خيام على حافة الموج.. نازحو غزة يترقبون شتاءً قاسياً في الميناء

تحوّل ميناء مدينة غزة إلى أكبر تجمع للنازحين القادمين من شمال القطاع، بعدما ضاقت بهم أماكن الإيواء في المحافظات الوسطى والجنوبية.

تمتد الخيام على مساحات واسعة تغطي أرصفة الميناء ومحيطه والشوارع المؤدية إليه، في مشهدٍ بات أقرب إلى مدينةٍ بديلة أُقيمت على عجل فوق الركام.

ورغم الهدوء النسبي الذي يسود منذ وقف إطلاق النار الجزئي، لم تتوقف حركة النزوح نحو الميناء، إذ يجد فيه كثيرون آخر ملاذٍ آمن بعد أن دُمّرت أحياؤهم ومنازلهم بالكامل. لكن هذا الملاذ البحري، الذي بدا في البداية أكثر أمناً من مناطق المواجهة، تحول اليوم إلى مصدر قلق جديد مع اقتراب فصل الشتاء.

الرياح القادمة من البحر بدأت تشتد، والمدّ يقترب من الخيام الأولى المطلة على الساحل، فيما يواجه النازحون خطر العواصف دون وسائل حماية كافية.

ومع دخول نوفمبر، شرعت العائلات في تحصين خيامها بوسائل بدائية: أكياس رمل، وأحجار، وقطع نايلون مشدودة على الأعمدة، في محاولةٍ لتفادي الغرق أو الانهيار.

يقول أبو رائد، أحد النازحين المقيمين قرب الشاطئ: "كل ليلة نعيش حالة تأهب، الرياح تقتلع الخيام من أطرافها، ونقضي الساعات نعيد تثبيتها بالحبال والحجارة".
ويضيف أنه يخشى المدّ البحري الذي قد يجتاح المنطقة في أي لحظة، خصوصاً مع غياب أي تجهيزات من الجهات المختصة لحماية المئات من الأسر المقيمة على خط الساحل.

أما أم يوسف، التي نزحت مع أطفالها من بيت لاهيا، فتشير إلى أن العيش على الشاطئ أقسى من كل محطات النزوح السابقة. تقول: "الهواء هنا لا يهدأ، والرطوبة لا ترحم، لكن لا مكان آخر نذهب إليه. العودة إلى الشمال مستحيلة، فلا منازل ولا مياه ولا أى شكل من أشكال الحياة .

ويحذر سكان الميناء من كارثة إنسانية وشيكة في حال هطول أمطار غزيرة أو هبوب منخفضات جوية قوية، مؤكدين أن الأرض الإسفلتية التي نُصبت فوقها الخيام منخفضة وقريبة من البحر، ما يجعلها عرضة لتجمع المياه والسيول. ويطالب النازحون بتوفير شوادر جديدة وسواتر رملية لحماية خيامهم من الغرق.

"دمار المدينة خلفنا"

على طرف الميناء، تحاول أم خليل التى نصبت خيمتها المصنوعة من شادرٍ ممزّق وأعمدةٍ صدئة  كل صباح تثبيت أطرافها بالحجارة كي لا تقتلعها الرياح. تنظر نحو البحر وتقول: "نعيش في مواجهة العاصفة، لا جدار يحمينا ولا سقف غير هذا القماش".

منذ أيامٍ وهي تراقب الغيوم الداكنة التي تقترب من الساحل، وتخشى أول منخفض جوي . في الليل، لا تنام خوفاً من أن تنفذ المياه إلى الخيمة أو يفيض البحر نحوها.
تروي الشتاء كان في بيوتنا موسم دفء، أما هنا فهو موسم خوف ورعب وخسائر،  أطفالي يستيقظون كل مرة تهب فيها الريح، يصرخون ويظنون أن الخيمة ستطير بنا، وهذا ما عايشوه الشتاء الماضى حيث قضينا عامين من الحرب قرب الشاطىء ليس رفاهية وإنما التصق بالبحر حتى اكون قريبه من مصدر للمياه .

تعيش أم خليل مع أطفالها الأربعة بلا بطانيات كافية ولا وسائد تحميهم من برد الأرض، وضعت تحتهم طبقة من الكرتون وفوقهم أغطية مهترئة حصلت عليها من متطوعين. تقول: "عندما تشتد الرياح، أضمهم إليّ كي يشعروا بالأمان، لا نعرف إن كنا سنصمد عندما يبدأ الشتاء، لا مجال للهروب أو الحذر البحر أمامنا، ودمار المدينة خلفنا ".

تتوقف قليلاً وتنظر إلى الأفق البحري قبل أن تهمس: "العالم يخاف من الغرق في البحر، أما نحن فنخاف من الغرق في خيمتنا".
قصة أم خليل تختصر حال مئات العائلات التي ترى في كل غيمةٍ سوداء نذير خطرٍ جديد، وتنتظر فصل الشتاء بقلقٍ يشبه الانتظار قبل العاصفة.

شتاء قاسٍ في الأفق

ومع ندرة المساعدات الإنسانية وتوقف معظم برامج الإغاثة، يضطر النازحون للاعتماد على أنفسهم في تحصين خيامهم بمواد متواضعة، فيما يفتقر الميناء إلى بنيةٍ تحتيةٍ لتصريف مياه الأمطار أو حماية الخيام من الغمر.
ويؤكد متطوعون محليون أن الوضع في الميناء قابل للتدهور بسرعة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة، داعين الدفاع المدني والمنظمات الدولية إلى تزويد المنطقة بالمستلزمات الأساسية قبل اشتداد العواصف.

تتقاطع معاناة النازحين في ميناء غزة مع تحذيرات متكررة أطلقتها مؤسسات أممية من تفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع مع دخول فصل الشتاء.

وحذّرت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) من أن أوضاع النازحين في غزة باتت "كارثية مع انخفاض درجات الحرارة ونقص الملاجئ"، مشيرة إلى وفاة عدد من الأطفال والرضّع جراء انخفاض الحرارة. وقالت المنظمة في بيان صدر الشهر الماضي إن "وفاة سبعة رضع على الأقل بسبب البرد القارس تذكّر بخطورة الوضع وضرورة الإسراع بإيصال المساعدات والمأوى إلى مئات الآلاف من العائلات التي تواجه العراء".

أما وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فأكدت أن نحو مليون نازح يواجهون خطر التعرض للبرد والأمطار، موضحة أن "23% فقط من احتياجات الحماية من المطر والبرد تم تلبيتها حتى الآن"، وفق تقرير أصدرته الوكالة. وقالت الأونروا إن "النازحين في غزة بحاجة عاجلة إلى شوادر وأغطية وخيام جديدة لحمايتهم من الأمطار والرياح"، لافتة إلى أن معظمهم يعيشون في مناطق ساحلية منخفضة مهددة بالغمر.

وفي السياق ذاته، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن الأطفال والعائلات في غزة "يواجهون أوضاعاً غير إنسانية، إذ يفتقرون إلى الغذاء والماء الآمن والمستلزمات الطبية والملابس الدافئة". وقالت المديرة التنفيذية للمنظمة كاثرين راسل إن "الشتاء في غزة يزيد معاناة الأطفال الذين يعيشون في خيام مؤقتة أو بين الأنقاض، في ظل انقطاع الكهرباء وغياب التدفئة والمياه النظيفة".

من جانبها، أكدت منظمة الصحة العالمية (WHO) ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن "النظام الصحي شبه منهار، وسوء التغذية آخذ في الارتفاع، فيما يواجه مئات الآلاف من النازحين خطر الإصابة بالأمراض التنفسية مع انخفاض درجات الحرارة". وقالت المنظمتان في بيان مشترك إنهما "على استعداد لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية، لكن ذلك يتطلب وصولاً آمناً ومنتظماً إلى السكان في جميع مناطق غزة".

هذه التحذيرات تعكس الصورة نفسها التي ينقلها النازحون من ميناء غزة، حيث تتقاطع الرياح الباردة مع الخوف الدائم، ويستعد الناس لموسم قاسٍ بأدوات بدائية لا تصمد أمام أول عاصفة.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة