تقرير بين الرصاصة واللقمة.. تفاصيل رحلة مرعبة للوصول إلى العمل في الضفة الغربية

تقرير/ شهاب

منذ اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة، انقلبت حياة العمال الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى جحيم يومي، بعد اتخاذ الاحتلال إجراءات عقابية جماعية، حرمت بموجبها آلاف العمال من تصاريح العمل في الداخل المحتل، مما أدى إلى توقف مصادر رزقهم بشكل كامل ومفاجئ، في واحدة من أكثر الأزمات فتكًا بقطاع العمال الفلسطينيين.

قدّر الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين الخسائر الناتجة عن انقطاع العمال الفلسطينيين عن عملهم داخل الأراضي المحتلة، خلال عامين من حرب الإبادة على قطاع غزة، بنحو 9 مليارات دولار، مشيرًا إلى خسائر بشرية وإصابات واعتقالات طالت العمال خلال محاولات عودتهم إلى أماكن عملهم.

خيار المخاطرة

ويشير الاتحاد إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة، إذ بلغت نحو 38%، نتيجة تعطل ما يقارب 550 ألف عامل عن العمل، من أصل 1.4 مليون عامل يشكلون القوى العاملة الفلسطينية.

ولفت إلى أن الاحتلال اعتمد تاريخيًا على تشغيل نحو 25% من الأيدي العاملة الفلسطينية، لكنه صعّد في الفترة الأخيرة من سياساته القمعية ضد العمال.

ووفق التقرير السنوي، وحتى نهاية عام 2025، تسبب الاحتلال باستشهاد 74 عاملًا فلسطينيًا نتيجة الاستهداف المباشر أو الاعتقال أو الملاحقة، كما جرى تسجيل أكثر من 35 ألف حالة اعتقال، وأكثر من 1500 إصابة أثناء تنقل العمال الفلسطينيين عبر الحواجز أو محاولتهم اجتياز الجدار.

يقول ش.ص (33 عامًا)، وهو رب لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد: "منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، تغيرت حياتي تمامًا، بعد منع دخول العمال إلى الأراضي المحتلة.

ويضيف: لم أستطع إيجاد فرصة عمل حقيقية وثابتة قادرة على تلبية احتياجات عائلتي، فالأجور قليلة جدًا، ما جعلني أمام خيار المخاطرة بدخول القدس والعمل في الداخل الفلسطيني المحتل بطريقة غير رسمية، رغم علمي بأن أي خطأ قد يكلفني حياتي أو الاعتقال.

ويتابع: كنت أتحرك يوميًا وأنا أعلم أنني قد لا أعود إلى منزلي، لكن المسؤولية تجاه أسرتي كانت أقوى من الخوف. كانت رحلة التهريب مليئة بالرعب، لكنني نجحت في الوصول والعمل في ورش البناء في الداخل المحتل.

ويستدرك: لم يكن هناك مكان للراحة، وكنا نبيت في البناية نفسها التي نعمل فيها، تحت وطأة الخوف من المداهمات اليومية لشرطة الاحتلال "الإسرائيلية"، مع صعوبة توفير الطعام والشراب.

ويواصل: أسوأ لحظات الرحلة كانت القفز فوق الجدار العازل من منطقة "الرام" إلى بلدة "بيت حنينا" بالقدس، فكل قفزة كانت مغامرة موت، حيث كنا نعرف أن رصاص قوات الاحتلال يتربص بالعمال في كل لحظة، إذ نضطر للعودة والاختباء لساعات طويلة في مرائب الحافلات أو منازل مهجورة، انتظارًا لوصول السائق الذي ينقلنا إلى الورش".

إشارة حياة أو موت

في حين يقول (م.ع)، وهو عامل من الضفة الغربية، إن أصعب ما يعيشه اليوم ليس فقط فقدان العمل، بل الطريق إليه، كونه بات رحلة محفوفة بالمخاطر قد تنتهي بالموت.

يصف تلك اللحظات قائلًا: "نصل قبل الفجر، نختبئ بين الأشجار أو داخل المنازل المهجورة، نراقب المكان بصمت، وكل واحد فينا يحبس أنفاسه، كأننا ننتظر إشارة حياة أو موت".

يضيف: "عندما نبدأ التسلق، لا نفكر إلا بشيء واحد: كيف نعبر دون أن يرانا أحد. الجدار عالٍ، والقفز منه ليس سهلًا، وأي خطأ قد يعني إصابة خطيرة أو موتًا محققًا".

يقول إن بعض العمال، عندما يصلون إلى أعلى الجدار، يترددون لثوانٍ طويلة، ليس خوفًا من السقوط فقط، بل من الرصاص الذي قد يلاحقهم في أي لحظة: "مرات كثيرة، ونحن فوق الجدار، يصرخ أحدنا: الجيش قادم، فنقفز بسرعة أو نعود أدراجنا، ونبقى مختبئين لساعات طويلة، لا نتحرك، لا نتكلم، فقط ننتظر".

ويتابع: بعد عبور الجدار، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة من الخوف. "نختبئ في أماكن مهجورة أو داخل كراجات، ننتظر السائق الذي سيأخذنا إلى العمل. قد ننتظر يومًا كاملًا، دون طعام كافٍ أو ماء، فقط نحاول أن نبقى غير مرئيين".

ويؤكد أن هذه الرحلة لم تعد يحتملها الكثيرون: "هناك من توقف عن المحاولة، لأن الطريق نفسه أصبح أخطر من العمل، وأقرب إلى الموت. كل مرة نحاول العبور، نشعر أننا نودع أهلنا دون أن نقول لهم...".

يلفت الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين، شاهر سعد، إلى أن عام 2025 وحده شهد مقتل 74 عاملًا نتيجة حوادث العمل في الضفة الغربية والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، بينهم 18 عاملًا قضوا برصاص قوات الاحتلال.

ويبيّن سعد، في حديثه، أن الفترة الممتدة منذ اندلاع الحرب وحتى نهاية 2025 سجّلت أكثر من 35 ألف حالة اعتقال في صفوف العمال الفلسطينيين، كما جرى توثيق ما لا يقل عن 1500 إصابة خلال عامين، معظمها وقعت أثناء عبور العمال الحواجز العسكرية أو خلال محاولاتهم تجاوز جدار الفصل، في مؤشر واضح على حجم المخاطر اليومية التي تحاصرهم بين الجدار والإجراءات العسكرية.

ويشير إلى أن هذه الوقائع ليست منفصلة، بل تأتي في سياق سياسات طويلة الأمد، اعتمدت خلالها حكومات الاحتلال على تشغيل نحو ربع القوة العاملة الفلسطينية، قبل أن تتجه مؤخرًا نحو تشديد إجراءاتها القمعية. ويستعرض في هذا السياق تصريحات وتحريضات صادرة عن وزراء في حكومة الاحتلال، تضمنت دعوات صريحة لاستهداف العمال بالقتل والاعتقال، بل وإنشاء مراكز احتجاز خاصة بهم، إلى جانب التهديد بوقف تحويل أموال المقاصة، الأمر الذي يفاقم من خنق الاقتصاد الفلسطيني.

شكّل صدمة مزدوجة

يرى سعد أن حوادث استهداف العمال الفلسطينيين تندرج ضمن سلسلة انتهاكات تُرتكب بحق العمال الباحثين عن لقمة العيش، مؤكدًا أنها تشكل خرقًا واضحًا للقوانين والاتفاقيات الدولية التي تضمن حماية المدنيين والعمال أثناء تنقلهم وسعيهم للعمل.

فيما تشير معطيات اقتصادية إلى أن التوقف المفاجئ لما يقارب 220 ألف عامل فلسطيني عن العمل داخل "إسرائيل" شكّل صدمة مزدوجة، اقتصادية واجتماعية، لفئة كانت تمثل دعامة أساسية للاقتصاد المحلي، إذ تعتمد آلاف العائلات بشكل شبه كلي على مصادر دخلهم العمالية.

وغياب هذا المصدر المالي أدى إلى تراجع ملحوظ في القدرة الشرائية، وتفاقم معدلات الفقر، لا سيما في المناطق الريفية والمخيمات، في وقت لا يمتلك فيه الاقتصاد الفلسطيني أي قدرة على استيعاب هذا العدد الكبير من العاطلين عن العمل، في ظل ضعف الاستثمار والقيود المفروضة على الحركة والتجارة.

بالقابل يري الباحث في "مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية" أشرف سمارة أن "ربع القوة العاملة الفلسطينية تعمل في "إسرائيل"، معظمهم يعمل في قطاعات الإنشاءات والخدمات والزراعة".

وبحسب سمارة، فإن تركز هؤلاء العمال داخل قطاعات محددة يجعل القدرة على استيعابهم بالاقتصاد الفلسطيني المحلي محدوداً، في ظل وجود نسبة بطالة مرتفعة حتى قبل منع العمال من دخول "إسرائيل".

وأوضح أن ذلك دفعهم "إلى المغامرة بحياتهم مكرهين، ليس بسبب ارتفاع قيمة الأجور فحسب، لكن بسبب انعدام البدائل المحلية في قطاعي البناء والزراعة".

وكشف سمارة أن "السلطات الإسرائيلية وأصحاب العمل في "إسرائيل" أحياناً يغضون النظر عن تشغيل أكثر من 50 ألف عامل بصورة غير قانونية، بسبب الحاجة إليهم".

وأعلن أن "دخل العمال في "إسرائيل" يشكل محركاً للاقتصاد الفلسطيني، وهو ما يخلق فرص عمل أخرى في الضفة الغربية ضمن قطاعات مختلفة".

وبحسب سمارة، فإنه "في اللحظة التي اعتقدت سلطات الاحتلال "الإسرائيلية" وجود مشكلة أمنية، قامت بملاحقة هؤلاء العمال على نقاط الدخول وفي أماكن عملهم".

ويُذكر أن انعدام البدائل يدفع العمال إلى المخاطرة بحياتهم بين الحواجز العسكرية والجدار، وبين خطر الرصاص والاعتقال، وفي ظل غياب حلول جذرية، يبدو هذا المشهد مرشحًا للاستمرار، معبّرًا عن أزمة اقتصادية عميقة.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة