تقرير _ شهاب
في خضمّ التصعيد العسكري غير المسبوق في الشرق الأوسط، تجد دول الخليج نفسها أمام لحظة مفصلية تعيد طرح سؤال طالما تجنّبت مواجهته، إلى أي مدى يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن للأمن الإقليمي؟.
فمع اتساع رقعة المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، لم تعد دول الخليج مجرد مراقب للأحداث، حيث تحوّلت إلى ساحة مباشرة لتداعيات الحرب، سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
هذا التحول الدراماتيكي، الذي فرضته الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، كشف عن فجوة عميقة بين التوقعات الخليجية من حليفها الأمريكي، وبين الواقع الميداني الذي بدا فيه أن هذه الدول تُركت لمواجهة المخاطر منفردة.
وبينما كانت القيادات الخليجية تراهن على احتواء أي صراع محتمل ضمن حدود ضيقة، جاءت التطورات الأخيرة لتبدد تلك الرهانات، وتضع المنطقة أمام معادلة جديدة أكثر تعقيداً وخطورة.
غدر استراتيجي
بحسب تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي"، فإن الشعور السائد في العواصم الخليجية اليوم يتراوح بين الإحباط والغضب، حيث يصل في بعض الأحيان إلى حدّ اعتبار ما جرى "غدراً" استراتيجياً من جانب واشنطن. هذا الشعور تعزّز مع غياب التنسيق المسبق بشأن الضربات العسكرية، وعدم توفير الحماية الكافية للبنى التحتية الحيوية، خاصة منشآت الطاقة وخطوط الملاحة.
يرى الباحث في العلاقات الدولية مارك لينش، أن جذور هذا التوتر تعود إلى سنوات سابقة، حين تعرّضت منشآت نفطية سعودية لهجمات في عام 2019 دون رد أمريكي حاسم، وهو ما أثار شكوكاً مبكرة حول فعالية المظلة الأمنية الأمريكية. وتكرّس هذا الانطباع لاحقاً مع تكرار الهجمات بالطائرات المسيّرة في المنطقة، دون أن يقابلها ردع واضح.
وفي محاولة لتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، شهد عام 2023 تقارباً لافتاً بين السعودية وإيران برعاية صينية، في خطوة عكست رغبة مشتركة في خفض التوترات الإقليمية.
غير أن هذا المسار لم يصمد أمام التحولات الأخيرة، خاصة بعد الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي الواسع على إيران، والذي أعاد خلط الأوراق الاستراتيجية في المنطقة.
بالنسبة لدول الخليج، لم تكن المشكلة في اندلاع الحرب بحد ذاته، بل في طريقة إدارتها. فقد كانت هذه الدول تأمل أن تبقى خارج دائرة الاستهداف، أو على الأقل أن يتم تحييد منشآتها الحيوية. إلا أن الرد الإيراني جاء مختلفاً، حيث استهدفت الهجمات بشكل مباشر دول الخليج، في رسالة واضحة بأن أي صراع في المنطقة لن يكون محدوداً أو معزولاً.
اقتصادياً، كانت التداعيات فورية ومؤلمة. فقد أدى التهديد بإغلاق مضيق هرمز إلى شلل شبه كامل في حركة ناقلات النفط، فيما تعطلت بعض منشآت الإنتاج، وارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد. وفي ظل هذه التطورات، بدا أن الولايات المتحدة غير مستعدة أو غير قادرة على احتواء الأزمة، ما زاد من حدة القلق في العواصم الخليجية.
استياء خليجي
وتشير تقارير "أسوشيتد برس"، إلى أن مسؤولين خليجيين أعربوا عن استيائهم من عدم إبلاغهم مسبقاً بالهجمات، ومن تجاهل التحذيرات التي أطلقوها بشأن خطورة التصعيد.
كما أبدوا قلقهم من نفاد مخزونات الصواريخ الاعتراضية، في وقت تتعرض فيه بلدانهم لهجمات مكثفة ومتواصلة.
في المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، أنها على تواصل دائم مع حلفائها، وأن العمليات العسكرية أسهمت في تقليص القدرات الهجومية الإيرانية، إلا أن هذه التصريحات لم تنجح في تهدئة المخاوف الخليجية، خاصة في ظل استمرار الهجمات وتزايد الخسائر.
اللافت أن بعض الشخصيات الخليجية البارزة ذهبت أبعد من ذلك في انتقاداتها، معتبرة أن إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، هي التي دفعت الولايات المتحدة نحو هذه الحرب، بما لا يخدم مصالح المنطقة ولا استقرارها.
تحديات عسكرية كبيرة
عسكرياً، كشفت الحرب عن تحديات كبيرة في مواجهة الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، والتي تستخدمها إيران بكثافة لاستنزاف أنظمة الدفاع الجوي.
وقد أقر مسؤولون أمريكيون بصعوبة التصدي لهذه الهجمات بشكل كامل، ما يثير تساؤلات حول جاهزية المنظومة الدفاعية في المنطقة.
في ضوء هذه المعطيات، تجد دول الخليج نفسها أمام خيارات صعبة، فاستمرار الحرب يعني مزيداً من الاستنزاف وعدم الاستقرار، بينما يحمل سقوط النظام الإيراني أو انهيار الدولة مخاطر لا تقل خطورة، من بينها الفوضى الإقليمية وتدفق اللاجئين وتصاعد التهديدات العابرة للحدود.
في النهاية، لا يبدو أن الأزمة الحالية مجرد جولة عابرة من التصعيد، حيث قد تكون مؤشراً على تحوّل أعمق في بنية النظام الإقليمي.
ومع تراجع الثقة في الدور الأمريكي، يبرز تساؤل جوهري حول مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط، هل نحن أمام بداية نهاية الهيمنة الأمريكية في الخليج، أم مجرد اختبار قاسٍ لتحالفات ستعيد تشكيل نفسها من جديد؟
