مسروقة الأعضاء والملامح..

الوجع لا يُدفن.. جثامين الشهداء تعود من غياهب الاحتلال والعذاب يتكلم على أجسادهم

الوجع لا يُدفن.. جثامين الشهداء تعود من غياهب الاحتلال والعذاب يتكلم على أجسادهم

تقرير – شهاب

لم تكن الأمهات في غزة يتوقعن أن يُعاد إليهن أبناؤهن بعد سنوات وشهور وأيام من الفقد، لكنهن لم يتخيلن أيضًا أن يعودوا بهذه الصورة، أكياس سوداء محكمة الإغلاق، أجسادٌ مشوهة الملامح، وعلامات تعذيبٍ قاسٍ تحكي ما لم تستطع الكلمات أن تصفه.

عند بوابة مستشفى ناصر في خانيونس جنوب قطاع غزة، لم يكن الازدحام لأجل الأمل، بل لاستقبال الأجساد التي عادت من غياهب الاحتلال، تحمل على لحمها شهادةً أخيرة على ما جرى خلف الأسوار، في مشهدٍ يجسّد فصولًا جديدة من مأساةٍ لم تنتهِ بعد في غزة.

مع بزوغ الصباح، تتوافد سيارات الإسعاف تباعًا إلى ساحات المستشفى، أصوات التكبير تختلط بالبكاء، والعيون تبحث بين الأكياس عن ملامح مألوفة، بعض الجثامين وصلت وقد تآكلت بفعل الزمن والحرق، وأخرى مقيّدة اليدين أو تحمل آثار رصاصٍ في الرأس والصدر.

لتؤكد هذا الحادثة أن الموت في القطاع المحاصر لم بعد نهاية الألم، فالجثامين العائدة من قبضة الاحتلال تروي فصولًا جديدة من القهر، ومع كل جثمانٍ يُسلَّم، تعود غزة لتكتب، بدموعها ووجعها، فصلاً آخر من حكاية لا تنتهي إلا بالحرية والعدالة.

 

معطيات صادمة

وزارة الصحة في قطاع غزة كشفت عن معطيات صادمة تتعلق بالجثامين التي سلّمها الاحتلال عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر خلال الأيام الماضية، مؤكدة أن معظمها تحمل آثار تعذيب مروّع، وإعدامات ميدانية، وسرقة أعضاء بشرية.

وقال المتحدث باسم الوزارة إن الأهالي تعرفوا حتى الآن على 6 شهداء فقط من أصل 120 جثمانًا، مشيرًا إلى أن الوزارة أمهلت العائلات عشرة أيام إضافية للتعرّف على ذويهم قبل دفنهم في مقابر مؤقتة.

وأوضح أن فرق الطب الشرعي صُدمت بحالة الجثامين، إذ بدا على عدد كبير منها آثار تقييد بالأغلال وتعذيب شديد، فيما أظهرت نتائج التشريح أن بعض الشهداء أُعدموا من مسافة قريبة، بينما تُرك آخرون ينزفون حتى الموت داخل مراكز احتجاز إسرائيلية.

وأضاف أن قوات الاحتلال نهبت أعضاء بشرية من بعض الجثامين، بينها القرنية والكلية والكبد، مشيرًا إلى أن عمليات التشريح أثبتت استئصالًا دقيقًا ومنهجيًا للأعضاء بعد القتل، ما يدل على جرائم مركّبة تتجاوز كل القيم الإنسانية.

كما أكدت وزارة الصحة أن كلاب الاحتلال نهشت أجساد عدد من الشهداء الذين انتُشلوا من تحت الأنقاض في المناطق التي انسحبت منها قوات الجيش الإسرائيلي مؤخرًا، مشددة على أن هذه الممارسات تمثل إعدامات خارج القانون وتنكيلًا ممنهجًا بالأسرى والشهداء.

وأفادت مصادر حكومية وحقوقية بأن الفحوصات الطبية والتقارير الميدانية كشفت دلائل دامغة على ارتكاب الاحتلال جرائم إعدام ميداني وتعذيب وحشي بحق عدد من الشهداء، في انتهاكٍ صارخٍ للقانون الدولي واتفاقيات جنيف.

وبدوره، وثق المكتب الإعلامي الحكومي آثار شنق وحبال واضحة على أعناق عدد من الجثامين، وإطلاق نار مباشر من مسافة قريبة جداً، ما يؤكد عمليات إعدام ميداني متعمد".

كما وثّق أيدٍ وأقدام مربوطة بمرابط بلاستيكية، في مشهد يوثق عمليات تقييد قبل القتل، وعيون معصوبة وملامح تشير إلى تعرض الضحايا للاعتقال قبل إعدامهم.

وأكد المكتب الحكومي أن هناك جثامين سُحقت تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية في انتهاك فاضح لكل القوانين الدولية، مشيرا الى أن آثار تعذيب جسدي شديد واضحة على العديد من الجثامين، بما في ذلك كسور وحروق وجروح غائرة.

وشدد على أن هذه الجرائم تمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف الرابعة والقانون الدولي الإنساني، وتؤكد أن الاحتلال استخدم سياساته الإجرامية في القتل خارج نطاق القانون والتصفية الجسدية للمعتقلين والمدنيين الفلسطينيين.

ودعا المكتب الحكومي إلى تشكيل لجنة دولية مستقلة عاجلة للتحقيق في هذه الجرائم البشعة التي ارتكبها الاحتلال، ومحاسبة قادته على جرائم الحرب التي ارتكبوها ضد أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة.

 

سرقة أعضاءهم البشرية   

ومن جانبه، أكّد مكتب إعلام الأسرى أن الشواهد الطبية والميدانية التي رافقت تسليم الاحتلال الإسرائيلي جثامين عدد من الشهداء خلال الأسابيع الأخيرة، تمثل دليلًا قاطعًا على تصاعد الجرائم الممنهجة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، الذين ارتقى عدد منهم بعد اعتقالهم داخل معسكرات الاحتلال في قطاع غزة، في ظروفٍ تمثل جريمة إعدام جماعي خارج إطار القانون.

وأوضح المكتب، استنادًا إلى إفادات الأطباء واللجان المختصة، أن العديد من الجثامين التي سُلّمت مؤخرًا كانت مكبّلة الأيدي والأرجل وتظهر عليها آثار تعذيبٍ وحشيٍّ، وتعصيبٍ للأعين، وحروق، ودهسٍ بمجنزرات الاحتلال، ما يؤكد أن بعض الشهداء أُعدموا ميدانيًا بدمٍ باردٍ بعد اعتقالهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الرابعة.

وأشار المكتب إلى وجود مؤشرات خطيرة لاحتمالية سرقة أعضاء بشرية من بعض الجثامين، واصفًا ذلك بأنه جريمة تتجاوز حدود الإنسانية وتكشف عن سلوكٍ إجرامي منظم يمارسه الاحتلال ضمن سياسةٍ ممنهجة تستهدف الجسد الفلسطيني حيًا وميتًا، وبشكل خاص أسرى غزة الذين يتعرضون منذ بدء حرب الإبادة لأبشع أشكال القتل والتعذيب والإخفاء القسري.

وأكد المكتب أن استمرار الاحتلال في احتجاز جثامين الشهداء، ومن ضمنهم الأسرى الذين استُشهدوا داخل السجون أو بعد الاعتقال الميداني، يمثل امتدادًا لسياسة استعمارية تسعى للهيمنة على الجسد الفلسطيني وسلب كرامته حتى بعد استشهاده.

 

وجع العائلات بين الغياب والعودة المفجعة

لم يكن استرجاع الجثامين حدثًا عابرًا في غزة، بل لحظةً ثقيلةً تُعيد للسطح كل ما حاول الناس دفنه تحت ركام الذاكرة، فكل جسد يُعاد هو تذكيرٌ مؤلم بأن الموت لم يكن نهاية، وأن الاحتلال ما زال يمتد حتى إلى ما بعد الفناء.

وفي المجتمع الغزّي، للجنازة معنى يتجاوز الطقس الديني؛ هي الوداع الذي يمنح الموتى كرامتهم، والأحياء فرصة التصالح مع الفقد، وحين تُحرم العائلة من الجثمان، فإنها تُعلَّق بين زمنين، إما زمن الأمل بعودة الغائب حيًّا، وزمن العجز عن إقامة الحداد، لذلك، حين تعود الجثامين بعد شهورٍ أو سنوات، لا تكون العودة راحة، بل صدمة جديدة تعيد الجرح إلى بدايته.

إحدى الأمهات في خانيونس قالت، وهي تضع يدها على كيس مغلق: "انتظرته يعود حيًّا، ثم انتظرته شهيدًا... والآن عاد إليّ غريبًا لا أتعرف إليه.. حتى الفقد عندنا له طقوس قاسية جدا".

كما قالت والدة أحد الشهداء: "لم أصدق أنه ابني... وجهه لم يعد كما كان.. رأيت الحروق على صدره، ويديه مقيدتين بأسلاك معدنية.. لم أتعرف عليه إلا من سوارٍ كان يضعه في معصمه وخاتم في اصبعه.. لم يتركوا فيه شيئًا سليمًا، حتى ملامحه التي اعتدت عليها وحفظتها في ذاكرتي سرقوها".

أبو محمد والد أحد الشهداء الذين تم التعرف عليهم، قال: "قالوا لنا سيُعيدون جثمانه بعد احتجازه لشهور وحين رأيته، شعرت أني أراه للمرة الأولى، الرصاص اخترق جمجمته من مسافة قريبة، وأضلاعه مكسّرة، أي حرب هذه تُكملها فوق الأموات؟".

فيما قال تجل أحد الشهداء، بصوت خافت وحزين والدمة تتدفق من عينيه، "كنت أريد أن أقبّله قبل أن يدفنوه، لكنهم قالوا لا تفتح الكيس الأبيض.. قالوا لي جسده متعب.. أبي مات منذ زمن، لكني بكيت عليه اليوم أكثر من لحظة معرفتنا للخبر".

في حين أن كثير من الأهالي لم يتمكنوا من الكلام، وفي ساحة المستشفى، شوهدت أمهات يجلسن قرب الجثامين صامتات تمامًا، يهمسن على الأكياس كما لو أن أبناءهن يسمعونهن، أحد المسعفين وصف المشهد قائلاً: "عملت في الحروب كلها، لكني لم أرَ مثل هذا.. كانت الأمهات يتحدثن إلى الجثامين كما لو أنها ستحيا من جديد، كأن الوداع لم يكتمل أبداً".

 

دلائل دامغة

ومن جهته، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إنه يتابع بـ"صدمة بالغة" الحالة المروّعة التي وُجدت عليها جثامين فلسطينيين سلّمتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعد احتجازهم خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، مؤكداً أن الأدلة الطبية والميدانية تشير إلى ارتكاب جرائم إعدام وتعذيب ممنهج بحق المعتقلين الفلسطينيين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

وأوضح المرصد في بيانه أن فريقه الميداني تابع عملية تسليم السلطات الإسرائيلية جثامين 120 فلسطينيًا من قطاع غزة عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على ثلاث دفعات متتالية؛ 45 جثمانًا يوم الثلاثاء، و45 يوم الأربعاء، و30 يوم الخميس، من بينهم عشرات الجثامين مجهولة الهوية.

وأشار المرصد إلى أن الفحوصات الطبية وتقارير الطب الشرعي والمشاهدات الميدانية أظهرت دلائل دامغة على أن العديد من الضحايا قُتلوا بعد احتجازهم، إذ وُجدت على أجسادهم آثار شنقٍ وحبالٍ حول الأعناق، وطلقات نارية من مسافة قريبة جدًا، وأيدٍ وأقدامٍ مقيّدة بمرابط بلاستيكية، وعيونٍ معصوبة. كما وُجدت جثامين سُحقت تحت جنازير دبابات، وأخرى تحمل آثار تعذيب جسدي شديد وكسور وحروق وجروح غائرة.

ولفت المرصد إلى أن غياب وسائل تحقق فعّالة لتوثيق هوية الضحايا وملابسات احتجازهم وتعذيبهم وقتلهم، يفاقم معاناة الأسر الفلسطينية، ويطيل أمد اليُتم والانتظار والحداد لدى ذوي المفقودين.

وطالب المرصد بالسماح فورًا بدخول بعثات طبية وحقوقية مستقلة وخبراء في الطب الشرعي والحمض النووي إلى قطاع غزة، للتعاون مع الصليب الأحمر في تسريع عملية التعرف على الجثامين وتسليمها لعائلاتها، وتوثيق الأدلة قبل تلفها، إضافة إلى تقديم دعم إنساني ونفسي لأسر الضحايا.

وشدّد على أن المعطيات المتوفرة تكشف نمطًا مروّعًا من الإعدامات الميدانية والتعذيب المنهجي بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، ما يشير إلى سياسة متعمدة تهدف إلى إلحاق أقصى درجات المعاناة الجسدية والنفسية بالمحتجزين وصولًا إلى قتلهم، معتبرًا أن هذه الأفعال تُعدّ جزءًا من مسار إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

وأكد المرصد أن قتل أشخاص مقيّدي الأيدي ومعصوبي الأعين لا يمكن تبريره بأي ظرف، وأن هذه الممارسات تُشكّل جريمة مكتملة الأركان بموجب القانون الدولي، بغضّ النظر عن صفة الضحية أو وضعها القانوني.

وأشار إلى أن إسرائيل تتعامل مع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين خارج أي إطار قانوني أو إنساني، بوصفها قوة منفلتة من ضوابط القانون الدولي، تمارس القتل والتعذيب بلا محاسبة، في سلوكٍ يُجسّد عقلية الانتقام والإبادة لا سيادة القانون. كما أوضح المرصد أن الخطاب الرسمي والعسكري الإسرائيلي الذي نزع الإنسانية عن الفلسطينيين وسوّقهم كـ"مجموعة تستحق الإبادة"، أتاح بيئة خصبة للتحريض، وأسهم في شرعنة العنف الوحشي ضد الأسرى والمعتقلين، ما يشكّل مؤشرات قوية على نية إبادية واضحة ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية عام 1948.

ودعا المرصد إلى تمكين الجهات الحقوقية والطبية الدولية من دخول غزة لتوثيق الأدلة وتحديد هوية الضحايا، مؤكدًا أن استمرار اختفاء أحبائهم دون معرفة مصيرهم يمثّل تعذيبًا نفسيًا طويل الأمد للأسر، ويمسّ جوهر الكرامة الإنسانية.

كما طالب لجنة التحقيق الدولية بإدراج هذه الجرائم ضمن نطاق تحقيقها القائم في العدوان على غزة، ودعا المحكمة الجنائية الدولية إلى توسيع نطاق تحقيقها لتشمل هذه الوقائع بصفتها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مشيرًا إلى أن الصمت الدولي يُقوّض منظومة العدالة ويمنح الجناة حصانة من العقاب.

وشدد المرصد بالتأكيد على أن خلفية الضحايا — سواء كانوا مدنيين أو مقاتلين — لا تبرر بأي شكل هذا السلوك الوحشي الخارج عن القوانين والأعراف الإنسانية، مشددًا على أن ما جرى يمثل انتهاكًا جوهريًا للحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني للمعتقلين.
 

 

حلقة جديدة من مسلسل الإبادة

بدوره، قال المحامي في مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير المناعمة إن الشهداء مجهولي الهوية حلقة جديدة من مسلسل الإبادة الجماعية التي ترتكب في قطاع غزة.

وأكد المناعمة أن المؤسسات الحقوقية تتلقى شكاوى من عائلات الضحايا بشأن المفقودين وجثامين الشهداء، لافتا إلى أن الاحتلال لا يزال يحتجز مئات الجثامين في مقابر الأرقام منذ عام 1967.

ووفقا لاتفاقية جنيف الرابعة، فإنه يتوجب تحديد مكان الوفاة ووقتها وظروفها وأسبابها وأي معلومات إضافية من شأنها أن تمكن عوائل الضحايا من التعرف عليهم.

وشدد المناعمة على أن إسرائيل مطالبة بمعالجة ملف الإخفاء القسري واحتجاز الجثامين بشكل جذري، خاصة أنه يؤثر على عائلات الضحايا صحيا واجتماعيا واقتصاديا ونفسيا.

وتقدر الجهات الحكومية في غزة وجود نحو 9500 مفقود، يعتقد أن جزءا منهم لا يزال تحت الأنقاض، ولا يزال مصير آخرين مجهولا.

وحسب "الحملة الوطنية الفلسطينية لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين"، فإن إسرائيل لا تزال تحتجز 735 جثمانا لفلسطينيين، بينهم 67 طفلا، إضافة إلى 256 جثمانًا في "مقابر الأرقام".

وفي وقت سابق، أعلنت وزارة الصحة بغزة عن استلام 30 جثماناً لشهداء تم الإفراج عنهم اليوم من قبل الاحتلال الإسرائيلي وبواسطة منظمة الصليب الأحمر، ليرتفع بذلك إجمالي عدد جثامين الشهداء المستلمة إلى 120 جثماناً.‌‌‏

وبجانب الدمار المادي الهائل، خلّفت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة على مدى سنتين نحو 67 ألفا و967 شهيدا وجرحت 170 ألفا و179، معظمهم أطفال ونساء، وتسببت في مجاعة أزهقت أرواح 463 بينهم 157 طفلا.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة