تشكل "العيدية" في أعياد الأطفال حول العالم أحد أجمل الرموز التي تصنع فرحة العيد وتجعل لحظاته مميزة ومليئة بالبهجة والضحك، لكنها في قطاع غزة لم تعد كذلك منذ أكثر من ثلاث سنوات، حيث بات الأطفال عاجزين عن الاحتفاء بالعيد على طريقتهم الخاصة.
مع دخول أول عيد الفطر المبارك بعد انتهاء الحرب، تفاقمت أزمة السيولة النقدية في قطاع غزة تحت وطأة القيود الإسرائيلية على إدخال الأموال، ما أدى إلى شلل شبه كامل في عمل البنوك، وترك مئات الآلاف من المواطنين دون قدرة فعلية على استخدام أرصدتهم لتأمين احتياجاتهم اليومية أو ممارسة عادتهم الاجتماعية في توزيع العيدية.
ولم ينجح الاعتماد المتزايد على التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية في تجاوز أزمة الكاش لا في الأيام العادية ولا في المناسبات، نظرًا لاعتماد السوق المحلية، خصوصًا البسطات والأسواق الشعبية، على الدفع النقدي بشكل أساسي.
عيد بدون عيدية
وبهذا الواقع، لم يعد بإمكان الأطفال شراء الحلويات أو الألعاب التي لطالما شكلت جزءًا من احتفالاتهم، ولم يفهموا بعد معنى قسوة الحصار ومرارة الاحتلال، ليجدوا العيد لديهم يومًا يختلط فيه الفرح بالدموع، في غياب طقوسهم الطفولية التي يمارسونها بكل حب خلال أيام العيد.
بلغته البسيطة، يقول محمد حجاج "12 عامًا": "العيد بدون عيدية ليس عيدًا"، يحدق في يديه الصغيرتين، الخاليتين تمامًا، ولا يلمس بين أصابعه حتى شيكلًا واحدًا ثمنا لقطعة شوكولاتة واحدة.
يضيف: كان العيد بالنسبة لي يومًا مليئًا بالبهجة، خاصة مع العيديات التي يمنحها لي الأهل والأقارب. كانت هذه العيدية تمنحني حرية اختيار الحلويات والألعاب والمطاعم التي أحبها، وكانت طقوس العيد تتركز في الركض مع الأصدقاء في نزهة نتفق عليها قبل العيد بشهور.
ويتابع: منذ بدء الحرب لم نعد نحتفل بالعيد بشكله الحقيقي، حتى بعد توقف الحرب، فأزمة "الكاش" (الأوراق النقدية) حرمتني وحرم كل أطفال غزة من بهجة العيد الحقيقية، إذ لا يمكننا الخروج للحصول على المال اللازم لشراء الألعاب والحلويات أو الذهاب في نزهة العيد كما نحب.
مؤكدًا أن شراء قطعة شوكولاتة واحدة بمبلغ زهيد أمر في غاية الصعوبة، حتى لحظة الضحك مع أصدقائه لم تعد ممكنة في ظل طقوس العيد الصامتة وسط الدمار.
مع تداعيات الإبادة الإسرائيلية التي لم تتوقف على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يعد نقص السلع والمجاعة وحدهما يشكلان الخطر الأكبر على الفلسطينيين، بل بات الحصول على المال نفسه أزمة قائمة بحد ذاتها، حيث تُنتزع من الأهالي نصف مدخراتهم في سبيل الوصول إلى السيولة النقدية، في ظاهرة باتت تعرف محليًا بـ"التكييش".
وارتفعت نسبة العمولة التي يضطر المودعون إلى دفعها مقابل تسييل أموالهم المحوّلة إلكترونيًا إلى 50% في بعض الأحيان، أي إن ما يصل إليهم فعليًا نصف القيمة فقط، في معادلة غير عادلة تعني ببساطة أن المال بات يُقسم مناصفة بين صاحب الحق فيه والتاجر أو الوسيط الذي يملك السيولة.
"منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، نشأ نمط اقتصادي قسري يمكن وصفه بـ'اقتصاد الحرب الاستنزافي'، إذ تحولت السوق إلى أداة لإعادة توزيع الدخل بالقوة من غالبية المجتمع نحو فئات محدودة احتكرت السلع والسيولة وقنوات الإدخال.
في محاولة للتخفيف من الأزمة، أطلقت سلطة النقد نظام التحويلات الفورية المجانية IBURAQ في مايو 2024، وانتشر استخدام المحافظ الإلكترونية، ما أسهم في إنشاء دورة مصرفية مغلقة حدّت من تسرّب الأرصدة النقدية لدى البنوك.
استنزاف مستمر
لكن هذا النظام لم يفضِ إلى سوق أكثر عدالة، بل أوجد ظاهرة التسعير المزدوج، حيث أصبح للسلعة سعران: سعر أعلى عند الدفع الإلكتروني وسعر أقل عند الدفع نقدًا، رغم ندرة النقد. هذا الفارق شكّل أحد أعمدة الاستغلال، وبرزت معه ظاهرة 'التكييش'، التي تمثل خصمًا قسريًا من القدرة الشرائية قبل وصول المواطن إلى السوق.
المواطن الذي يدفع 100 شيكل عبر تطبيق إلكتروني أو تحويل بنكي، لا يحصل في المقابل إلا على 50 إلى 80 شيكلًا نقدًا، أي أنه يخسر ما بين 20% و50% من قيمة ماله، وهذه الخسارة لا تُحتسب كضريبة رسمية لكنها تمثل استنزافًا حقيقيًا للدخل.
الاستنزاف لم يتوقف عند هذا الحد، بل شمل ممارسات مثل بيع الفكة بأقل من قيمتها، إخراج فئات نقدية كاملة من التداول مثل فئة 10 شيكل المعدنية، رفض الأوراق المهترئة أو قبولها بقيمة أقل، والتلاعب بأسعار صرف العملات، خصوصًا الدينار الأردني.
هذه الممارسات أدت إلى تحييد جزء كبير من الكتلة النقدية المتداولة، وتحويلها من أداة تبادل إلى عبء فاقد للقيمة، ما انعكس مباشرة على مستويات الاستهلاك، وعمّق الفجوة بين الدخل الاسمي والدخل الحقيقي، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشة مثل العمال وذوي الدخل المحدود وأصحاب المساعدات.
في موازاة أزمة السيولة، برز احتكار السلع كركيزة ثانية لاقتصاد الحرب الاستنزافي. الحصار ومنع إدخال البضائع لفترات طويلة شكّلا أرضية خصبة لتخزين السلع وإخفائها عمدًا، وطرحها لاحقًا بكميات محدودة وأسعار مرتفعة.
ويصف الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر القطاع المصرفي بأنه من أكثر القطاعات تضررًا خلال الحرب، مشيرًا إلى أن تكلفة إعادة إعمار البنية المالية تتجاوز 42 مليون دولار.
ويضيف أن القيود على الحوالات المالية لم تبدأ مع الحرب، لكنها اشتدت بشكل ملحوظ، حيث تُرفض تحويلات عديدة أو تُقيّد حسابات مصرفية بسبب مصادر الأموال، ما يزيد من تعقيد وصول الدعم العائلي.
وبحسب تقديرات أبو قمر، تجاوزت خسائر الأصول الائتمانية والنقدية 325 مليون دولار خلال عامين، وهو ما يعكس حجم الضرر الذي لحق بالدورة المالية في اقتصاد يعاني أصلًا من انكماش حاد.
ويؤكد أن منع إدخال السيولة يتعارض مع اتفاقية باريس الاقتصادية، التي تلزم بإدخال الكميات اللازمة من النقد إلى الأراضي الفلسطينية.
ويحذر من أن ترك السوق دون ضخ نقدي رسمي أسهم في تشكّل سوق سوداء تتحكم بأسعار السيولة وترفع تكلفة الحصول عليها، ما يفاقم الأعباء على المستهلكين والتجار على حد سواء، خاصة مع القيود المفروضة على إدخال الأموال نقدًا عبر العائدين، والتي لا تتجاوز ألف دولار، في سياسة يرى أنها تهدف عمليًا إلى سحب الكتلة النقدية من السوق بدل إنعاشها.
