سليمان العبيد معشوق الجماهير

"بيليه فلسطين".. من نجم الملاعب إلى جنازة في طابور الجوع

سليمان العبيد

غزة - فادي حجازي ومصطفى صيام

في طابور طويل، وسط الغبار والدخان، وبين صرخات الجوع والفزع، كان يقف رجل عرفه الجميع على ملاعب غزة بقدمه الذهبية وروحه الرياضية الكبيرة. لم يكن يبحث عن لقب أو هدف يُسجل، بل عن كيس طحين يُنقذ به حياة أطفاله الخمسة.

هناك، بين آلاف المدنيين المنتظرين المساعدات، انتهى المشهد الفاجع: قنبلة سقطت فجأة من طائرة مسيرة ورصاصات قناص إسرائيلي، أزهقت روح نجم الملاعب، سليمان العبيد يوم السادس من أغسطس، المعروف بـ"بيليه فلسطين"، لتحتضنه الأرض بترابها بدلًا من الملعب بعشبه الأخضر، تاركًا خلفه عائلة مفجوعة ومدينة حزينة وذاكرة رياضية لا تُنسى.

الوصية الأخيرة

داخل خيمة مهترئة في أحد أزقة غزة المدمرة، تقف دعاء رائد العبيد، زوجة اللاعب الدولي الفلسطيني سليمان العبيد، وهي تروي لوكالة "شهاب"، اللحظات الأخيرة التي جمعتها بزوجها. كلماتها تختلط بالبكاء والذهول، وكأنها لم تستوعب بعدْ، أن شريك عمرها رحل في طابور بحثًا عن كيس طحين.

"ديري بالك على الأمانة"، هكذا قال سليمان قبل أن يغادر الخيمة التي كنا نعيش فيها، وضع هاتفه في يدي لأول مرة، وأعطاني بعضًا من أغراضه التي لم أرها من قبل، ثم شدّ على يدي بقوة، طلبت منه ألّا يذهب، ابتسم وقال: "هيني رايح.. وربنا كبير".

كانت تلك وصيته الأخيرة لزوجته ولأطفاله الخمسة، يوم رحيله عن الحياة، وذلك عقب ذهابه مع آلاف المدنيين لانتظار المساعدات الإنسانية في منطقة الطينة جنوب قطاع غزة.

نجم الملاعب وهداف الجماهير

ولد سليمان العبيد عام 1980 في مخيم الشاطئ بغزة، وعرف مبكرًا بولعه بكرة القدم، إذ سرعان ما صار أحد أبرز لاعبي فلسطين في خط الهجوم، لاسيما أنه سجل أكثر من 100 هدف في البطولات المحلية، بحسب السجلات الرسمية للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم.

كما تألق بقميص نادي خدمات الشاطئ الذي تربّى فيه منذ الصغر، قبل أن ينتقل منه إلى نادي شباب الأمعري في الضفة الغربية خلال الفترة من 2009-2013، ويشارك كذلك مع المنتخب الوطني، الذي ارتدى قميصه في 24 مناسبة دولية، سجل فيها هدفين، الأبرز كان أمام اليمن في بطولة اتحاد غرب آسيا 2010.

وفي عام 2013، عاد العبيد إلى قطاع غزة مع فريق خدمات الشاطئ، ومنه رحل مجددا بعد عامين لغزة الرياضي خلال الفترة من 2015-2017 حصد فيها لقب الهداف مرة واحدة برصيد 17 هدفا، قبل أن يعود مرة أخرى لأحضان ناديه الأم "خدمات الشاطئ"، ويكمل مسيرته الكروية في صفوفه حتى رحيله عن عالمنا.

وعلى مدار سنوات، كان اسم "سليمان العبيد" يرتبط بالأهداف الحاسمة، والفرح الذي يزرعه في مدرجات غزة المحاصرة، زملاؤه يتذكرونه كلاعب خلوق ومقاتل في الملعب، وكمهاجم لا يكلّ ولا يملّ، حتى لُقّب بين الجماهير بـ "العبيد الذي لا يخون الشباك" وكذلك "بيليه فلسطين".

ولكن من اعتاد تسجيل الأهداف تحت الأضواء، وجد نفسه لاحقًا في طوابير مظلمة يبحث عن كيس طحين.

