في غزة، تتحول الأمراض العادية إلى تهديد مباشر لحياة الآلاف من الأطفال والمرضى وكبار السن، الذين يقاومون المرض داخل خيام مهترئة ومكدسة في مخيمات النزوح، حيث تتشارك جميع الأجساد الهواء والبرد والعدوى ذاتها.
لقد حولت ظروف الغزيين، من سوء التغذية ونقص الأدوية الأساسية والافتقار لأبسط مستلزمات التدفئة، الإنفلونزا الموسمية إلى كارثة صحية متفاقمة، تجعل كل سعال أو ارتفاع حرارة احتمالًا حقيقيًا للإصابة بمضاعفات خطيرة، في ظل المنظومة الصحية غير القادرة على حمايتهم.
بين الحياة والمرض
وجدت سلوى (52 عامًا) نفسها محاصرة داخل خيمة طبية في أحد المستشفيات الميدانية، بعد أن أصيبت بالإنفلونزا الموسمية التي اجتاحت القطاع.
تقول لـ"شهاب": "ارتفعت حرارة جسدي بطريقة مرعبة، وتزامنت مع موجات سعال لا تهدأ، تشبه تمامًا خروج الروح من الجسد، مما دفع أبنائي إلى نقلي إلى المستشفى في اليوم الثالث، نظرًا لأنني من أصحاب الأمراض المزمنة، وشعروا أن جسدي عاجز عن مقاومة الفيروس".
وتصف سلوى حالتها قائلة: "أشعر بأنني محاصرة في جسدي، وكل نفس هو صراع بين الحياة والمرض. لا أجد الدفء ولا الأدوية الكافية، وأخاف أن يزداد الأمر سوءًا قبل أن أتمكن من الخروج". وفي الوقت نفسه، تشعر بالخوف من العودة إلى خيمتها بعدوى أطفالها، خاصة وأن الحديث في غزة يدور حول شدة هذه الإنفلونزا.
أما صفاء (36 عامًا)، فتقول إن العدوى انتقلت بسرعة كبيرة بين أطفالها الأربعة، وكانت الحرارة مرتفعة جدًا دون أي انخفاض، رغم كل خافضات الحرارة التي استخدمتها. سعال الطفل الأكبر لم يتوقف طوال الليل، وارتفعت درجة الحرارة لديهم جميعًا إلى 40 درجة، فيما أجسادهم الهزيلة لم تكن قادرة على مقاومة الفيروس، وقضوا أيامًا عدة داخل الفراش.
تروي صفاء شعورها بالعجز التام تجاه مرض أطفالها الأربعة لأيام متواصلة: "لم أستطع فعل شيء سوى محاولة تغطيتهم بأغطية رقيقة، وإعطائهم بين الفينة والأخرى المشروبات الدافئة المرتبطة بالوصفات الشعبية. ذهبت إلى أكثر من نقطة طبية، لكن للأسف، الأدوية محدودة وغير مجدية في ظل الظروف المحيطة. الفيروس الموسمي يواجه أجسادًا ضعيفة جدًا، تركتها المجاعة بصامتها الواضحة عليها".
تدهور ملحوظ
من جانبه، قال مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، أحمد الفرا: "إن الإنفلونزا الموسمية التي تضرب قطاع غزة حاليًا ذات خصوصية عالية بسبب التداعيات القاسية للعدوان الإسرائيلي المدمّر على القطاع، ومعاناة سوء التغذية الذي تسبب في تدني جهاز المناعة لدى الأطفال والأمهات الحوامل، وأيضًا البرد الشديد الذي يعصف بالقطاع في ظل انقطاع الكهرباء وانعدام التدفئة والبيوت الآمنة بسبب التدمير الإسرائيلي الواسع للمناطق السكنية".
وأشار إلى "التأثيرات السلبية الكبيرة لغياب أجهزة التبخير اللازمة لأمراض الصدر، والمضادات الحيوية والمكملات الغذائية، والعناصر المحفزة لجهاز المناعة من أغذية وأدوية، مما استدعى دخول حالات سيئة إلى غرف العناية المركزة، خصوصًا أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة وأخرى مناعية، والكبار الذين يعانون من أمراض الضغط والسكر والكلى".
ورغم صعوبة الواقع، ينصح الفرا الأهالي بمراجعة المراكز الطبية بشكل متواصل، والاهتمام بتدفئة الأطفال بقدر الإمكان، إلى جانب تناول الحمضيات والسوائل الدافئة والأوراق الخضراء، والابتعاد عن المعلبات، واللجوء إلى الطعام الطبيعي.
من جانبه، حذّر المختص في التغذية ومدير القطاع الخاص بالأسرة والطفولة بوزارة الصحة الفلسطينية في غزة، عاهد سمور، من أن ذروة الإنفلونزا خلال شهري يناير وفبراير قد تؤدي إلى حالات وفاة ودخول بعض المرضى إلى العناية المركزة، نتيجة الوضع الصحي المتدهور في القطاع.
وأوضح سمور أن سكان غزة يعانون من نقص حاد في المناعة بسبب سوء التغذية والمجاعة خلال العام الماضي، ما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالمضاعفات الخطيرة للإنفلونزا.
وأشار إلى أنه حتى الآن لم تُسجّل أي وفيات، لكن بعض الحالات استدعت دخول العناية المركزة، محذّرًا من أن غياب التطعيمات السنوية ضد الإنفلونزا للفئات الضعيفة يزيد من خطر انتشار المرض بشكل كبير.
انهيارًا حقيقيًا
ولفت سمور إلى وجود 12 ألف جرعة تطعيم جاهزة للحقن في غزة، إلا أن سلطات الاحتلال تمنع إدخالها، ما يزيد احتمالية تفاقم الإصابات والمضاعفات بين الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين.
وأضاف أن الأدوية والمسكنات شبه منعدمة في المستشفيات، ومخازن وزارة الصحة خالية من العديد من الأصناف الأساسية، في ظل استمرار القيود على دخول المستلزمات الطبية إلى القطاع.
وختم سمور تحذيره بالتأكيد على أن الوضع الصحي في غزة يواجه انهيارًا حقيقيًا، داعيًا إلى تدخل عاجل لضمان حماية حياة المدنيين، وخصوصًا الفئات الضعيفة، خلال ذروة الإنفلونزا.
من جانبه، حذّر الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، من أن المنظومة الصحية في قطاع غزة غير قادرة على التعامل مع موجة إصابات واسعة نتيجة الإنفلونزا الموسمية.
ونوه: "نحن أمام واقع صحي هشّ للغاية. المستشفيات تعمل فوق طاقتها، وهناك نقص حاد في الأدوية والمسكنات والمضادات الحيوية، وأجهزة الدعم التنفسي، علاوة على النقص الحاد في قطاع الصيدلة والمختبرات".
وأضاف أن ضعف المناعة الناتج عن سوء التغذية يجعل أي عدوى تنفسية تهديدًا مضاعفًا ومركبًا، يستدعي الدخول إلى غرف العناية الفائقة.
وأكد أن عدم إدخال التطعيمات ومنع إدخال الأدوية والتطعيمات من قبل الاحتلال الإسرائيلي يفاقم الحالة الصحية، ويترك الطواقم الطبية في مواجهة المرض بلا أدوات حماية حقيقية. ومع محدودية أسرّة العناية المركزة، فإن أي تصاعد كبير في الحالات قد يخرج الوضع عن السيطرة".
خطوة بخطوة
في السياق ذاته، حذرت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية، حنان بلخي، من أن انتشار الأوبئة في قطاع غزة أصبح "خارج السيطرة"، فيما لم يعد يعمل في القطاع بأكمله سوى 13 مستشفى من أصل 36 وبشكل جزئي.
وقالت بلخي إن القطاع الصحي في غزة "تم تفكيكه.. لم يتبق سوى القليل جدًا من نظام الرعاية الصحية في غزة".
وأكدت أن "انتشار الأمراض المعدية أصبح خارج السيطرة، سواء التهاب السحايا أو متلازمة غيلان-باريه (اضطراب مناعي يصيب الأعصاب) والإسهال والأمراض التنفسية"، مشيرة إلى أن "حجم العمل الذي تحتاجه غزة لا يمكن تخيله، وسنضطر للتعامل معه خطوة بخطوة".
تفيد بيانات منظمة الصحة العالمية بأن مدينة غزة أصبحت تعتمد على ثمانية مراكز صحية فقط، تعمل جميعها بشكل جزئي، فيما لا يوجد في شمال غزة سوى مركز صحي واحد.
