تقرير/ شهاب
تبرز الدعاية كأداة موازية تسعى من خلالها واشنطن إلى إعادة ضبط موازين التأثير، ليس فقط في الخارج، بل داخل الرأي العام الأميركي ذاته. وفي سياق التصعيد مع إيران، تتحول إدارة السردية إلى جزء لا يتجزأ من إدارة المعركة، حيث توظَّف التصريحات الرسمية والمعلومات المتداولة بشكل يخدم توجهات الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب، في محاولة لاحتواء الانتقادات وتبرير التحركات العسكرية.
ويأتي ذلك في ظل بيئة دولية متحفظة، تتسم بتراجع الحماس لدى الحلفاء للمشاركة المباشرة، وتزايد التساؤلات حول قانونية هذا التصعيد، ما يدفع نحو تكثيف الحضور الإعلامي كبديل يسعى لفرض واقع سياسي يتجاوز حدود الميدان.
"معلومات مضللة"
وفق تقرير نشرته CNN، خضع عدد من تصريحات دونالد ترامب لعملية تدقيق أظهرت عدم دقتها، وفي مقدمتها تأكيده المتكرر أن رد إيران على العدوان الأميركي–الإسرائيلي باستهداف دول الخليج "فاجأ الجميع".
وأشار التقرير إلى أن هذا الطرح يتناقض مع تقديرات سابقة لخبراء ومسؤولين، إذ كانت فرضية التصعيد الإقليمي مطروحة قبل الضربات، بل وأُعلنت صراحة في تصريحات إيرانية، من بينها ما نُسب إلى علي خامنئي حول تحول أي عدوان إلى صراع إقليمي.
كما نقل التقرير مواقف لخبراء، أكدوا أن سلوك طهران كان متوقعًا لكل من يتابع سياساتها، مشيرًا إلى أن إيران تميل إلى توسيع نطاق التوتر كوسيلة لاستعادة الردع، في حين حذّر آخرون من سيناريوهات تشمل ضرب اقتصادات الخليج وإغلاق مضيق هرمز وإحداث أزمة طاقة.
في المقابل، صعّد ترامب هجومه على وسائل الإعلام، متهماً إياها بترويج "معلومات مضللة"، ومهددًا بسحب التراخيص، خاصة على خلفية تقارير تتعلق بحاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" بعد تعرضها لحريق.
وذهب في منشور على منصة "تروث سوشال" إلى اتهام إيران بالتنسيق مع الإعلام لنشر روايات كاذبة عن تدمير الحاملة، داعيًا إلى محاسبة وسائل الإعلام بتهم تصل إلى "الخيانة".
غير أن تقرير CNN نفى وجود أدلة على تنسيق من هذا النوع، مؤكدًا أن وسائل إعلام أميركية كبرى عملت على تفنيد تلك المزاعم. ووسّع التقرير دائرة الادعاءات غير المثبتة لتشمل روايات أخرى لترامب، بينها زعمه أنه دعا في كتابه أميركا التي نستحقها إلى استهداف أسامة بن لادن قبل أحداث 11 سبتمبر، وهو ما لم يرد في الكتاب، إضافة إلى حديثه عن تواصل مزعوم مع رؤساء أميركيين سابقين أعربوا عن دعمهم لضرب إيران، وهو ما نفاه مساعدو باراك أوباما وجو بايدن وجورج بوش الابن وبيل كلينتون، ما يعزز، وفق التقرير، نمطًا متكررًا من سرد وقائع غير موثقة.
من جانبه، يؤكد المحلل السياسي وسام عفيفة أن توظيف المعلومات المضللة في العدوان الأميركي–الإسرائيلي من قبل الحكومة الأميركية لم يكن سلوكًا عشوائيًا أو ارتجاليًا، بل جاء ضمن استراتيجية متكاملة لما يُعرف بـ"الخطاب الموجّه".
ويوضح أن هذه الاستراتيجية تقوم على محاولة خلق واقع افتراضي بديل يسبق الوقائع الميدانية، بهدف تبرير القرار العسكري وتقليل كلفته السياسية، سواء على الصعيد الداخلي الأميركي أو في السياق الخارجي المرتبط بالحلفاء والمجتمع الدولي.
"نصرًا سريعًا إعلاميًا"
ويشير عفيفة، في تفصيله لآليات خطاب ترامب، إلى أن المبالغة في تصوير تدمير القدرات الإيرانية، أو الترويج لفكرة انهيار النظام، تندرج ضمن مسعى واضح لإنتاج ما يسميه "نصرًا سريعًا إعلاميًا"، حتى في ظل واقع ميداني معقد لا يعكس هذه الصورة.
ويضيف فى تصريح خاص لـ"شهاب" أن هذه الدعاية، رغم كثافتها، لا تستطيع تعويض إخفاق القوة العسكرية على الأرض بشكل فعلي، بل تظل أقرب إلى رافعة نفسية مؤقتة تُستخدم لرفع المعنويات وإدارة الانطباعات.
ويستدرك عفيفة بأن رد إيران لم يكن مفاجئًا، بل جاء في إطار منطق الردع المتبادل المعروف، وهو ما يكشف بوضوح عن فجوة قائمة بين الخطاب السياسي المعلن والواقع الميداني الفعلي.
وفي سياق متصل، يلفت عفيفة إلى أن رفض بعض الحلفاء الانخراط في هذه الحرب أسهم بشكل مباشر في إضعاف الشرعية الدولية للتحرك الأميركي، ما وضع الإدارة الأميركية أمام مأزق سياسي، دفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على الخطاب الدعائي لتعويض غياب الغطاء السياسي.
ويبين أن هذا التعويض تجلّى في تضخيم التهديد الإيراني، وإعادة تقديم الحرب باعتبارها ضرورة أمنية عالمية تمس استقرار النظام الدولي، وليس مجرد مواجهة ثنائية. ومع ذلك، يشدد على أن هذا النمط من التعويض يبقى محدود الفاعلية، ولا ينجح في سد الفجوة بالكامل.
وعلى مستوى الداخل الأميركي، يحذر عفيفة من أن فبركة المعلومات أو تضخيمها لا تمر دون كلفة، إذ تؤدي إلى خلق حالة من الاستقطاب الحاد داخل الرأي العام، وتعزز منسوب الشك في المؤسسات الرسمية.
ويرى أن هذا المسار قد يمنح الإدارة هامش مناورة قصير الأمد يمكنها من إدارة الأزمة سياسيًا وإعلاميًا، لكنه في المقابل يضعف الثقة الاستراتيجية على المدى البعيد، ويجعل أي فشل ميداني لاحق أكثر كلفة، سواء من الناحية السياسية أو الإعلامية.
يوضح خبير العلاقات الدولية صلاح عبد العاطي أن فبركة الأخبار في النزاعات الدولية لا يمكن النظر إليها بوصفها مسألة إعلامية فقط، بل هي قضية ذات أبعاد قانونية معقدة، مشيرًا إلى أنه لا يوجد نص صريح في القانون الدولي يجرّم "الأخبار الكاذبة".
لكنه يبين في الوقت ذاته أن القانون الدولي الإنساني يفرض قيودًا صارمة على سلوك أطراف النزاع، من خلال مبادئ أساسية مثل التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وحظر الخداع الغادر (Perfidy)، ومبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات الدولية، مؤكدًا أن فبركة الأخبار تصبح غير قانونية إذا أدت إلى انتهاك هذه المبادئ.
سلوك غير قانوني
ويفرّق عبد العاطي بين الخداع العسكري المشروع والتضليل غير المشروع، موضحًا أن الخداع العسكري مسموح به ضمن شروط، مثل التمويه العسكري أو التضليل التكتيكي في الميدان.
في المقابل، تتحول فبركة الأخبار إلى سلوك غير قانوني عندما تستهدف المدنيين أو الرأي العام المدني للتأثير على سلوكهم بشكل ضار، أو عندما تقود إلى قرارات أو أعمال عسكرية مبنية على معلومات زائفة، أو تُستخدم لتبرير هجمات غير قانونية أو جرائم دولية.
يحذر عبد العاطي فى حديثه مع "شهاب" من أن هذا السلوك يقوّض مبدأ حسن النية الذي تقوم عليه العلاقات بين الدول، إذ إن نشر معلومات مضللة بشكل ممنهج يعد إخلالًا جوهريًا بهذا المبدأ. كما ينبه إلى أن هذه الممارسات قد تهدد السلم والأمن الدوليين، خاصة إذا استُخدمت لتبرير استخدام القوة أو عرقلة جهود الوساطة ووقف إطلاق النار.
ويضيف أن فبركة الأخبار لا تقف عند حدود السياسة، بل تمتد إلى مجال حقوق الإنسان، حيث قد تؤدي إلى التحريض على الكراهية أو الحرب، وتُستخدم لتقييد حرية التعبير من خلال شيطنة الإعلام المستقل وتبرير القمع الداخلي.
وفي سياق متصل، يحذر عبد العاطي من مخاطر استخدام الدعاية كسلاح من قبل الدول الكبرى، معتبرًا أن ذلك قد يخلق سابقة قانونية خطيرة تسهم في ترسيخ عرف دولي سلبي إذا أصبح التضليل ممارسة متكررة. كما يشير إلى أن استخدام الأخبار الكاذبة لتبرير هجمات على المدنيين أو عمليات عسكرية غير مشروعة قد يرقى إلى مستوى التواطؤ في جرائم دولية، بما في ذلك جرائم الحرب أو جرائم العدوان.
ويؤكد أن هذا المسار يقوّض النظام القانوني الدولي، من خلال إضعاف دور الأمم المتحدة، وتقويض الثقة في المؤسسات الدولية، وتآكل قواعد المساءلة، لافتًا إلى أن المسؤولية قد تمتد إلى القادة، الذين يمكن مساءلتهم سياسيًا أو قانونيًا إذا ثبت تعمدهم نشر معلومات مضللة أدت إلى جرائم.
ويخلص عبد العاطي إلى أن فبركة الأخبار لا تعد وسيلة مشروعة عندما تتحول من خداع عسكري محدود إلى استراتيجية ممنهجة تستهدف المدنيين، أو تنتهك قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، أو تسهم في تبرير أفعال غير مشروعة دوليًا، مؤكدًا أن التضليل بحد ذاته قد لا يكون جريمة دائمًا، لكن آثاره وغاياته قد تجعله غير قانوني بالكامل.