طوابير الجوع والرحيل الأخير

وبدلا أن يكون موجودا على العشب الأخضر لخوض المباريات، كتب القدر لسليمان مسارًا آخر، فالحرب المستمرة حوّلت الملعب إلى ركام، وأجبرت الرياضيين على الاصطفاف في طوابير المساعدات.

يحكي سليمان لزوجته ذات مرة عن مشاعره أمام مراكز التوزيع: "أشعر أنني أركض داخل الملعب.. نفس السرعة والانطلاق.. لكن هنا لا يوجد جمهور يصفّق، بل رصاص يطلق علينا".

ولم يكن ذهابه لتلك الطوابير ترفًا، بل كان يخاطر بحياته من أجل أن يوفّر لقمة لأطفاله، تقول زوجته: "كنت أقول له دائمًا: نحن نحتاجك أنت، لا نريد أكلًا ولا شربًا. لكنه كان يصرّ على الذهاب.. ويعود كل مرة وهو يقول: ربنا كبير".

وفي ليلة استشهاده، توضأ سليمان، صلّى الفجر، وجلس يستمع إلى سورة البقرة كاملة مع طلوع الصبح، ارتدى ملابسه واستعد للذهاب إلى ما سمّته زوجته "مصائد الموت".

هناك، لم يعد سليمان، لأن قنبلة ورصاصات الاحتلال كانوا أسرع، وترك وراءه خمسة أطفال: ولدين وثلاث بنات "نسيم وحمادة وإيناس ودينا وآسيا"، وزوجة تحمل وصيته في قلبها.

حلم الهروب من الحرب

ولم يكن سليمان يطمح بالثراء أو الشهرة بعد الملاعب، وكل ما أراده أن ينقذ أسرته من شبح الحرب، إذ كانت له محاولات للتواصل مع صحفية فرنسية للحصول على لجوء لعائلته.

وكان يقول لزوجته: "كل ما أسعى إليه أن يخرج أولادي من غزة.. أريد أن أؤمن مستقبلهم وتعليمهم، وأن يعيشوا حياة كريمة آمنة".

اليوم، يعلّق أطفال سليمان صورته بزي المنتخب الفلسطيني على جدران خيمتهم، بينما تروي دعاء تفاصيله الأخيرة، فيما تقف طفلته آسيا (سنتان ونصف) تقبّل صورة والدها المعلّقة، تكلّمه كأنه حاضر، ولا تفهم أن ذراعيه رحلتا إلى الأبد. مشهد يختصر كيف تُسحق الطفولة في غزة، وكيف يُترك الرياضي الكبير شهيدًا بين أسرته وذكرياته.

7151271.jpeg

صحيح أن الهدّاف لم يعد موجودًا في الملاعب، لكنه حاضر في ذاكرة شعب كامل، كرمزٍ شاهد على كيفية سحق الحلم الفلسطيني بين الحصار والحرب. سليمان العبيد رحل، إلا أن سيرته باقية: لاعبٌ حمل فرح الملاعب، وأبٌ ضحّى بروحه في سبيل لقمةٍ لأولاده.

الأب واللاعب

وبالعودة إلى الخيمة المهترئة، كان نسيم صاحب "17 عامًا"، يتوسط أخوته، وهو الابن الأكبر للأسطورة الفلسطينية، والذي أصرّ على الحديث عن ذكرياته الخاصة مع والده، والتي لم يتشاركها معهما أحد، لا سيما أنهما كانا لوحدهما في الكثير من المواقف.

يتذكر نسيم كل لحظة على الملعب وكأنها محفورة في قلبه: "كنت أرافقه في كل مباراة، أركض بجانبه على أرضية الملعب، أسمع صدى الجماهير وهي تهتف باسمه، وأشم رائحة العشب والعرق والملعب، وأشعر بفخر يملأ صدري كلما رأيته يمرر الكرة أو يسجل هدفًا. كل حركة يقوم بها كانت درسًا أتعلمه عن الصبر، القوة، والانضباط، وكل نظرة منه كانت بمثابة إشادة صغيرة تجعل قلبي يرفرف".

ويتابع موجهًا رأسه بحسرة ووجع نحو صورة والده المعلقة في الخيمة: "أحيانًا كنت أجلس معه بعد التمرين، نتحدث عن المباراة، عن الأخطاء والنجاحات، عن أحلامنا وطموحاتنا، وأشعر أن العالم كله يختصر في تلك اللحظات. كنت أرى فيه ليس مجرد لاعب، بل أبًا، صديقًا، ومعلمًا، شخصًا علمني كيف أحب الكرة، وكيف أحب الحياة".

ويضيف متنهدًا: "استشهاده ترك فراغًا كبيرًا، وكأن جزءًا مني بقي عالقًا في تلك الملاعب، في صرخات الجماهير، في أصوات الكرة، وفي كل هدف تحقق أمام عينيه. أحيانًا أغلق عيني وأتخيل أنه ما زال بجانبي، يضحك لي، يشجعني، ويعلمي كيف أكون أفضل، لكن الحقيقة موجعة جدًا. أشعر أنني أعيش حلمًا مؤلمًا، حلمًا يجمع بين الحب والفقدان، بين الفخر والألم، وكل لحظة فيه تنبض بذكراه وروحه التي لن تنسى أبدًا".

قنبلة ورصاصات قاتلة

بدوره، قال طراد العبيد، شقيق سليمان، إنه كان برفقته في آخر لحظات حياته، عندما استشهد خلال انتظاره فتح نقطة المساعدات الأمريكية جنوبي قطاع غزة.

وروى طراد كيف أسقط الاحتلال الإسرائيلي قنبلة من طائرة مسيرة "كواد كابتر" عليهم، ناهيك عن عدة رصاصات أصابت جسد سليمان، فأدت إلى استشهاده وعدد من أقاربه وأصدقائه، فيما أصيب آخرون.

20250814110223.jpg

وقال: "كان المئات أمامنا يتدافعون نحو مركز التوزيع ونحن كنا في الخلف، لقد احتمينا خلف تلة ترابية من رصاص القناصين، فجأة جاءت المسيّرة وألقت القنبلة علينا، استشهد سليمان وكان في جسده أيضا آثار عدة رصاصات من القناصين، ومعه استشهد ابن عمي واثنين آخرين، وأصيب ثلاثة منا".

وشدد على أنهم خرجوا لأجل لقمة العيش، وتوفير شيء لأولادهم، مضيفا: "سليمان صحيح أنه نجم رياضي، لكنه إنسان مجوع كان يبحث عن لقمة عيشه".

اللاعب المثالي

وعلى غرار زوجته ونجله وشقيقه، يروي عماد هاشم المدرب والمحاضر التابع للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، أبرز المحطات التي جمعته باللاعب العبيد.

وقال هاشم في تصريحات صحفية: "قمت بتدريب سليمان مرتين؛ الأولى في نادي غزة الرياضي، والثانية في نادي خدمات الشاطئ، وبالنسبة لي هو الوحيد الذي يستحق لقب اللاعب المثالي من بين كل من قمت بتدريبتهم من لاعبين".

وشدد على أن العبيد كان شخصية فريدة الطراز، وعاشق لكرة القدم لدرجة التفاني، هو وبحق بيليه الفلسطيني، لأنه كان هدّافاً بالفطرة، كانت الكرة تحبه وتطاوعه لهز الشباك، بحسب تعبيره.

ورغم كبر سنه، نال العبيد المركز الأول في الاختبارات البدنية عندما أجريناها في نادي خدمات الشاطئ آخر مرة قبل انطلاق الموسم في غزة خلال أغسطس 2023، وعلى المستوى الشخصي كان سليمان اجتماعياً وخدوماً، وطوال الحرب كان يقدم خدماته في مساعدة الناس على النزوح بمنطقة دير البلح، وفقا لهاشم.

وعن طموحات وأحلام العبيد، كشف المدرب: "سليمان كان يحلم بأن يكون مدرباً فذاً كما كان لاعباً ماهراً، وكثيراً ما كان يحلم بأن يشهد الموسم الكروي 2023–2024 وداعه للملاعب كهداف ليبدأ مسيرته في التدريب، لم يكن يعلم أنه سيودع الدنيا بأكملها، ولكنني أعده في حال انتهت الحرب وأنا من بين الأحياء سأقيم له حفل تأبين ضخم يليق بفخامة اسمه وجميل ذكراه".

وأضاف: "خبر استشهاده كان فاجعة لنا كرياضيين، لكنني أحمد الله أنه مكننا من أن نواري جثمانه الثرى ونشيعه بطريقة تليق به، لأن الحصول على قبر في هذه الأيام أمر ليس بالسهل، فالأمر مكلف جداً من الناحية المادية كما أن المقابر امتلأت عن بكرة أبيها ولم يعد هناك متّسع لجثث جديدة".

وأكمل: "تم دفن جثته في مقبرة الشيخ رضوان شمال غرب مدينة غزة، لأنه لا يوجد متسع في المقبرة الرئيسية لمدينة غزة والموجودة شرقاً".

وداع رسمي وشعبي

وعقب وفاة العبيد، أصدر الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بيانًا نعى فيه اللاعب الدولي، مؤكدًا أن رحيله خسارة فادحة للكرة الفلسطينية وللرياضة عامة.

وجاء في البيان: "يرحل سليمان العبيد، نجم منتخبنا الوطني وأحد أبرز هدافي الكرة الفلسطينية، شهيدًا وهو ينتظر المساعدات الإنسانية لأسرته، ليمثل رحيله صورة جديدة من صور المعاناة التي يعيشها شعبنا تحت الحصار والعدوان".

وأكد الاتحاد، أن الشهيد كان مثالًا للتفاني والإخلاص، كونه حمل اسم فلسطين في المحافل الدولية وظل رمزًا للأمل ومصدر إلهام لأجيال من الشباب.

ولم يقتصر الحزن على الاتحاد، بل عمّ الأندية التي ارتدى سليمان العبيد قميصها في مسيرته الطويلة.

نادي خدمات الشاطئ، الذي كان قائدا لفريقه، نعاه ببيان مؤثر: "الشهيد سليمان لم يكن مجرد لاعب، بل كان أخًا ومربيًا لجيل كامل من آلاف الشباب".

أما نادي غزة الرياضي، فقد وصفه بـ"أسطورة النادي وهدافه التاريخي الذي حمل رايته في أصعب الظروف".

فيما كتب العشرات من اللاعبين عبر صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي: "وداعًا بطل الملاعب.. باقٍ في قلوبنا".

وبهذا، لم يكن رحيل العبيد مجرد خسارة فردية، بل جرحًا مفتوحًا في ذاكرة الرياضة الفلسطينية، حيث فقدت الملاعب واحدًا من أبرز وجوهها وأكثرهم تأثيرًا.

وبحسب تقارير الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي ومنظمات رياضية محلية، يعدّ العبيد ضمن 762 رياضيًا رحلوا عن الحياة خلال الحرب على غزة.

وأشارت التقارير إلى أن العدد يشمل اللاعبين في مختلف الرياضات المحلية، وكذلك الحكام، والمدربين، والإداريين، وغيرهم من الاتحادات التابعة للجنة الأولمبية.

صحف عالمية وموجات تضامنية

رحيل العبيد لم يهزّ الشارع الفلسطيني فقط، بل وجد صداه عالميًا، إذ تحوّل إلى قصة تناولتها كبريات الصحف العالمية، التي أبرزت كيف انتهت حياة أحد نجوم الكرة الفلسطينية على أبواب المساعدات الإنسانية.

صحيفة "الغارديان" البريطانية كتبت: "سليمان العبيد، المعروف بلقب بيليه الفلسطيني، قُتل بينما كان ينتظر المساعدات الإنسانية جنوب غزة. المهاجم البالغ من العمر 41 عامًا كان رمزًا للأمل للكثيرين في القطاع المحاصر".

بينما ركّزت وكالة "رويترز" على انتقاد النجم المصري محمد صلاح لبيان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، حيث قالت: "كتب المصري محمد صلاح لاعب ليفربول عبر منصة X منتقدًا تكريم اليويفا لسليمان العبيد: أخبرونا كيف مات، وأين، ولماذا؟، في إشارة إلى تغييب تفاصيل مقتله في غزة عن بيان "اليويفا".

صحيفة "ماركا" الإسبانية بدورها أشارت إلى الملابسات بوضوح: "المهاجم الفلسطيني سليمان العبيد، الملقب بـ"بيليه الفلسطيني"، مات في هجوم إسرائيلي بينما كان ينتظر المساعدات الإنسانية، صلاح انتقد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لأنه لم يوضح أسباب وفاته في بيان التكريم".

FB_IMG_1758395320141.jpg

أما موقع "الجزيرة" الإنجليزي فقد نقل موقف الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم قائلاً: "أكّد الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم أن العبيد قُتل في هجوم إسرائيلي على مدنيين كانوا ينتظرون المساعدات، لكن بيان "اليويفا"، الذي وصفه بـ"بيليه الفلسطيني"، لم يتطرق إلى كيفية وفاته".

كما أثار رحيل سليمان موجات تضامن واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تفاعل عشرات آلاف المغردين مع منشور محمد صلاح، معتبرين أن بيان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "مبتور" ولا يليق بلاعب قدّم الكثير رغم الحصار.

منظمات حقوقية مثل مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR)، طالب الاتحاد الأوروبي بذكر الحقيقة كاملة والاعتراف بالجهة التي قتلته.

كذلك، فإن شخصيات أممية وحقوقية نددت بـ"تجاهل" المؤسسات الرياضية الكبرى للمعاناة الإنسانية، ودعت إلى خطوات عملية لحماية الرياضيين والمدنيين في مناطق النزاعات.

فقد طالبت المفوضية الأممية في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز، الاتحاد الأوروبي بطرد منتخب الاحتلال ولاعبيه من جميع المسابقات الرياضية، مؤكدةً، "حان الوقت لطرد قاتليه من البطولات، لنجعل الرياضة خالية من التمييز العنصري، كرة واحدة، ركلة واحدة".

في المقابل، استذكر النجم المصري محمد أبو تريكة، الشهداء الرياضيين الفلسطينيين، وقال موجها خطابه لرئيس "الفيفا" السيد إنفانتينو متسائلا: "أوقفتم روسيا صحيح، متى هتوقفوا الاحتلال الصهيوني؟".

الرسالة الحقوقية والواجب الدولي

وبشكل إجمالي، لم تقتصر حرب الإبادة على المدنيين فقط، بل كان للرياضيين نصيب منها على غرار العبيد، وذلك بعدما تعرض 762 رياضيًا فلسطينيًا – بينهم أطفال، ومدربون، وأبطال أولمبيون – للقتل نتيجة الغارات الجوية والقصف العشوائي.

إضافة إلى ذلك، دُمرت حوالي 267 منشأة رياضية أي أكثر من 90% من إجمالي المنشآت في غزة، بما في ذلك الملاعب، والصالات، ومراكز التدريب، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي بشكل كامل.

وفيما يتعلق بالعبيد، فإنه رغم وضوح أنه مدني لا علاقة له بأي نشاط عسكري، لم تعترف إسرائيل بمسؤوليتها، ما أثار إدانات واسعة باعتبار أن الحادثة تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.

هذه الانتهاكات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحمي حقوق الرياضيين، إذ تنص المادة 27 من الميثاق الأولمبي على أن "الرياضة حق للجميع"، وتُحظر أي تمييز أو تقييد في ممارستها، كما يُلزم القانون الدولي لحقوق الإنسان، الدول بحماية الحق في الحياة، والصحة، والتعليم، والعمل، وممارسة الأنشطة الثقافية والرياضية.

IMG_٢٠٢٥٠٩٢١_٠٠٠٩٣٢.jpg

كما أن اتفاقيات جنيف تحظر استهداف المدنيين في أماكن توزيع الغذاء، وهو ما قُتل فيه العبيد وآلاف آخرون في حرب الإبادة على قطاع غزة.

ومع ذلك، فإن الاحتلال الإسرائيلي ينتهك هذه الحقوق بشكل ممنهج وعلني أمام العالم، ويحاول محو ثقافة وهوية شعب بأكمله، مما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا وضروريًا لوقف هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

ختامًا، رحل سليمان العبيد تاركًا فراغًا لا يملؤه شيء، لكنه سجل آخر أهدافه حين فضح كيف يتحول الجسد الرياضي إلى هدف عسكري، وكيف تُهدم الملاعب كما تُهدم البيوت. وكما قالت زوجته والدموع تختلط بالفخر: "دائمًا مرفوع الرأس.. رحل سليمان، لكن اسمه باقٍ في كل ملعب، وكل هدف، وكل طفل يحلم أن يلعب كرة قدم في وطن حر". هكذا يبقى "بيليه فلسطين" شاهدًا على أن الرياضة قد تُقصف، لكنها لا تُهزم.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة