أميرة فؤاد النحال

حين يصبح الخليج وقوداً.. من يدفع ثمن حرب لا يخوضها؟

حين يصبح الخليج وقوداً.. من يدفع ثمن حرب لا يخوضها؟

لم يعد الخليج مجرد متأثر بصراعات الإقليم، هو في قلب اقتصاد الحروب بالوكالة؛ حيث تُدار المعارك بعيداً عن مراكز القرار، وتُجبى كلفتها من أطراف لم تختر الانخراط فيها، ما يجري اليوم يكشف معادلة قاسية مفادها أنّ القرار يُصنع خارج المنطقة، والنار تُطلق داخلها، والخسارة تُراكم في الخليج، بين حسابات أمريكية باردة وضربات إيرانية متصاعدة، يتشكل مشهد جديد عنوانه "الاستنزاف الممنهج"، وهدفه إعادة ترتيب موازين القوة لا فقط إسقاط خصومها.

اقتصاد النار الباردة، كيف تُدار الحروب دون إعلانها؟

الحروب الحديثة لا تُخاض بإعلانات رسمية أو جبهات واضحة، إنّما ضمن ما يُسمّى بـ "النار الباردة"؛ حيث تُستخدم ضربات محسوبة، تهدف بالأساس إلى التحكم بالإيقاع، الولايات المتحدة تدير الصراع وفق "براغماتية السوق"، فتؤجل التصعيد حين يهدد اقتصادها، وتغض الطرف حين يكون الضرر خارج حدودها.

هذه الإدارة الانتقائية تكشف عن نموذج جديد وهو حرب منخفضة الكثافة عالية الأثر، تُبقي التوتر قائماً دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكنها في الوقت ذاته تُراكم خسائر ضخمة لدى الأطراف الهامشية في المعادلة، وعلى رأسها الخليج.

"استنزاف مُقنّع" الخليج كخزّان خسائر مفتوح

ما يتعرض له الخليج يمكن قراءته كجزء من "استراتيجية الاستنزاف المُقنّع"، ضرب قطاع الطاقة -ولو بشكل غير مباشر- يخلق نزيفاً اقتصادياً مستمراً، ينعكس على الاستقرار المالي والسيادي.

في المقابل تتحول هذه الخسائر إلى أرباح لشركات الطاقة الكبرى، في معادلة "تحويل الأزمات إلى أصول"، وهنا يصبح الخليج أداة ضمن منظومته، يُعاد من خلالها توزيع النفوذ الاقتصادي عالمياً.

إيران بين الردع والاندفاع.. منطق القوة أم فخ الاستدراج؟

إيران التي لطالما اعتمدت "استراتيجية الردع المحسوب"، تبدو اليوم أقرب إلى "الاندفاع العملياتي"، حيث تتسع دائرة الأهداف لتشمل بنى مدنية حساسة، وليس فقط مواقع عسكرية.

هذا التحول يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تمارس إيران ضغطاً محسوباً، أم أنها تنزلق إلى فخ استدراج يُراد لها أن تلعب فيه دور المُهدِّد الإقليمي؟ فكلما توسعت الضربات، زادت مبررات خصومها لإعادة تشكيل تحالفات مضادة، على حساب الخليج أولاً.

صناعة العدو المشترك، تمهيد لدمج إسرائيل إقليمياً

في خضم التصعيد، يُعاد إنتاج خطاب "العدو المشترك"، حيث يُقدَّم الخطر الإيراني كمدخل لإعادة هندسة التحالفات في المنطقة، هذا المسار لا يقف عند حدود التطبيع السياسي، بل يتجاوزه نحو الاندماج الأمني الوظيفي.

بمعنى آخر، تتحول "إسرائيل" من كيان مرفوض شعبياً إلى شريك أمني محتمل، تحت ضغط التهديدات، وهنا تتشكل واحدة من أخطر نتائج الصراع: إعادة تعريف أولويات الأمن الخليجي بما يخدم ترتيبات إقليمية جديدة.

أمثلة واقعية على هذا المسار منها: التعاون في أنظمة الدفاع الجوي، فخلال السنوات الأخيرة، تصاعد الحديث عن شبكات إنذار مبكر مشتركة بين بعض دول الخليج و"إسرائيل"، خصوصاً في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، هذا النموذج يعكس انتقال العلاقة من التنسيق المحدود إلى التكامل الدفاعي المرحلي.

أيضاً التصريحات الأمريكية والصهيونية: كثيراً ما رُوّج لفكرة "تحالف شرق أوسطي" أو "ناتو عربي"، حيث تُطرح "إسرائيل" كشريك أساسي في هذا الترتيب، هذه الطروحات لا تأتي بمعزل عن تضخيم التهديد الإيراني، بل تُبنى عليه.

من الأمثلة أيضاً التمارين العسكرية المشتركة غير المباشرة: مشاركة "إسرائيل" في مناورات تقودها الولايات المتحدة في المنطقة، إلى جانب دول عربية، تمثل نموذجاً للتطبيع العسكري التدريجي الذي يُمرَّر تحت مظلة التحالفات الدولية.

وهذا استراتيجياً يعني أنّنا أمام تحول من "التطبيع السياسي" إلى "التحالف الوظيفي"، حيث تُبنى العلاقة على الحاجة الأمنية المُصنَّعة أو المُضخَّمة، وهذا أخطر ما في المسار، لأنه يُعيد تعريف الأمن الخليجي وفق أجندة إعادة ترتيب الإقليم.

كما أن هذا المسار يفتح الباب أمام شرعنة الوجود الصهيوني عسكرياً في الخليج، كشريك مباشر في إدارة التهديدات، وهو ما يمكن تسميته بـ "إعادة توطين القوة" داخل المنظومة الإقليمية.

شرق أوسط جديد

حين يُطرح مفهوم "الشرق الأوسط الجديد"، فإنه يعني إعادة تشكيل البيئة الإقليمية برمتها، والسؤال هنا: هل الهدف هو الاستقرار أم إعادة تفكيك مراكز القوة؟

الخليج بما يمتلكه من استقرار ونموذج اقتصادي ناجح، يصبح هدفاً ضمنياً في هذه العملية، فإضعافه أو إنهاكه يفتح المجال لإعادة توزيع النفوذ، وفرض معادلات جديدة لا تقوم على الشراكة، بل على التبعية.

ويمكن تلخيص المآلات المتوقعة في ثلاثة مستويات:

1. تحول الخليج من مركز قوة إلى مساحة احتواء: بدلاً من كونه فاعلًا اقتصاديًا مستقلًا، قد يُعاد تموضع الخليج كـ "منطقة عازلة" تُستخدم لامتصاص الصدمات الإقليمية، مع تآكل تدريجي في قدرته على فرض أجندته الخاصة.

2. تكريس التبعية الأمنية: مع تصاعد التهديدات، سيزداد الاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج التبعية ولكن بصيغ أكثر تعقيدًا، حيث تُقدَّم الحماية مقابل إعادة تشكيل القرار السيادي.

3. شرعنة ترتيبات إقليمية غير متكافئة

في ظل الخوف وعدم الاستقرار، ستُمرَّر تحالفات جديدة -سياسية وعسكرية- قد لا تعكس مصالح المنطقة بقدر ما تعكس نتائج الضغط والإكراه، أي ما يُسمّى بـ "الشرعنة تحت التهديد".

الشرق الأوسط الجديد قد يكون عنواناً لمرحلة إعادة توزيع النفوذ عبر تفكيك القوة، والخليج بما يملكه من ثقل اقتصادي واستقرار نسبي، يقف في قلب هذا التحول: إما أن يُعاد تعريفه كفاعل مستقل قادر على حماية نموذجه، أو يُدفع تدريجياً إلى موقع المتأثر الدائم في معادلة لا يملك مفاتيحها.

الخليج بين خيارين أحلاهما مُرّ، الانخراط أم الانكشاف

يجد الخليج نفسه أمام معادلة معقدة: إما الانخراط في الصراع بما يحمله من مخاطر مباشرة، أو البقاء على الحياد مع تحمّل كلفة "الانكشاف الأمني".

هذه الثنائية تكشف هشاشة مفهوم "الضمانات الخارجية"، وتطرح الحاجة إلى إعادة تعريف الأمن الخليجي، بعيداً عن الاعتماد المطلق على القوى الكبرى، فالأزمة الحالية أثبتت أن الحماية ليست مجانية، إنّما مشروطة ومؤقتة.

لحظة ما بعد الهيمنة.. هل تتحول الأزمة إلى فرصة؟

تشير المؤشرات إلى أننا قد نكون أمام "مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية"، حيث تتراجع القدرة على فرض السيطرة الكاملة، وتزداد الحاجة إلى إدارة الفوضى بدل إنهائها.

في هذا السياق، يمكن للخليج -نظرياً- أن يحوّل الأزمة إلى فرصة لإعادة التموضع، عبر تنويع التحالفات وبناء "استقلال استراتيجي نسبي"، لكن ذلك يتطلب إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة، والتخلي عن أوهام الاستقرار الدائم.

ما يحدث اليوم يُمثّل لحظة مفصلية تُعاد فيها كتابة أدوار المنطقة، الخليج أصبح في صلب المعادلة، كهدف للاستنزاف وأداة لإعادة التشكيل في آن واحد.

إن أخطر ما في هذه المرحلة هو الاستمرار في التعامل معها كأزمة مؤقتة، بينما هي في حقيقتها "تحول في شكل الصراع"، وبين مطرقة الحسابات الأمريكية وسندان الاندفاع الإيراني، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:

هل يظل الخليج وقوداً لحروب الآخرين، أم يمتلك القدرة على إعادة تعريف موقعه.. قبل أن يُعاد تعريفه بالقوة؟!

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة