تقرير / شهاب
يتشارك النازحون الغزيون في مصر في شعورٍ واحدٍ، أنهم دفعوا تكلفة باهظة مقابل النجاة، لكن هذه النجاة لم تمنحهم شعورًا بأنهم "أحياء فعليًا". لقد تركوا منازلهم، شوارعهم، أحلامهم الصغيرة والكبيرة، وابتسموا في الصور الأخيرة أمام المعابر.
بينما تتقاطع دموعهم مع خوفهم وحنينهم في كل لحظة، خارج غزة تذكّرهم بأن الحرية التي ظنوا أنهم سيجنونها لا تأتي كاملة، وأن كل خطوة نحو "النجاة" تكلف جزءًا من حياتهم، ذكرياتهم، وراحتهم النفسية.
بين بوابة معبر رفح الفلسطيني والمصري، وبين الغربة والاغتراب، يتكرر شعور واحد: النجاة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل رحلة صعبة نحو حياة لا تشبه الحياة التي عرفوها، حيث الحرية شكلية، لكنها لا تعيد لهم شعورهم بأنهم أحياء بحق.
لا خيارات
تقول حنان الوكيل، 36 عامًا: "خرجتُ من غزة وأنا أحمل طفلي المريض بسرطان الدم، تاركةً في غزة ثلاثةً من أطفالي الصغار وبيتًا صار أشبه بالركام. لم يكن لديّ أمامي خيار آخر، فعلاج طفلي داخل غزة كان شبه مستحيل، والخيارات المتاحة ضئيلة جدًا."
وتتابع: "كل يوم وأنا في القاهرة كنت أتخيل الأسوأ. كنت أخشى أن يكون أحد أطفالي الثلاثة قد قُصف أو جاع أو تعرض لأي أذى. هذا الخوف لم يفارقني لحظة واحدة طوال عامين. كل لحظة خارج غزة كانت تذكيرًا بأن النجاة ليست فرحًا، بل عبء ثقيل على القلب."
وتروي حنان كيف أثقل القلق جسدها، وكيف أنهكها المرض النفسي والجسدي: "أشعر أنني دفعت صحتي بالكامل مقابل النجاة. جسدي منهك من التعب، وقلبي محمّل بالذنب. النجاة التي ظننتها نهاية المعاناة، كانت بداية جديدة من الألم. حتى الآن، وأنا أتابع علاج طفلي في القاهرة، لا أستطيع أن أقول إنني أعيش حقًا. شعوري بالنجاة لم يأتِ أبدًا، شعوري الحقيقي هو القلق المستمر على أطفالي في غزة، على حياتهم، على كل شيء تركته خلفي."
وتستدرك: "كل رحلة إلى المستشفى، كل جلسة علاج، كانت تذكرني بما فقدته. كنت أسمع صوت الطائرات في ذهني، أسترجع صراخ أطفالي وخوفهم. يقتلني شعور العجز، وأطفالي يواجهون المجاعة وحدهم، وهم يعيشون الحرب بدون حضن أمهم."
وتنوه: "لم يكن لدي خيار آخر. لم أستطع أن أترك طفلي يموت داخل غزة. لكن الثمن الذي دفعته كان باهظًا: حياتي، صحتي، وراحة بالي. كل شيء أصبح عبورًا مستمرًا بين الأمل واليأس، بين النجاة الحقيقية والخيالية، بين الحرب التي تركتها خلفي والألم الذي يلاحقني حيثما ذهبت."
في حين يقول أمجد زعرب، 41 عامًا: "خرجتُ من غزة مع أطفالي المصابين، تاركًا زوجتي واثنين من أطفالي هناك، يواجهون الموت والقصف والتجويع والنزوح وحدهم، وسط عدم أمان وفوضى لا حدود لها. كنت أظن، على الرغم من كل شيء، أنني سأتمكن من إنقاذ طفليّ اللذين تعرضا للقصف في إحدى الخيام في مدينة رفح، وأن أؤمّن لهما فرصة للعلاج والنجاة."
ويضيف: "لكن حتى فرصة النجاة كانت معقدة جدًا. رحلة العلاج لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل صراع مستمر مع الخوف، القلق، وطبيعة الحياة في الخارج التي لم نكن نعرفها. لم يكن أحد يضمن لنا أن نصل أو أن نعود سالمين."
يتابع: "في النهاية، استُشهد طفلاي أثناء رحلة العلاج، ودفنتهما هنا بعيدًا عن كل شيء أحبّاه وعرفاه، بعيدًا عن أرضي، بعيدًا عن غزة، وعن أحضان والدتهما التي لم تحظَ بفرصة وداعهما الأخيرة"، منوهًا أن "شعور فقدانهما كان أقسى من كل ما عشته في الحرب نفسها. شعرت أن قلبي قُطع إلى نصفين، وأن جزءًا مني مات معهما."
عالق في غزة
ويصف أمجد كيف تحولت النجاة التي كان يراها في البداية إلى رحلة ألم مستمرة: "أصبحت حياتي كلها عبورًا بين الغربة والحزن، والمرض النفسي والجسدي. كل يوم أقوم فيه بأبسط الأشياء، أُذكّر أن حياتي لم تعد لي حقًا، وأن روحي ما زالت عالقة في غزة مع بقية أطفالي وزوجتي."
ويقول: "أشعر بالتعب المستمر، بالإرهاق الذي لا يزول. جسدي منهك، وقلبي محمّل بالحزن والذنب. كل صوت، كل مشهد صغير، يذكرني بما فقدته. النجاة التي ظننتها نهاية المعاناة، كانت بداية رحلة لا تنتهي من الألم، وكل لحظة عيش هنا تذكرني بما فقدت، وتزيد شعور الوحدة واليأس."
ويضيف: "كل يوم يمر، أشعر أن حياتي أصبحت مجرد صدى للذكريات، رحلة مستمرة بين الألم والغربة. لم تعد النجاة مجرد مسافة جغرافية، بل صراع داخلي يومي مع فقدان أحبائي، ومع العيش في عالم بعيد عن كل ما أعرفه وأحببته."
في حين يقول عليان المصري، 57 عامًا: "دفعتُ كل ما أملك من مال حتى أستطيع التنسيق والخروج بعائلتي إلى مصر. لم أكن أفكر بشيء سوى النجاة من حرب ضروس وإبادة مستمرة. كنت أعتقد أن خروجي بعائلتي هو نهاية الخطر، وبداية حياة جديدة أكثر أمانًا."
ويضيف: "لكنني فوجئت أن الحياة في مصر ليست كما تخيلت. تحولت إلى استنزاف مالي طويل لا ينتهي. من أول يوم، بدأت رحلة المصاريف التي لا تتوقف: إيجارات السكن، تكاليف المعيشة، احتياجات يومية لا يمكن تأجيلها."
ويوضح: "خرجتُ من غزة وقد استنزفت معظم مالي في التنسيق، وما تبقى بدأ يذوب يومًا بعد يوم. لم يكن لدينا مصدر دخل، ولا أوراق قانونية تنظم حياتنا، ولا حتى قدرة على تأمين تعليم مستقر لأبنائي. كل شيء كان معلقًا، مؤقتًا، وكأننا نعيش على الهامش."
ويشرح عليان كيف تحولت النجاة إلى عبء ثقيل على مستقبل أسرته: "أكثر ما يؤلمني ليس المال الذي خسرته، بل ما ضاع من مستقبل أبنائي. كنت أدخر هذا المال طوال حياتي من أجل تعليمهم، من أجل زواجهم، من أجل أن أراهم يعيشون حياة أفضل. لكنني وجدت نفسي مضطرًا لإنفاقه على حياة مستنزفة، لا نهاية لها ولا أفق واضح."
ويكمل بصراحة موجعة: "اليوم، أشعر أن النجاة التي سعيت إليها كانت سببًا في تدمير كل ما بنيته لأجلهم. أبنائي بلا تعليم مستقر، بلا مستقبل واضح، وأنا عاجز عن إعادتهم إلى ما كانوا عليه. هذا الشعور يطاردني كل يوم."
ويصف حاله بعد أكثر من عامين من النزوح: "مرّ أكثر من عامين ونحن نعيش في هذه الدوامة، كل يوم يشبه الذي قبله: قلق، مصاريف، غياب للاستقرار، وخوف من القادم. لم تعد الحياة كما كانت، ولم تتحقق النجاة التي حلمت بها"، منوهًا: "كنت أظن أنني أنقذت عائلتي، لكنني اليوم أشعر أنني نقلتهم من خطر واضح إلى معاناة صامتة."
من جانبها، تقول أخصائية علم النفس رائدة عوض الله:" إن الشعور الذي يعبّر عنه النازحون من غزة، بعد خروجهم إلى مصر، يعكس حالة معقّدة تُعرف بـ"النجاة غير المكتملة"، حيث ينجو الإنسان جسديًا من الخطر، لكنه يظل عالقًا نفسيًا داخله.
وتوضح أن هؤلاء الأشخاص لم ينتقلوا إلى حياة جديدة بقدر ما انتقلوا إلى شكل مختلف من المعاناة، ما يفسّر فقدانهم الإحساس بالحياة رغم نجاتهم من الموت المباشر.
شعور العجز والفشل
وتضيف عوض الله أن حالات مثل حنان، التي اضطرت لترك أطفالها خلفها، تعيش صراعًا نفسيًا عميقًا بين غريزة الحماية والشعور بالذنب، وهو ما قد يتطور إلى قلق مزمن واضطرابات نفسية طويلة الأمد. فالأم، بحسب قولها، لا تستطيع فصل نفسها عاطفيًا عن أطفالها، ما يجعلها في حالة استنزاف نفسي دائم، خاصة مع استمرار الخطر عليهم.
وفي تعليقها على حالة أمجد، الذي فقد طفليه خلال رحلة العلاج، تشير إلى أن هذا النوع من الفقد يُعد من أقسى أشكال الصدمات النفسية، لأنه يرتبط بأمل كان قائمًا بالنجاة. وتوضح أن تحوّل الرحلة من محاولة إنقاذ إلى فقدان، يخلق صدمة مركّبة تجمع بين الحزن العميق والشعور بالعبث وانهيار المعنى.
وتلفت إلى أن النجاة نفسها قد تتحول إلى مصدر صدمة، خاصة عندما تكون مشروطة بخسارات قاسية، كما في هذه الحالات. فالإنسان لا يقيس نجاته فقط بالبقاء على قيد الحياة، بل بقدرته على الحفاظ على علاقاته، واستقراره، وإحساسه بالسيطرة على حياته، وهي أمور تتآكل بشكل كبير لدى النازحين.
أما في حالة عليان، فتوضح عوض الله أن الشعور بأنه دمّر مستقبل أبنائه يعكس ما يُعرف بـ"الضغط الأبوي القسري"، حيث يجد الفرد نفسه مسؤولًا عن قرارات لم تكن لديه بدائل حقيقية فيها. هذا النوع من الضغط يولّد شعورًا عميقًا بالعجز والفشل، رغم أن القرار كان في جوهره محاولة للحماية.
وتشير إلى أن الغربة، وانعدام الاستقرار القانوني والاقتصادي، تلعب دورًا كبيرًا في تفاقم هذه الحالات، حيث يعيش النازحون حالة من "اللاانتماء"، فلا هم جزء من المجتمع الجديد، ولا قادرون على العودة إلى حياتهم السابقة، ما يعمّق الشعور بالعزلة والقلق.
كما تؤكد أن القلق المستمر على من تبقى داخل غزة يبقي النازحين في حالة استنفار نفسي دائم، وكأنهم لا يزالون داخل دائرة الخطر. هذا الارتباط المستمر بالأحداث الصادمة يمنع الدماغ من الوصول إلى حالة الأمان، ويُبقي المشاعر في حالة توتر مستمر.
وتوضح أن أبرز الاضطرابات التي تظهر في مثل هذه الحالات تشمل القلق المزمن، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، إضافة إلى أعراض جسدية ناتجة عن الضغط النفسي، مثل الإرهاق المستمر، واضطرابات النوم، وآلام الجسد غير المفسّرة طبيًا.
وتلفت إلى أن التأثير لا يقتصر على الكبار فقط، بل يمتد إلى الأطفال، سواء الذين خرجوا أو الذين بقوا داخل غزة، حيث يعاني الجميع من آثار نفسية عميقة قد تؤثر على نموهم وشعورهم بالأمان على المدى الطويل.
وتؤكد عوض الله أن هؤلاء النازحين بحاجة إلى دعم نفسي حقيقي، سواء من خلال تدخلات متخصصة أو عبر شبكات دعم اجتماعي، لمساعدتهم على استعادة شعورهم بالحياة والانتماء.
وترى أن التعافي ممكن، لكنه يتطلب وقتًا طويلًا وبيئة آمنة، لأن شعور "النجاة غير المكتملة" لا يختفي بسهولة، بل يحتاج إلى إعادة بناء تدريجية للمعنى والحياة.
