تقرير /شهاب
تتحول صفحات وسائل التواصل الاجتماعي في الأعياد إلى مساحة يغلب عليها الحزن بدل الفرح، فيصبح العيد مناسبة لتذكر الشهداء والأحباء الراحلين، ومكانًا لعزاء جماعي مفتوح يتقاطع فيه الحزن الشخصي مع الحزن العام. نساء مكلومات بفقدان الأزواج والأبناء، وأبناء موجوعون بفقدان آبائهم وأمهاتهم وإخوتهم. الأطفال يكبرون أمام شاشات مليئة بالوجوه الغائبة، والبالغون يواجهون فراغًا ثقيلًا لم يعد يستطيع حتى العيد التقليدي أن يخفف منه. كل منشور، كل صورة، وكل تعليق يحمل صدى الحرب، ويذكّر بأن الحياة في غزة أصبحت يوميًا صراعًا بين البقاء على قيد الحياة والعيش تحت وطأة الفقد المستمر.
"ملح على جرحها"
يقول هيثم غراب، 22 عامًا، إنه فقد أربعة من أصدقائه في أوقات متفاوتة خلال أيام الحرب الأخيرة. مع اقتراب عيد الفطر، يجد نفسه عاجزًا عن تجاوز هذا الفقد، بل إن العيد يجدد مساحة الحزن في قلبه، على الرغم من أنه يحب إحياء مشاعر الفرح في عيد الفطر كونه مناسبة دينية عميقة.
ويصف عيد الفطر هذا العام بأنه حزين وبائس، ليس فقط لغياب كل شيء عن أجواء الفرح والاحتفال التي كانت تملأ الأعياد قبل فقدانهم، بل لأن هذا العيد هو العيد الأول بعد انتهاء الحرب قولًا لا فعلًا، حيث إن كل شيء حولنا يدلّ على وجود الحرب.
ويشير هيثم إلى أن أعياده السابقة مع أصدقائه كانت مناسبة للضحك واللقاءات المستمرة، حيث كانوا يتبادلون الحلويات والهدايا ويجلسون لساعات طويلة على أحاديثهم ومرحهم المشترك.
ويؤكد أن العيد اليوم يذكره بغيابهم أكثر من أي وقت مضى، فكل زاوية في الحي المدمّر تذكّره بغيابهم، وأن كل لحظة كانت تصنع فرحة العيد تحولت الآن إلى فراغ ثقيل.
ويضيف هيثم أن حسابه على فيس بوك تحول إلى مساحة لعزاء مفتوح، يشارك فيها صور أصدقائه ويستحضر الذكريات الصغيرة، من الضحكات العابرة إلى التفاصيل اليومية التي كانت تصنع فرحة العيد.
كل منشور وتعليق أصبح جسرًا يحاول من خلاله الحفاظ على الرابط الذي جمعهم رغم رحيلهم الأبدي، وسط صمت يملأ أجواء العيد في غزة، ويحوّل الفرحة المعتادة إلى حزن مستمر.
في حين تقول صفاء الطويل، 44 عامًا، إن العيد يضع على جرحها المفتوح ملحًا، ويجدد كل مشاعر الحزن والقهر والفقد التي عاشتها منذ فقدان أطفالها الثلاثة بقصف غادر استهدف منزلها في منتصف عام 2025.
وتعود صفاء بذاكراتها إلى ما قبل الحرب، وكيف كانت الأعياد بالنسبة لها مناسبة عارمة بالفرح، حيث كانت تصحو مبكرًا مع أطفالها، تتبادل معهم الحلويات والهدايا، وتزور الأقارب والجيران، وتجلس لساعات طويلة وسط أجواء مفعمة بالفرح.
وتضيف: "أما اليوم، كل زاوية في الخيمة تذكّرني بغيابهم، وكل صوت أو حركة من أطفال مخيم النزوح تعيد إلى أذني صوت أطفالي. كل بهجة يعيشها الآخرون تصنع في قلبي فراغًا كبيرًا لا أستطيع تجاوزه، إلا بمزيد من البكاء والدعاء".
وتتابع: "أجد من صفحة الفيس بوك مكانًا ووسيلة أعبر فيها عن مدى الألم الذي أعيشه، بل إنني أشعر، وأنا أنشر صورهم وذكرياتهم، أنني أحافظ على الرابط الروحي معهم رغم غيابهم الأبدي، وربما أريد أن أذكر الآخرين بمدى الفقد والثمن الذي دفعته مقابل حزني وانطوائي".
أخذت أرواحنا
بينما تستعيد ميسون عوض، 44 عامًا، ذكريات الأعياد السابقة، وتوضح كيف كانت تقضي اليوم مع أحبائها، من الضحكات والاحتفال وتبادل الهدايا، إلى التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع فرحة العيد وتملأ البيت بالبهجة مع أخوها الوحيد الذي قضى شهيدًا وعائلته كاملة في هذه الحرب.
وتشير إلى أن كل مكان كانت تمضيه معهم أصبح الآن يذكّرها بالغياب المؤلم، وأن كل ذكرى تفتح جرحًا جديدًا في قلبها.
وتضيف لميسون أن العيد اليوم أصبح مناسبة للقهر أكثر من أي فرحة، حيث تصارعها مشاعر الحنين والفراغ وسط صمت يملأ البيت وخلوه من الضحكات التي كانت تصنع معنى العيد سابقًا.
وتوضح أن صفحات التواصل الاجتماعي صارت مساحة تعبيرية لعزاء مفتوح، تحاول من خلالها الحفاظ على رابطها الروحي مع من فقدتهم، وسط عيد يغلبه الحزن على أي لحظة فرح، كما أن الكتابة عبر الفيس بوك مساحة لنقول فيها للعالم إن هذه الإبادة أخذت أرواحنا، وأن ما حدث في غزة جريمة سيحاسب الله عليها كل المتخاذلين.
من جانبها، توضح الدكتورة ختام أبو عودة، مختصة في العلاقات الأسرية، أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت منصة مزدوجة التأثير خلال الأعياد والمناسبات في غزة. من جهة، تتيح هذه المنصات للناس التعبير عن الحزن الجماعي، ومشاركة الذكريات والصلوات، ما يخلق شعورًا بالانتماء والدعم المتبادل. لكن من جهة أخرى، قد تضخم المنصات الألم عندما تفيض بالصور والفيديوهات الصادمة، فتزيد من حدة القلق والاكتئاب، خاصة لدى من يعيشون في مناطق النزاع.
وتضيف أبو عودة أن الوعي بكيفية استخدام وسائل التواصل ومراقبة التعرض للمحتوى المؤلم أمر ضروري للحفاظ على الصحة النفسية في أوقات الفقد والحزن الجماعي. توضح أن الحروب المستمرة تغير بشكل جذري طريقة الناس في الاحتفال بالمناسبات الدينية والاجتماعية، وتؤثر على الأطفال والكبار على حد سواء.
تقول إن الأطفال يشعرون بالارتباك والخوف عندما يصبح العيد مرتبطًا بالفقد والموت، فيما يواجه البالغون صراعًا بين رغبتهم في الاحتفال والواقع المؤلم المحيط بهم.
وتشير إلى أن هناك أساليب يمكن للأفراد والمجتمع اعتمادها للتخفيف من أثر الحزن ودعم الصحة النفسية في مناسبات مثل عيد الفطر. من بين هذه الأساليب، ممارسة الطقوس الرمزية التي تخلّد ذكرى الأحباء الراحلين، والجلوس مع أفراد الأسرة لتبادل الذكريات الإيجابية، والحرص على الانخراط في أنشطة صغيرة تُعيد إحساس الانتماء والفرح. وتؤكد أن الاعتراف بالحزن والتحدث عنه بصراحة جزء مهم من عملية الشفاء النفسي، وأن تجاهل المشاعر أو كبتها يزيد من التوتر والضغط النفسي.
توضح أبو عودة أن الأهل يمكنهم لعب دور محوري في مساعدة أطفالهم على التعامل مع فراغ العيد بعد فقد الأحباء.
توصي بإنشاء روتين جديد للأطفال في العيد، يشمل أنشطة بسيطة تخلق شعورًا بالطمأنينة، مثل مشاركة الذكريات الإيجابية عن من فقدوا، ورسم لوحات أو كتابة رسائل تذكارية، ما يساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم.
مواجهة حزن العيد
من جانبه، يشير محمود منصور، اختصاصي اجتماعي، إلى أن المجتمع المحلي يلعب دورًا حيويًا في مساعدة الأشخاص الذين فقدوا أحبائهم على مواجهة حزن العيد.
ويضيف أن الزيارات المتبادلة بين الجيران والأقارب، والتواصل المستمر مع العائلات المكلومة، يمكن أن يخفف من شعور الوحدة ويمنح المكلومين إحساسًا بأنهم ليسوا بمفردهم في الحزن.
يوضح منصور أن الدعم العاطفي يظهر من خلال طقوس بسيطة لكنها مؤثرة، مثل تبادل الزيارات، مشاركة الطعام، والحوار مع المكلومين عن الذكريات واللحظات الجميلة التي جمعهم بأحبائهم.
ويشير إلى أن هذه الممارسات تساعد على التعبير عن الحزن بشكل جماعي، وتخلق شعورًا بالانتماء والتضامن الاجتماعي، خصوصًا في أيام العيد التي كانت تقليديًا مليئة بالفرح.
يؤكد منصور أن المجتمعات المحلية في غزة تحافظ على طقوس اجتماعية تساعد الأفراد على التعبير عن الفقد جماعيًا، مثل الجلوس معًا لتبادل الذكريات، وتكريم الراحلين بالذكر والدعاء.
ويشير إلى أن هذه الطقوس تسمح للمكلومين بإطلاق مشاعرهم في بيئة آمنة، وتخفف من الضغط النفسي الناتج عن الصمت أو كبت المشاعر في أيام العيد.
يشدد منصور على أهمية تدخل المجتمع لدعم الأطفال الذين فقدوا أحبائهم، مشيرًا إلى أن مشاركة الأطفال في الأنشطة الرمزية تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم وفهم الغياب بطريقة صحية، منوّهًا بأن وجود الأقران والجيران المقربين يقلل من شعور الأطفال بالوحدة ويخفف من صعوبة التعامل مع الفراغ النفسي الذي يتركه فقدان الاحتفالات التقليدية.
يرى منصور أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون جزءًا من الدعم المجتمعي، إذ تتيح للناس التعبير عن الحزن ومشاركة الذكريات والصور، ما يخلق شعورًا بالانتماء والتضامن. لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن الإفراط في مشاهدة الصور والفيديوهات الصادمة قد يزيد من الشعور بالحزن والضغط النفسي، مشددًا على ضرورة استخدام المنصات بشكل واعٍ لتكون وسيلة للتخفيف من الألم لا مضاعفته.
