تقرير عيد غزة الأول بعد الإبادة.. عيدية على "التطبيق" وتهنئة عبر "الواتساب" 

تقرير / شهاب

غيرت حرب الإبادة الجماعية شكل العيد وطقوسه في غزة، وتحول العيد من مناسبة للتجمع والمرح إلى لحظة مقيدة بالواقع الرقمي. تحولت العادات التقليدية في العيد إلى ذكريات منسية بفعل الأزمات الإنسانية المتفاقمة. إلى جانب غياب كسوة العيد والشوكولاتة وكعك العيد عن خيام النازحين، لم يستطع أهالي القطاع زيارة أرحامهم للسنة الثالثة على التوالي بسبب غياب شبكة الموصلات التي تربط أحياء غزة وشوارعها نتيجة أزمة الوقود، في حين فرضت أزمة "الكاش" وغياب الأوراق المالية فكرة العيدية عبر التطبيقات أو المحافظ الإلكترونية.

وتبادل الغزيون تهانيهم وصورهم وعياداتهم عبر التطبيقات، بدل الاحتفالات الحقيقية في الشوارع والميادين والبيوت، في محاولة منهم لتعبئة الفراغ الاجتماعي الذي تركته القيود المعيشية والحصار على حياتهم اليومية.

"ما باليد حيلة"

يقول أشرف أبو عودة، 44 عامًا، وهو نازح من غزة في مواصي خانيونس: "كان عيدي الأول بعد الإبادة غريبًا وصعبًا، لا يشبه أي عيد قبل الحرب، فقد منعتني قلة الموصلات خلال العيد من زيارة عائلتي في مدينة غزة."

ويضيف أشرف: "اضطررت إلى إرسال تهاني العيد لكافة أرحامي عبر "الواتس آب"، وكتبت لهم اعتذاري عن عدم قدرتي على الزيارة المعتادة وشعرت وكأن الكلمات على الشاشة لا تكفي لتملأ الفراغ الذي تركته غيابي عنهم، لكن ما باليد حيلة."

ويتابع: "لم تتوقف التحديات عند هذا الحد، فأزمة الكاش العميقة منعتني من الحصول على أوراق مالية يمكنني إهداؤها لأرحامي خلال العيد، مما اضطرني إلى إرسال العيدية عبر المحافظ الإلكترونية أو التطبيق البنكي، في واحدة من أبشع صور الحرب. إذا استطعت أن أنهِي طقوس زيارات العيد بعشر دقائق، ففي السابق كنت أقضي ثلاثة أيام في زيارة أرحامي وأقاربي."

ويختم أشرف حديثه بأسى: "هذه الطريقة التي فرضتها الإبادة والحصار اختصرت فرحة العيد إلى دقائق إلكترونية قصيرة ومتعبة، تخنق روح الأحبة، وتعزز مشاعر الفقد والحزن. كل مرة أرسل تهنئة أو عيدية، أشعر بالحنين لشكل الحياة قبل الحرب، عندما كانت البسمة تعم البيت، والفرحة لا تُقاس بشاشة هاتف."

في حين تقول صفاء نبهان، 36 عامًا: "قضيت يومي الأول من العيد في نوبة بكاء طويلة، لم أستطع التوقف عن التفكير في شكل العيد الذي اختزل إلى رسائل عبر 'الواتس آب' و'فيسبوك' من إخوتي وعائلتي، لأنهم كانوا جميعًا في مدينة غزة بينما أعيش غالبية عائلتي في محافظة الوسطى."

وتتابع صفاء: "لم يستطع أي منهم زيارتي في اليوم الأول من العيد بسبب غياب الموصلات، وكان شعور الغربة يثقل قلبي أكثر من أي شيء آخر. حاول إخوتي تخفيف حدة العيد عني عبر اتصال فيديو جماعي، تشاركنا فيه البكاء على ذكريات الحياة الماضية ومنزل العائلة، وكانت تلك اللحظات أقرب ما تكون إلى محاولة لمحو الفقد والحزن، لكنها في الوقت نفسه ذكرتني بما فقدناه جميعًا."

عيد مصحوب بالحزن

وتضيف: "أرسل إخوتي العيدية عبر الحساب البنكي، وعندما فتحت الرسائل شعرت بغصة كبيرة ومؤلمة، وانتابني حزن الاغتراب والقهر، لأن العيد لم يمنحني فرصة العناق أو البسمة الحقيقية التي اعتدت مشاركتها مع أحبتي ونحن نتبادل كل تفاصيل العيد."

من جانبها تقول دكتورة في علم النفس التنموي رائدة أبو عبيد: "إن الإبادة والحصار حولتا الأعياد، التي كانت رموزًا للفرح والدفء الاجتماعي، إلى مناسبات مصحوبة بالقلق والحزن."

وأوضحت أن الحرمان من اللقاءات العائلية المباشرة وانقطاع الطقوس التقليدية يولد شعورًا بالغربة والوحدة، حتى عندما يحاول الغزيون التواصل عبر الرسائل والتطبيقات الرقمية.

وأكدت أبو عبيد أن تحويل الاحتفال إلى رسائل واتصالات رقمية، رغم أهميته في التواصل، لا يعوض الاحتكاك العاطفي الحقيقي، مشيرة إلى أن "الأفراد يشعرون بفرحة مؤقتة، لكنها قصيرة جدًا ولا تملأ الفراغ النفسي الناتج عن فقدان التواصل الجسدي. الأطفال والشباب هم الأكثر تأثرًا، ويظهر ذلك في نوبات البكاء والانفعال الشديد خلال العيد."

وأوضحت أن الاحتفاظ ببعض طقوس العيد، حتى الرموز الصغيرة مثل إرسال العيديات إلكترونيًا أو مشاركة فيديوهات جماعية، يمثل وسيلة للتأقلم والاستمرار، مضيفة أن هذه الممارسات تعكس قدرة المجتمع الغزي على إيجاد بدائل للصمود النفسي والاجتماعي رغم القيود والحصار.

وحذرت أبو عبيد من أن هذه التجارب الرقمية قد تترك أثرًا طويل الأمد على العادات والتقاليد، لكنها أكدت قدرة المجتمع الغزي على الحفاظ على الرموز الأساسية للعيد، حتى في أصعب الظروف، لضمان استمرار الشعور بالانتماء والدفء العائلي.

في حين يقول الأخصائي الاجتماعي محمود عبد العزيز منصور: "إن الحرمان من التواصل الجسدي مع الأسرة والأحباب خلال العيد يترك أثرًا نفسيًا كبيرًا على الأطفال والبالغين على حد سواء."

وأوضح أن فقدان اللقاءات المباشرة يضاعف شعور الوحدة والاغتراب، ويزيد من حالات القلق والاكتئاب عند الضحايا، خصوصًا بعد تجارب الحرب والإبادة.

وأشار منصور إلى أن تحويل العيد إلى رسائل رقمية واتصالات فيديو لا يعوض الفقدان العاطفي، موضحًا أن "التفاعل عبر الشاشات يظل ناقصًا، فالفرحة الحقيقية تحتاج إلى حضور جسدي، إلى عناق، إلى ضحكات مشتركة، وهو ما يحرم الغزيين من الشعور الكامل بالعيد."

حجم الصدمة

وأكد أن البكاء المستمر والانفعالات الحزينة، التي سجلت لدى غالبية أهل غزة، جميعها مشاعر طبيعية وتعبّر عن محاولة الفرد مواجهة فقدان الطقوس والذكريات المشتركة، مشيرًا إلى أن "البكاء في هذه اللحظات يعكس حجم الصدمة النفسية الناتجة عن فقدان الحياة الاجتماعية الطبيعية."

ولفت إلى أن غياب الطقوس التقليدية للعيد، مثل زيارة الأقارب وتبادل العيدية شخصيًا، يعمق شعور الغربة والوحدة، ويخلق فجوة عاطفية بين أفراد الأسرة.

ويقول منصور: "إن محاولة الأفراد إرسال التهاني والعيديات إلكترونيًا هي محاولة تأقلم سريعة وواقعية من المجتمع، وبحث عن طرق لإحياء شعائر العيد رغم استحالتها"، مشيرًا إلى أنها استراتيجية غزية دائمة يستخدمها الغزيون لإيجاد بدائل للصمود والحفاظ على الروابط العائلية. وأضاف أن المشاعر تبقى ناقصة، والفرحة المختزلة في دقائق على الهاتف لا تعوض الدفء العائلي، لكنها تعكس إرادة الناس في مواجهة القيود والحصار.

وأكد منصور أن الأفراد في غزة يواجهون صعوبات كبيرة في الاحتفال بالمناسبات، مشيرًا إلى أن إرسال العيديات عبر المحافظ الإلكترونية أو التطبيقات يزيد شعورهم بالغربة والقهر، لكنه يضيف أن "حتى هذه المحاولات الرقمية، رغم حدتها القصوى، تُظهر قوة الروابط العائلية وإصرار الناس على الحفاظ على تواصلهم النفسي."

واختتم منصور حديثه بالتأكيد على أهمية تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأسر عبر برامج ميدانية ومجتمعية، لتخفيف الشعور بالفقد والحزن المرتبط بالعيد في ظل استمرار الحصار.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة