تقرير حرب الإبادة تُعمّق الفجوة الديمغرافية في غزة.. تغيّر ملامح المستقبل السكاني

تقرير / شهاب

تبقى المنازل المدمّرة والبنى التحتية المحطّمة، وانعدام الخدمات الأساسية، مجرد صورة سطحية لما يعيشه السكان في غزة، لكن التركيبة الديمغرافية للسكان أوجدت فجوة في المجتمع الغزّي، ليس فقط من حيث الأعداد، بل في الأعمار، والخصوبة، والمستقبل البشري للقطاع.

قبل اندلاع حرب الإبادة، كان التوازن السكاني مع الاحتلال متقاربًا، بل كانت التوقعات تشير إلى تفوق الفلسطينيين في السنوات التالية لعام 2023. لكن مع خسارة أكثر من 160 ألف فلسطيني بين شهيد ومفقود، وانخفاض معدلات الولادة، وارتفاع معدلات الهجرة والنزوح، تغيّرت المعادلة الديمغرافية بشكل جذري.

فجوة مستقبلية

وبحسب محمد دريدي، مدير الإحصاءات السكانية والاجتماعية في الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن الميزان الديموغرافي بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" قبل اندلاع الحرب على غزة كان متساويًا، لكنه كان قد بدأ يميل لصالح الفلسطينيين.

وأضاف في حديث تابعته "شهاب": "كانت ثمّة توقّعات بأن يتجاوز عدد الفلسطينيين عدد اليهود في السنوات التي ستلي عام 2023".

ويشير قائلًا: "إن حرب الإبادة الأخيرة غيّرت المعادلة الديموغرافية بشكل جذري، ليصبح هناك تقارب في نسب السكان"، موضحًا أن 70% من الشهداء كانوا دون سن الثلاثين، مما يعكس أن مجتمع غزة مجتمع فتيّ.

ويضيف: "هذا يعني أنّ الفئة العمرية التي يُعوّل عليها أن تُنجب خلال السنوات القادمة حتى تُحافظ على الهرم السكاني الطبيعي، قد حدثت فيها فجوة ستظهر في المستقبل المنظور".

وأكد أن انخفاض معدلات الإنجاب والزواج خلال الحرب أدى إلى تقليص أعداد الفئات العمرية الصغيرة، مشيرًا إلى أن: "خلال عامين في المستقبل المنظور، من المتوقع أن يظهر بوضوح حجم الفجوة في هذه الفئة العمرية الممتدة من عمر يوم وحتى أربع سنوات، إذ من المقدّر أن تنقص بنسبة 10%، في حين ستنقص جميع الفئات العمرية بنسبة 2.5%".

كما أشار إلى تأثير النزوح خلال الحرب على التركيبة السكانية، موضحًا أن: "التقديرات تشير إلى أنّ 110 آلاف فلسطيني، أي ما معدّله 5% من سكان غزة تقريبًا، خرجوا منها قبل إغلاق معبر رفح خلال الحرب، وهذا يُضاف إلى الخسارة السكانية الحاصلة بسبب الحرب".

أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن الإجراءات الاحتلالية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، ومن بينها العمليات العسكرية التي تؤدي إلى النزوح، تهدف إلى إحداث "تغيير ديموغرافي دائم".

وقال فولكر تورك في خطاب أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف مطلع مارس الحالي: "يبدو أن الإجراءات الإسرائيلية مجتمعة تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي دائم في غزة والضفة الغربية، ما يثير مخاوف من التطهير العرقي".

وأشار المسؤول الأممي، خصوصًا، إلى العملية العسكرية الإسرائيلية المستمرة منذ عام في شمال الضفة الغربية، والتي تسببت في نزوح نحو 36 ألف فلسطيني.

سياسات ممنهجة

يؤكد محللو الإحصاءات السكانية أن عدد السكان في قطاع غزة شهد انخفاضًا غير مسبوق في التاريخ الحديث للمنطقة، إذ انخفض إجمالي عدد السكان الحالي من حوالي 2.23 مليون نسمة إلى حوالي 2.01 مليون حاليًا. وتعود الأسباب إلى النزف الديموغرافي، فهناك قائمة أرقام طويلة تضم 73 ألف شهيد، علاوة على انخفاض عدد المواليد، إذ تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن مؤشر عدد المواليد الجدد هبط إلى 30% عام 2025.

في تعليقه على التقارير الأممية الأخيرة، يؤكد الدكتور صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، أن ما تشهده الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية، يتجاوز كونه عدوانًا عسكريًا تقليديًا، ليصل إلى مستوى سياسات ممنهجة تهدف إلى إحداث تغيير ديمغرافي دائم.

ويوضح أن تصريحات مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، والتي حذّر فيها من أن الإجراءات الإسرائيلية قد ترقى إلى مستوى التطهير العرقي، تعكس توصيفًا قانونيًا دقيقًا لواقع خطير يتشكل على الأرض، حيث تتكامل العمليات العسكرية مع سياسات النزوح القسري والتدمير الشامل للبنية التحتية بهدف إعادة تشكيل الخريطة السكانية الفلسطينية.

وفيما يتعلق بالضفة الغربية، يشير عبد العاطي إلى أن نزوح عشرات الآلاف من الفلسطينيين، والذي قدّرته تقارير أممية بنحو 36 ألف شخص، يمثل مؤشرًا خطيرًا على سياسة تفريغ تدريجي للمناطق الفلسطينية، خاصة في المخيمات ومناطق التماس.

ويبيّن أن هذه السياسة لا تأخذ شكل التهجير الجماعي المباشر كما حدث في نكبة عام 1948، بل تُنفّذ عبر الاقتحامات العسكرية المتكررة، وتدمير المنازل والبنية التحتية، وخلق بيئة معيشية طاردة، مضيفًا: "نحن أمام نموذج جديد من التهجير القسري الصامت، يهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني دون إعلان رسمي، وهو ما يشكل انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني".

ويشدّد عبد العاطي على أن ما يحدث يمثل أخطر أشكال العبث بالبنية السكانية في التاريخ الفلسطيني المعاصر، موضحًا أن المؤشرات الديمغرافية تكشف عن تحولات عميقة ومقلقة. فهناك انخفاض واضح في معدلات المواليد نتيجة انهيار النظام الصحي وسوء التغذية وانعدام الاستقرار، ما يهدد الاستمرارية الطبيعية للنمو السكاني، إلى جانب اختلال حاد في الهرم السكاني، حيث تشير المعطيات إلى أن نحو 70% من الضحايا هم من فئة الشباب، ما يعني استنزاف الفئة الأكثر قدرة على الإنتاج والبناء.

كما تبرز فجوة عمرية خطيرة، خاصة في الفئة من عام إلى خمسة أعوام، نتيجة الحرب والظروف الإنسانية، وهو ما سينعكس على مستقبل المجتمع لعقود قادمة، فضلًا عن النزوح الداخلي الواسع الذي أدى إلى إعادة توزيع قسري للسكان داخل القطاع، وخلق تجمعات بشرية مكتظة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

ويؤكد عبد العاطي أن هذه المعطيات مجتمعة لا يمكن قراءتها كآثار عرضية للحرب، بل كمؤشرات على عملية إعادة تشكيل ديمغرافي قسرية وممنهجة.

تفكيك البنية العمرية

ويرى عبد العاطي أن المشهد يمكن اعتباره حربًا ديمغرافية، ولكن بالمفهوم المركّب، حيث لا تقتصر على تقليص عدد السكان، بل تمتد لتشمل تفكيك البنية العمرية، وإضعاف القدرة على البقاء والنمو، وفرض واقع سكاني جديد. ويضيف أن هذه السياسات تجمع بين القتل واسع النطاق، والتهجير القسري، وتدمير شروط الحياة الأساسية، واستهداف الفئات الشابة، وهو ما يندرج، وفق القانون الدولي، ضمن جرائم خطيرة قد تشمل النقل القسري للسكان، والتطهير العرقي، بل ومؤشرات على جريمة الإبادة الجماعية.

ويحذر عبد العاطي من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد، تتمثل في خلق فجوات ديمغرافية يصعب تعويضها، وإضعاف البنية المجتمعية الفلسطينية، وتكريس واقع جغرافي–سكاني يخدم سياسات الضم والسيطرة. ويشير إلى أن الخطر لا يكمن فقط في عدد الضحايا، بل في إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني نفسه، بحيث يصبح أقل قدرة على الصمود والاستمرار.

يدعو عبد العاطي المجتمع الدولي، وخاصة مجلس حقوق الإنسان، إلى تحرك عاجل وفعّال يشمل دعم فتح تحقيق دولي، وممارسة الضغط لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، واتخاذ إجراءات جادة لوقف سياسات التهجير والتدمير والإبادة الجماعية.

ويؤكد أن الصمت الدولي، أو الاكتفاء بتسجيل المواقف، لم يعد كافيًا، في ظل ما نشهده من محاولة ممنهجة لإعادة هندسة الوجود الفلسطيني على أرضه، مشددًا على أن ما يحدث اليوم لا يغيّر فقط معالم الجغرافيا، بل يستهدف الإنسان الفلسطيني ذاته، وجوده وتركيبته ومستقبله، وهو ما يجعل هذه الحرب الأخطر في بعدها الديمغرافي.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة