تقرير / شهاب
قال ممثل مجلس السلام في قطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، إن سكان القطاع يواصلون العيش في "ظروف مروعة وغير إنسانية"، رغم مرور أشهر على إعلان التهدئة، في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال الاحتياجات الأساسية.
وأوضح ملادينوف أن وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع لا يزال يواجه تحديات كبيرة، نتيجة القيود الواسعة التي تفرضها "إسرائيل" على ما يُسمح بدخوله، وتصنيف عدد من السلع ضمن المواد ذات الاستخدام المزدوج، ما يحدّ من تدفقها إلى السكان.
"الخوف ما زال حاضرً
وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من آليات توزيع المساعدات دُمّر خلال الحرب، دون توفر بدائل فعّالة حتى الآن، الأمر الذي يعيق إيصال الدعم إلى جميع المحتاجين داخل القطاع. كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية والدولية أسهمت في تراجع الاهتمام بقطاع غزة، رغم تعهدات دولية بتقديم تمويلات لم تتحول بعد إلى استجابة فعلية على الأرض.
وشدد ملادينوف على أن الأولوية تتمثل في توفير المساعدات العاجلة والإغاثة الطارئة، مؤكدًا أن الأوضاع الحالية، سواء داخل الخيام أو بين المباني المدمرة، لا تلبّي الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية.
ونوّه إلى الحاجة العاجلة لإدخال مساكن مؤقتة، ومعالجة النقص في المواد الغذائية الأساسية، إضافة إلى أزمة الأدوية وتدهور النظام الصحي، فضلًا عن تداعيات انقطاع الأطفال عن التعليم لفترات طويلة.
وفي السياق ذاته، تعكس شهادات السكان استمرار المعاناة اليومية رغم إعلان التهدئة، إذ تقول ضحى السوافيري (35 عامًا)، وهي ربة أسرة من مدينة غزة، إن حياتها اليومية لم تشهد تغييرًا حقيقيًا، موضحةً أن "الخوف ما زال حاضرًا، حتى مع تراجع القصف، فنحن لا نشعر بأمان فعلي".
وتضيف أنها تواجه صعوبات متزايدة في تأمين الغذاء والتعليم والعلاج لأطفالها، قائلة: "منذ ستة أشهر ونحن على نفس الحال، نضطر لتقليل كميات الطعام غالبية الأيام إلى وجبة واحدة، وهناك أصناف لم تعد على قائمة طعامنا، ونتشارك الخيمة مع الحشرات والقوارض في واحد من أكبر أشكال المعاناة التي يمكن أن يعيشها الإنسان".
وتشير إلى أن أزمة المياه لا تزال قائمة، قائلة: "المياه لا تتوفر بشكل دائم، وخلال هذه الفترة لم يتغير شيء، وعندما تصل نحاول تخزينها قدر الإمكان".
ولفتت إلى أن أطفالها يظهرون علامات خوف مستمر، حتى الأصوات العادية باتت تخيفهم، مؤكدةً أنها لم تعد قادرة على التخطيط للمستقبل أو إدارة حياتها بصورة طبيعية، في ظل ما تصفه بـ"وقف إطلاق نار وهمي".
ومن جانبه، قال عمر أبو ربيع (30 عامًا)، وهو شاب نازح، إنه يعيش في مكان مؤقت يفتقر إلى الاستقرار، مشيرًا إلى أن وقف إطلاق النار لم ينعكس على واقعه المعيشي، ولا تزال الخيمة العنوان الأبرز لحياته اليومية.
وأوضح أنه لا يمتلك مصدر دخل حتى الآن، قائلاً: "خلال هذه الأشهر الستة من الهدنة الكاذبة لم أجد عملًا، وما زلت أعتمد على المساعدات أو دعم الآخرين"، لافتًا إلى أنه حاول البحث عن فرصة عمل دون جدوى.
وأضاف: "حياتي متوقفة منذ الحرب، ومع ما يسمى بوقف إطلاق النار لا شيء يتغير، والإبادة مستمرة"، منوهًا إلى أن أيام "التهدئة" تختلف عن القصف من حيث الشكل فقط، إذ "كان القصف خوفًا مباشرًا، أما الآن فنعيش قلقًا دائمًا".
بدوره، قال حسام أبو فارس (29 عامًا)، وهو مريض سرطان، إن وضعه الصحي لم يشهد تحسنًا رغم مرور ستة أشهر على وقف إطلاق النار، سواء من حيث توفر العلاج أو تقدم ملف المعابر والتحويلات الطبية.
وأوضح: "كنا نعلّق آمال النجاة على وقف إطلاق النار، معتقدين أن قوافل إغاثية وعلاجية ستصل، لكن ما حدث فعليًا هو تكريس أزمة المرضى وتفاقمها وسط صمت دولي".
وأشار إلى استمرار أزمة توفر العلاج، مضيفًا: "العلاج غير متوفر بشكل منتظم، وأحيانًا نضطر للانتظار لفترات طويلة"، مؤكدًا أن ذلك يفاقم حالته النفسية ويعزز شعوره بالعجز، في ظل ما وصفه بالاستهتار بحياة المرضى.
لم تُحدث تغييرًا ملموسًا
وفي السياق، حذّرت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أولغا تشيريفكو، من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة رغم سريان التهدئة، مؤكدة أن الأشهر الماضية لم تُحدث تغييرًا ملموسًا في واقع السكان.
وأوضحت تشيريفكو أن الاهتمام الدولي بالقطاع تراجع بفعل التطورات الإقليمية، ما انعكس على حجم الاستجابة الإنسانية، في وقت يواجه فيه نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 1.5 مليون نازح، ظروفًا معيشية صعبة تتسم بندرة الغذاء والدواء ومواد الإيواء.
وبيّنت أن الحياة اليومية في غزة لا تزال تتأثر بهجمات متواصلة بشكل شبه يومي، بالتوازي مع قيود تحدّ من وصول المساعدات الإنسانية إلى أكثر من نصف مساحة القطاع، ما يعيق تلبية الاحتياجات الأساسية.
وفيما يتعلق بالقطاع الصحي، أشارت إلى أن نحو 42% فقط من المرافق الطبية تعمل، معظمها بشكل جزئي، في ظل صعوبات مستمرة في إدخال المعدات والمستلزمات الطبية، إلى جانب تعقيدات تواجه عمليات الإجلاء الطبي.
وأكدت أن استمرار هذه الظروف، دون تحسن فعلي في تدفق المساعدات أو استقرار الخدمات، يُبقي الواقع الإنساني في غزة عند مستويات خطيرة.
وفي هذا الإطار، يفسّر المحلل السياسي محمد شاهين هذا الواقع باعتباره نتيجة مباشرة لاستمرار خروقات اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن ما يجري على الأرض يعكس أن "إسرائيل" لم تتعامل مع الاتفاق باعتباره نهاية للحرب، بل كأداة تكتيكية لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية والسياسية.
وأوضح شاهين أن المعطيات الميدانية تعزز هذا التوصيف، إذ رصد المكتب الإعلامي الحكومي نحو 2400 خرق منذ العاشر من أكتوبر 2025 حتى الرابع عشر من أبريل 2026، بمعدل يقارب 13 خرقًا يوميًا، ما يشير إلى أن الأمر يتجاوز خروقات محدودة نحو نمط مستمر من الانتهاكات.
وأضاف أن هذه الخروقات شملت 921 حالة إطلاق نار، و1109 حالات قصف واستهداف ونسف لمنازل ومبانٍ سكنية، إضافة إلى 97 عملية توغل لآليات عسكرية داخل الأحياء السكنية.
وأشار إلى أن هذه الانتهاكات أسفرت عن استشهاد 754 فلسطينيًا وإصابة آلاف آخرين، موضحًا أن 99% من الضحايا مدنيون، بينهم أطفال ونساء ومسنون، إضافة إلى وجود نحو عشرة آلاف جثة ما تزال تحت الأنقاض، في ظل عدم السماح بإدخال آليات ثقيلة لانتشالها.
فرض التزامات رادعة
ويرى شاهين أن استمرار هذه الوقائع يفسر بقاء الأوضاع الإنسانية على حالها، رغم إعلان التهدئة، لافتًا إلى أن الالتزامات المتعلقة بالمساعدات لم تُنفذ كما هو متفق عليه، إذ لم يدخل سوى 41,714 شاحنة من أصل 110,400، بنسبة 37%، فيما لم يدخل من الوقود سوى 1,366 شاحنة من أصل 9,200، بنسبة 14%.
كما أشار إلى أن فشل آليات الضمان الدولية في فرض التزامات رادعة أسهم في استمرار هذه الانتهاكات، إلى جانب محاولات خلق حالة من الفوضى الأمنية عبر استهداف جهاز الشرطة المدنية.
وأكد أن هذه المؤشرات مجتمعة تعكس أن ما يجري هو "هدنة اسمية" لا تنعكس على الواقع الإنساني، موضحًا أن مستقبلها يبقى مرهونًا بقدرة الوسطاء على فرض التزامات حقيقية تضمن حماية المدنيين وتدفق المساعدات.
من جانبه قال الاقتصادي أحمد أبو قمر، في معرض إجابته على سؤال: "كيف يدير الغزيون حياتهم في ظل واقع معيشي يزداد قسوة؟"، إن لم تعد الأزمات الاقتصادية في قطاع غزة حدثاً طارئاً بل باتت واقعاً بنيوياً يعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية على حد سواء. فمع استمرار الحرب بشكل مختلف وتراكم آثار الحصار والانكماش الحاد في القطاعات الإنتاجية، دخل الاقتصاد الغزي مرحلة مختلفة لم يعد فيها السؤال عن فرص النمو أو التعافي السريع، بل عن القدرة على البقاء وتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش.
اقتصاد البقاء
وأوضح لـ"شهاب" أن هذا التحول العميق أفرز ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد البقاء" وهو نمط اقتصادي يتكيف مع الأزمات الممتدة ويقوم على إدارة الندرة وتدبير الاحتياجات الأساسية في ظل غياب شبه كامل للأفق التنموي.
وأضاف أنه في هذا السياق تراجعت مفاهيم الاستثمار والتشغيل والإنتاج مقابل صعود أنشطة اقتصادية مرتبطة بالحاجات اليومية الطارئة، من المساعدات الإنسانية والأسواق غير المنظمة ومحاولات الأفراد النجاة بأي وسيلة ممكنة.
وتابع أن التأثير الاقتصادي لم يعد مقتصرا على مؤشرات البطالة والفقر وتراجع الناتج المحلي، بل امتد ليضرب البنية الاجتماعية والطبقة الوسطى وأمن الأسر المعيشي ويعيد تعريف علاقة السكان بالعمل والدخل والادخار والاستهلاك، لتبرز أهمية قراءة المشهد الاقتصادي في غزة بوصفه انتقالاً من اقتصاد يسعى إلى الحياة إلى اقتصاد يكتفي بإدارة البقاء، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات ثقيلة على المجتمع والسوق ومستقبل التعافي.
وأشار إلى أن فلسطينيين يتسوقون في مدينة غزة، 19 مارس 2026 (خميس الرفي/الأناضول) أسواق الاحتلال يستغل الحرب لتعطيش أسواق غزة.
ولفت إلى أن بينما كان الاقتصاد في غزة قبل الحرب يعاني أصلاً من اختلالات مزمنة بفعل الحصار وضعف الاستثمار وارتفاع البطالة، فإن المرحلة الحالية دفعت به إلى مستوى أكثر هشاشة حيث باتت المساعدات الإنسانية وبعض الأنشطة التجارية الصغيرة، تمثل أعمدة البقاء الأساسية.
