بقلم: دلال الأغا
انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة العزلة وعدم الانحياز لأي من الصراعات الدولية منذ عام 1898م و التي استمرت حتى الحرب العالمية الأولي.
ولكن بعد التوسع في التجارة بدأت ترى أن مصالحها التجارية والاقتصادية تتطلب توجيه السياسة نحو طريق يضمن لها تلك المصالح.
ظهرت الأصوات المنادية بضرورة كسر العزلة الأمريكية والخروج منها فاستجابة لتلك النداءات شاركت الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الأولى وكان لها دور بارز في تغيير موازين القوى العالمية حيث أنها مدت دول الحلفاء بوحدات عسكرية للقتال .
في استطلاع للرأي العام الأمريكي حول دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الأولى فقد رفضوا دخولها واعتبروه خطأ وزادت المطالبة بضرورة الابتعاد عن الساحة الدولية والتفرغ للإصلاح الداخلي الذي أفسدته الحرب العالمية الأولى .
وفي المقابل ظهر رأي معارض لذلك وهو رأي القطاعات التجارية وأصحاب رؤوس الأموال الذي كان لهم تأثير على القرار السياسي الأمريكي وحماية مصالحهم من خلال الدخول في الحرب.
مع تطور الوضع في أوروبا وزيادة توسع ألمانيا وخاصة في مجال التسلح بدأت سياسة العزلة التي فرضت من قبل الأصوات المحلية في التراجع تدريجيا .
شكلت فترة ما بين الحربين الكثير من الرؤى السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية فمن ناحية سياسة اتضح انه لابد من القضاء على العزلة وإيجاد السبل الملائمة لذلك.
أما من ناحية اقتصادية فقد تم طرح أفكار اقتصادية يتم فيها تجاوز الشأن المحلي الأمريكي وتربط العالم بأسره بنظام جديد وهو ما يسمى العولمة التى يعتقد البعض أنها حديثة النشأة والحاجة إلى بناء هيكل اقتصادي عالمي.
وهذا كان محاولة لمواجهة تيار العزلة القوى الذي فرض بناء على نتائج الحرب العالمية الأولى.
وبذلك انتصر التيار العالمي علي التيار المحلي بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية وضرب اليابان لقاعدة بيرل هاربل فدخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب إلى جانب الحلفاء فبعد أن كانت الحرب سببا للعزلة أصبحت الحرب أداة للقضاء عليها.
فتغير موقفها حيث أصبحت ترى أنه من مصلحة الولايات المتحدة المشاركة الإيجابية في الدفاع عن أوروبا. وبدخولها الحرب العالمية الثانية غيرت موازين القوى للمرة الثانية وأثبتت للعالم أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك قوة هائلة لا يمكن لأوروبا الاستغناء عنها .
انتهت سياسة العزلة ودخلت الولايات المتحدة الأمريكية في مجال أوسع وهو مجال التدخل والسيطرة داخل أوروبا وخارجها وفرض هيمنتها على العالم في جميع المجالات.
كسر العزلة الأمريكية وإن كان تدريجيا إلا أنه يعتبر نقلة نوعية في السياسة الأمريكية بالرغم من وجود الأصوات التى تنادي بعدم التدخل في الشؤون الدولية .
ولكن إذا ما نظرنا إلي ما يحدث علي الساحة الأمريكية نجد أن هذه لعبة سياسية وهي لعبة المصالح والاتجاهات التى تتميز بها المؤسسات الأمريكية المتعلقة بصنع القرار السياسي حيث تقوم سياستها على مبدأ تحقيق المصالح عبر إدراك مصادر القوة.
ما أشبه اليوم بالأمس فرغم اختلاف الوقت والظروف إلا أن الساحة واحدة والعناصر والمعطيات واحدة أيضا.
فعلى الرغم من قوة الولايات المتحدة الأمريكية وهيمنتها على العالم إلا أنه في الوقت الحاضر نجد أن هناك أصواتا تنادي بالابتعاد عن أي صراعات سياسية أو عسكرية والاهتمام بالشأن الأمريكي أي تطبيق مبدأ العزلة من جديد .
وانقسم الرأي الأمريكي من جديد لتياران الأول يتجه لخدمة مصالح ضيقة لا علاقة لها بمصالح الشعب الأمريكي. والآخر يخدم مصالح الشعب الأمريكي بالدرجة الاولى.
في النهاية عند التحدث عن العزلة الأمريكية لا يمكن القول أنها كانت في معزل عن العالم لأنها كانت تراقب ما يجري علي الساحة الأوروبية لرعاية مصالحها الخاصة وقد كانت تتلاعب بموازين القوى الأوروبية وتراقب الأحداث من بعيد . فهي عزلة بمعني ترقب ومتابعة للأحداث وعندما يلزم التدخل فهي مستعدة لذلك
