حق صياغة المعنى، ومن يخسر هذه المعركة، قد يجد نفسه منتصراً عسكرياً لكنه مهزوم في وعي أمته.

معركة الرواية في العصر الرقمي

الفضاء الرقمي توسعت وظيفته من منصة إعلامية إلى غرفة عمليات موازية تُدار فيها الحرب على الوعي، حيث تُنتقى اللحظات، وتُجتزأ التصريحات، وتُعاد هندسة السياقات لتنتج رواية بديلة قد تكون أشد فتكاً من أي ضربة عسكرية.

في هذا الفضاء ينتصر من يُحسن تقديم الحقيقة، ومن يسبق إلى تأطيرها قبل أن يفعل خصمه، وهنا تحديداً تكمن المعضلة، حين تتأخر الرواية الأصيلة، تتقدّم الرواية المصنّعة لتملأ الفراغ، فتُحوّل فعلاً سياسياً مركّباً إلى "خطأ غير مدروس"، وتُعيد تعريف موقف تكتيكي باعتباره "انحرافاً عن الحاضنة"، وتُسقط على الواقع قراءات مبتسرة تُفكّك المعنى بدل أن تبنيه.

إن أخطر ما في معركة الرواية هو "نصف الحقيقة" حين تُفصل عن سياقها، وتُقدَّم كحقيقة مكتملة، عندها لا يحتاج الخصم إلى اختراع وقائع، يكفيه أن يعيد ترتيبها، وأن يقدّمها بلغة تبدو عقلانية، بينما هي في جوهرها إعادة توجيه للإدراك. ومن هنا، يصبح الصمت أو التأخر في الاشتباك الرقمي نوعاً من التفريط، لأن الرواية التي لا تُحرس، تُختطف.

سقوط النخب بين الوعي والاصطفاف

الأكثر إيلاماً من حملات الخصوم، هو ارتباك من ظُنّ أنهم حراس المعنى، بعض النخب التي امتلكت يوماً خطاباً واعياً وقدرة على التفكيك، سقطت في اختبار اللحظة، لأنها وقعت أسيرة لثلاثة ضغوط متداخلة، ضغط اللحظة، ضغط الاصطفاف الإقليمي، وضغط الجمهور الذي يُعاد تشكيله رقميًا بسرعة فائقة.

هنا يظهر "الانزلاق التحليلي" حين تُستبدل القراءة المركبة بردود فعل سريعة، ويُستدعى قاموس جاهز من المصطلحات لتفسير حدث معقّد، فجأة تصبح القرارات "غير مدروسة"، وكأن من يدير صراعاً وجودياً يفتقر إلى الحد الأدنى من الحسابات، وتُستحضر "الحاضنة السنية" كمعيار وحيد لتقييم كل موقف، وكأن الصراع يُدار داخل غرفة مذهبية مغلقة، لا في ساحة دولية مفتوحة تتقاطع فيها المصالح والتحالفات.

هذه اللغة رغم ما تبدو عليه من حرص، تعكس في عمقها اختزالاً مخلاً للمشهد، بل وتُسهم -دون وعي- في إعادة إنتاج خطاب الخصم، الذي يسعى أصلاً إلى تفكيك الحاضنة، لا حمايتها، فبدل أن تقوم النخبة بدور المفسّر الذي يعيد ربط الجزئيات بسياقها، تحوّلت في بعض الحالات إلى ناقل للارتباك، تُضخّم اللحظة وتُغفل المسار، وتُحمّل موقفاً تكتيكياً ما لا يحتمل من دلالات استراتيجية.

والأخطر من ذلك، أن هذا السقوط لا يأتي بصيغة الهجوم المباشر، ولكن يأتي بصيغة "النصح القَلِق"، ما يمنحه قبولاً أوسع وتأثيراً أعمق، لأنه يتسلل إلى الوعي كأنه حريص عليهم، بينما هو في حقيقته يعيد تشكيل زاوية النظر بما يخدم سردية مضادة.

الدبلوماسية السياسية بين الضرورة وسوء الفهم

في قلب هذا الجدل تبرز إشكالية قديمة تتجدد وهي الخلط بين الثوابت والمناورات، فالحركات التي تخوض مواجهة مفتوحة لا تملك ترف الحركة في فراغ أخلاقي مثالي، ولكنها تضطر إلى العمل ضمن شبكة معقدة من العلاقات، تُوازن فيها بين ما لا يمكن التنازل عنه، وما يمكن توظيفه مرحلياً لخدمة الهدف الأعلى.

الثابت هو البوصلة، أما السياسة فهي الطريق المتعرج الذي يُسلك للوصول، من يخلط بين الاثنين، يُحوّل أي حركة تكتيكية إلى "تنازل"، وأي تواصل إلى "اصطفاف"، وأي كلمة مجاملة إلى "تحول في الموقف"، وهنا تحديداً يُساء فهم "المجاملة السياسية"، التي تُعد في أدبيات العمل السياسي أداة لفتح النوافذ لا لتغيير الاتجاهات.

حين يوجّه طرف محاصر كلمة شكر أو تعزية في سياق دبلوماسي، فهو يُدير علاقاته ضمن الممكن، ويبعث برسائل متعددة الاتجاهات: للخصم، وللحليف، وللمتردد، هذه إدارة محسوبة للهوامش، في معركة لا تُخاض بالشعارات وحدها.

الإشكال أن بعض القراءات تتعامل مع هذه الأدوات وكأنها خروج عن الثوابت، متجاهلة أن التاريخ السياسي -قديمه وحديثه- مليء بأمثلة على تواصل قوى متصارعة مع أطراف متناقضة، دون أن يعني ذلك ذوباناً أو تبعية، الفارق الحقيقي لا يُقاس بلحظة دبلوماسية، ولكنه يُقاس بمسار كامل، أين تتجه البوصلة؟ وما الذي تغيّر فعلياً في المواقف؟

الازدواجية الأخلاقية في تقييم المواقف

في قلب الضجيج القائم، تتكشف إشكالية أعمق من مجرد اختلاف في التقدير، إنها ازدواجية المعايير التي تُمارَس بانتقائية لافتة، تُدين موقفاً بعينه، بينما تمرّر ما هو أشد تناقضاً دون مساءلة تُذكر، هنا لا يعود النقاش أخلاقياً بقدر ما يصبح انتقائياً.

كيف يمكن تفسير أن يُحمَّل تصريح دبلوماسي محدود كل هذا القدر من الشجب، في حين تُطوى صفحات كاملة من الانفتاح السياسي والتواصل مع قوى دولية وإقليمية ذات سجل دموي ثقيل؟ كيف يصبح "الخطأ غير المدروس" وصفاً جاهزاً لحالة بعينها، بينما تُبرَّر حالات أخرى تحت عناوين "الواقعية السياسية" و"إدارة المصالح"؟

هذه الازدواجية لا تنشأ من فراغ، بقدر ما هي نتاج تداخل معقّد بين الهوى السياسي، والانحيازات المسبقة، والضغط الإقليمي الذي يعيد تعريف المقبول والمرفوض وفقاً لمعادلات النفوذ، وهنا تتحول اللغة من أداة تفسير إلى أداة اصطفاف؛ تُستخدم مصطلحات مثل "الحاضنة" و"الهوية" كعناوين كبرى، بينما تُفرَّغ من مضمونها الحقيقي، وتُسخَّر لإعادة توجيه البوصلة لا لتثبيتها.

الأخطر أن هذه الانتقائية تُنتج وعياً مرتبكاً لدى الجمهور، يُفقده القدرة على التمييز بين الثابت والمتغير، ويزرع فيه حساسية مفرطة تجاه مواقف جزئية، مقابل تسامح واسع مع تناقضات جوهرية، وفي معركة الرواية، هذا الارتباك هدفاً بحد ذاته، لأن وعياً مشوشاً يسهل قيادته.

الدبلوماسية الرقمية كخط دفاع أول

إذا كانت الرواية هي ساحة الاشتباك، فإن الدبلوماسية الرقمية هي خط الدفاع الأول فيها، لم يعد كافياً أن يكون الخطاب صحيحاً، ولكن يجب أن يكون حاضراً في التوقيت المناسب، وبالصياغة التي تمنع خصومه من إعادة تشكيله، والفجوة بين الحدث وتفسيره هي أخطر مساحة في الصراع، ومن يملؤها أولاً، يفرض قراءته على الآخرين.

الإشكال القائم اليوم أن كثيراً من الخطاب لا يزال يتحرك بردّ الفعل؛ ينتظر الأزمة ثم يسعى لتداركها، بينما خصومه يعملون بمنطق استباقي، يُعدّ الرواية قبل وقوع الحدث، ويُجهّز قوالب التفسير التي ستُسكب فيها أي واقعة لاحقاً، وهنا تظهر الحاجة إلى انتقال نوعي، من خطاب يلاحق، إلى خطاب يبادر ويؤطر.

الدبلوماسية الرقمية هي منظومة متكاملة تقوم على ثلاث ركائز:

أولاً، السردية: بناء قصة متماسكة تُقدّم الفعل السياسي ضمن سياقه الكامل، لا كجزء مبتور.

ثانياً، التوقيت: التدخل في اللحظة الحرجة قبل أن تتصلب الانطباعات، لأن الرواية بعد ترسخها يصعب تفكيكها.

ثالثاً، إدارة الأزمات: تحويل كل حدث إشكالي من عبء إلى فرصة لإعادة شرح الموقف وتوسيع دائرة الفهم.

في الواقع.. كل لحظة صمت غير محسوب، أو تأخر في التوضيح، يفتح المجال لتكاثر التأويلات، التي لا تبقى في حدود النخب، بل تنحدر سريعًا إلى الجمهور، فتُبنى عليها مواقف، وتُعاد صياغة قناعات، لذلك، فإن امتلاك أدوات التأثير الرقمي ضرورة وجودية في معركة الوعي.

نحو استراتيجية وعي طويلة النفس

المشكلة التي نواجهها اليوم هي غياب بنية استراتيجية قادرة على إدارة الوعي على المدى الطويل، معركة الرواية لا تُحسم ببيان، ولا تُدار بردود موسمية، هي تحتاج إلى نفس طويل، ورؤية تراكمية، تُدرك أن بناء القناعة عملية بطيئة، بينما هدمها قد يتم بلحظة سوء تقدير.

هذا يفرض الانتقال من الفردية إلى العمل المنظم، عبر إعداد كوادر إعلامية تمتلك أدوات التحليل قبل أدوات التعبير، قادرة على قراءة السياق لا فقط التعليق عليه، وعلى تفكيك الخطاب المضاد بلغة هادئة وعميقة، لا بانفعال يُفقد الرسالة وزنها، نحن بحاجة إلى "عقول استراتيجية" بقدر حاجتنا إلى "أقلام حادة".

في الواقع.. النخب التي سقطت في فخ التسرع لم تكن تفتقر إلى النية، ولكنها افتقدت إلى الإطار الذي يضبط رد الفعل، ويضعه ضمن رؤية أوسع، ومن هنا فإن بناء فرق متخصصة في الدبلوماسية الرقمية، تعمل وفق خطط واضحة، وتتحرك بتنسيق لا بعشوائية، أصبح شرطاً أساسياً للصمود في معركة ممتدة.

إجمالاً.. في لحظات الاشتباك الكبرى، يُختبر صلابة الوعي في الميدان، فالرصاصة قد تُصيب جسداً، لكن الرواية حين تُصاب، يتشقق ظهر المعركة من الداخل، وما نعيشه اليوم هو أزمة تأطير؛ حيث تُنتزع الأحداث من سياقها، وتُعاد صياغتها بمعجم مُلغَّم، يقدّم الارتباك على أنه وعي، والانزلاق على أنه مراجعة.

لقد آن الأوان لكسر هذه الحلقة؛ وذلك بإعادة هندسة الخطاب، فنحن بحاجة إلى عقل استراتيجي يشتغل على تحصين المعنى قبل تبرير الحدث، وعلى ضبط البوصلة الإدراكية قبل مطاردة الانطباعات، فالمعركة أصبحت قائمة على كيف يُفهم ما نفعل.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نُستدرج إلى ملعب خصومنا، فنخوض النقاش بأدواتهم، ونُعيد إنتاج أسئلتهم، ونُسلم -دون أن نشعر- بافتراضاتهم المسبقة، هنا تتحول النخبة من حارس للرواية إلى ناقل لارتباكها، ومن مُفكِّك للسردية المضادة إلى مُعيد تدوير لها بلغة أكثر نعومة وأشد تأثيراً

لذلك فإن معركة الرواية تُمثل جبهة متقدمة تحتاج إلى انضباط، واشتباك واعٍ، ونَفَس طويل، نحتاج إلى إعادة تموضع تُخرجنا من منطق رد الفعل إلى صناعة الفعل، ومن استهلاك اللحظة إلى امتلاك معناها.

في هذه المعركة، لا يكفي أن نكون على حق؛ الأهمالدبلوماسب يجب أن نُحسن روايته، لأن من يفشل في حماية روايته، يفتح الطريق أمام خصومه ليكتبوا نهايته.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة