أكد الاقتصادي سمير مصطفى أبو مدللة، عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، أن لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي بدأت عملها في قطاع غزة تواجه تحدياً غير مسبوق، في ظل انهيار تاريخي للاقتصاد والمجتمع، نتيجة حرب إبادة وتدمير ممنهج استهدفت الإنسان والبنية الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء.
وقال أبو مدللة إن الدعم السياسي والإقليمي، سواء من الداخل الفلسطيني أو من الأشقاء العرب والأوروبيين، يبقى بلا قيمة فعلية ما لم يتحول إلى برنامج مواجهة حقيقي لجذور الكارثة، وليس مجرد إدارة تقنية لانهيار مفروض.
وأشار إلى أن اقتصاد غزة شهد انكماشاً حاداً بنسبة 83% خلال عام 2024، وتبعه انكماش إضافي بنسبة 7.8% في 2025، مع وصول معدل البطالة إلى نحو 80% وتوقف أكثر من 97% من المنشآت الصناعية عن العمل، ما يجعل الأزمة تتجاوز حدود الاقتصاد لتصبح تدميراً ممنهجاً لبنية مجتمع كامل، وفق تقارير أممية مثل الأونكتاد.
وأضاف أن الحديث عن الإعمار بمعزل عن رفع الحصار والسيطرة على المعابر والموارد، هو حديث مضلل، لأن إعادة بناء ما يسمح الاحتلال ببنائه لا يمثل إعماراً حقيقياً، بل إعادة إنتاج للحصار بلغة إنسانية ناعمة.
وأوضح أبو مدللة أن أولويات العمل تتضمن القطاعات الإنتاجية، لافتاً إلى أن إعادة تشغيل الزراعة والصناعة ليست خياراً اقتصادياً بل ضرورة سياسية، تشمل توفير مستلزمات الإنتاج وحماية الأراضي الزراعية وإعادة تأهيل المصانع، وضمان حرية إدخال المواد الخام بعيداً عن قيود الاحتلال.
وأكد أن الفقر والانهيار الاجتماعي يمثلان تهديداً للسلم الأهلي، لذا يجب الانتقال من منطق المساعدة المؤقتة إلى شبكات أمان اجتماعي مستدامة، تربط الدعم النقدي والغذائي ببرامج تمكين اقتصادي.
وأشار إلى أن البطالة التي تقارب 80% ليست مؤشراً اقتصادياً فقط، بل تشكل خطراً اجتماعياً وسياسياً، ما يستدعي برامج تشغيل واسعة للشباب والخريجين في الزراعة وإعادة الإعمار والاقتصاد الرقمي.
ولفت إلى أن أكثر من 400 ألف وحدة سكنية دُمرت أو تضررت، مؤكداً أن حل الإيواء قضية سيادة وكرامة، ويجب ربط إعادة الإسكان بحق السكان في العودة لمناطقهم، لا بإعادة توزيعهم ديمغرافياً.
وأضاف أن قطاعي المياه والكهرباء يمثلان العمود الفقري للحياة والاقتصاد، وأن استمرار حرمان غزة منهما أداة ضغط سياسي، موضحاً أن إعادة تشغيلهما حتى مؤقتاً يجب أن يكون جزءاً من خطة سيادية لفك التبعية للاحتلال.
وأشار إلى أن أزمة السيولة والنظام المالي ليست تفاصيل تقنية، بل أدوات خنق اقتصادي، داعياً إلى فتح البنوك بصلاحيات كاملة واستبدال العملة وإعادة الثقة بالنظام المصرفي.
وحذر من خطورة ربط غزة بالإعمار عبر السوق الإسرائيلية، مؤكداً أن المطلوب إعمار يفتح على العمق العربي والإقليمي ويفك الارتباط القسري، وليس العكس.
وأخيراً، شدد أبو مدللة على أهمية الشفافية في إدارة أموال الإغاثة والإعمار، مشيراً إلى أن الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد يمثلان فرصة استراتيجية لتوفير فرص عمل خارج قيود الحصار، شرط تأمين الكهرباء والإنترنت وحماية العاملين فيه.
وختم بالقول: "لجنة التكنوقراط اليوم أمام مواجهة سياسية–اقتصادية شاملة؛ إما أن تتحول إلى أداة إنقاذ حقيقية لفتح مسار التحرر الاقتصادي لغزة، أو تُختزل إلى واجهة ناعمة لإدارة الهزيمة تحت مسمى الإعمار. غزة لا تحتاج إلى إدارة بقاء، بل إلى مشروع وطني يعيد تعريف الإعمار كحق."
