تقرير - شهاب
في ظل حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة، وما خلّفته من تدمير ممنهج للبنية الاقتصادية وفقدان مئات الآلاف لوظائفهم، وجد الشباب الغزّي أنفسهم أمام خيارات ضيّقة للبحث عن لقمة العيش، مما دفع الكثيرين نحو عالم التداول الرقمي والفوركس كبوابة للعمل عن بُعد، غير أن هذا الاندفاع المحفوف بالمخاطر أوقع الكثيرين في فخ الخسائر وتراكم الديون.
ويبحث الشباب اليوم عن فرص تعوّضهم عن حالة الشلل الاقتصادي التي أصابت القطاع، وسط تحذيرات من الانزلاق في هذا المجال دون دراية كافية أو الوقوع ضحية لمنصات وهمية.
خسارة سريعة
"كنت مفكّرها فرصة أطلع منها بشيء"، بهذه الكلمات يروي الشاب محمود خليفة (27 عامًا) من مدينة غزة تجربته مع التداول، بعد أن خسر عمله مع بداية الحرب.
ويقول خليفة، في حديثه لوكالة شهاب، إنه بدأ بمبلغ بسيط لا يتجاوز 200 دولار، جمعه بعد فترة من العمل على بسطة، قبل أن يخسره بالكامل خلال أيام قليلة.
ويضيف، "كنت أدخل صفقات بدون خبرة في المجال، بس بناءً على توصيات على تليغرام، وكل مرة أخسر كنت أحاول أعوّض، لحد ما خسرت أكثر، وحاليًا بعدت عن التداول وبحاول أتعلمه بشكل أفضل".
أما الشاب أحمد حبوش، فقد خاض تجربة مختلفة، حيث وقع ضحية منصة وهمية أقنعته بتحقيق أرباح سريعة، قائلاً،" بصراحة كنت طمعان أحقق ربح سريع، وكان في قناة بتنزل إنه الربح مضمون، طلبوا مني أودع مبلغ 500 دولار، وبعد ساعتين بأخده 1000 دولار، فجمعت المبلغ وأخدت دين من صديقي، ولما بعتّ فجأة صار بيني وبين الحساب مكتوب حساب مستخدم، واختفت القناة وطلعت قناة وهمية ونصب".
ويضيف، في حديثه لشهاب، "للأسف خسرت 500 دولار، وصار عليّ دين لصديقي، وأنا تسرعت، لأنه أنت شايف الظروف صعبة عنا في غزة، وكنت بس بدي أجمع مبلغ أعمل فيه مشروع صغير بعد ما خسرت شغلي".
البحث عن مصدر دخل
ويقول سامي جرادة، إن دخوله عالم التداول جاء بسبب حاجته للبحث عن مصدر دخل ، موضحًا أنه بدأ بمبلغ بسيط كان يحتفظ به، واعتمد على ما يجده من شروحات مجانية على الإنترنت.
ويضيف، أن الخسارة كانت تتراكم يومًا بعد يوم، الأمر الذي جعله يعيش حالة من القلق والتردد بين الاستمرار أو التوقف، خاصة مع غياب أي شخص يوجّهه أو يقدّم له خبرة حقيقية في المجال.
وينصح سامي الشباب بعدم التسرع بالدخول إلى التداول دون تعلّم كافٍ، مؤكدًا أن السوق يحتاج خبرة وصبرًا وقدرة على إدارة المخاطر، وليس مجرد اتباع توصيات عشوائية أو وعود بالربح السريع.
ويشير إلى أن التجربة جعلته يدرك أن أفضل خطوة هي البدء بالتعلم قبل المغامرة بالمال، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشباب في قطاع غزة.
سلاح ذو حدّين
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر إن التداول هو تبادل العملات وغيرها من الأسهم والمعادن عبر الإنترنت من خلال منصات مخصّصة تابعة لشركات تعمل في هذا المجال.
ويوضح أبو قمر، في حديثه لوكالة شهاب، أن الكثير من الشباب في قطاع غزة لجأوا خلال الحرب إلى مجال التداول بالفوركس أو العملات الرقمية، في محاولة لتعويض خسارتهم لوظائفهم أو بحثاً عن مصدر دخل في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع، إلا أن هذا الاندفاع أدى إلى خسارة عدد كبير منهم وتراكم الديون عليهم.
ويشير إلى أن بيئة الحصار التي عاشها قطاع غزة خلال السنوات التي سبقت الحرب وخلالها دفعت الشباب للبحث عن فرص عمل عن بُعد، مبيناً أنه قبل الحرب كان قرابة 30 ألف شاب وشابة يعملون عن بُعد، ويُعد التداول أحد هذه الأعمال، في ظل ارتفاع نسبة البطالة التي كانت تبلغ نحو 45% قبل الحرب، فيما تفوق حالياً 80%، إلى جانب معدلات فقر تتجاوز 90%.
ويؤكد أبو قمر أن التداول يُعد سلاحاً ذا حدّين؛ إذ يمكن للمتداول أن يحقق أرباحاً إذا امتلك المعرفة والخبرة الكافية، وعرف متى يوقف الخسارة ومتى يحقق الربح، بينما يؤدي الدخول إلى السوق دون علم وخبرة إلى تكبّد خسائر كبيرة، مشدداً على أهمية الالتحاق بالدورات التدريبية على اليوتيوب وغيرها من المنصات المجانية.
ويتابع أن خسارة العديد من الشباب وتراكم الديون عليهم يعود إلى نقص الخبرة، إضافة إلى اندفاعهم نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، فضلاً عن انتشار عمليات النصب والاحتيال عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال منصات تداول وهمية وشركات غير موثوقة.
وينصح بضرورة التعرّف جيداً على المنصات المستخدمة، وعدم استثمار الأموال قبل اكتساب الخبرة وتعلّم أساسيات السوق بشكل جيد، مؤكداً أن تعلّم المجال أفضل من إعطاء الأموال للآخرين.
