تعود قصة الطفل محمد أبو أسد إلى الواجهة مجددًا بعد أن رفضت سلطات الاحتلال خمس محاولات نفذتها مؤسسات حقوقية مهتمة بمرضى السرطان، مخصصة لمهام إنسانية تقضي بحصول محمد على تصريح لدخول الأراضي الفلسطينية المحتلة لإجراء عملية زرع نخاع طبي منقذة للحياة.
وكانت محكمة مركزية تابعة للاحتلال الإسرائيلي قد رفضت، في فبراير الماضي، التماسًا يسمح للطفل الفلسطيني محمد أحمد أبو أسد، البالغ من العمر خمسة أعوام، بدخول "إسرائيل" لتلقي العلاج الطبي، بسبب أن عناوين تسجيله الرسمية لا تزال تابعة لقطاع غزة، رغم أنه يقيم في الضفة الغربية منذ عام 2022.
يعاني أبو أسد من مرض سرطاني يُصنَّف على أنه عدواني وقاتل، ويحتاج بشكل عاجل إلى زراعة نخاع العظم وعلاج مناعي متقدم (antibody immunotherapy)، وهي علاجات غير متوفرة في كلٍّ من قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، حتى قبل حرب الإبادة "الإسرائيلية".
وبحسب الأطباء المعالجين، فإن الإجراءات المعمول بها منذ سنوات في حالة الطفل أبو أسد تقوم على تحويل المرضى المصابين بهذا النوع من السرطان إلى المشافي "الإسرائيلية" المختصة للعلاج، إلا أن حالة الطفل أبو أسد واجهت رفضًا متكررا و من منع العلاج .
و في جلسة المحكمة المنصرمة ، برر القاضي "رام وينوغراد" رفض الاستئناف بأن الالتماس لا يشكل اختلافًا جوهريًا عن الحالات الأخرى التي تشملها السياسة الحكومية الشاملة، التي تمنع سكان غزة، حتى الذين لم يعودوا يعيشون هناك، من دخول "إسرائيل" لتلقي الرعاية الصحية، بما في ذلك العلاج الطبي العاجل.
وتُطبَّق هذه السياسة منذ 7 أكتوبر 2023، بعد عملية "طوفان الأقصى"، التي أدت إلى تعميم حظر دخول الأشخاص المسجلين في غزة إلى "إسرائيل" لأغراض العلاج، حتى في الحالات الطبية الحرجة التي كانت تُمنح قبل الحرب تصاريح دخول استثنائية.
من جهتها، قالت والدة محمد إنها تقيم منذ خمس سنوات في الضفة الغربية، وأن طفلها يتلقى العلاج منذ ذلك الوقت جراء إصابته بسرطان الدم الحاد (لوكيميا)، إلى أن وصلت الحالة إلى مرحلة عدم توفر العلاج في مستشفيات الضفة الغربية، ما يستدعي تحويله إلى مستشفى "تل هاشومير".
وأضافت أنها صُدمت بقرار منع التحويل، رغم أن لجنة الأطباء والخبراء أوصت بضرورة تحويله إلى مشافٍ قريبة، وأن أي تحويل خارج البلاد سيشكّل خطرًا جسيمًا على حياته، لا سيما أن محمد لم يعد قادرًا على المشي، ويعاني من ضعف شديد في جهاز المناعة، ويحتاج إلى أدوية للسيطرة على النوبات وضغط الدم.
ونوهت والدته إلى أن حياة طفلها في خطر مباشر، مشيرةً إلى أن والده توفي بسبب المرض نفسه فى عام 2024 ، ما يعني أن المماطلة في علاج محمد قد تقوده إلى المصير ذاته، واصفةً حكم المحكمة بأنه "حكم بالإعدام" على حياة طفلها.
ويرتبط قرار المحكمة في هذه القضية بسياق أوسع من النقص الحاد في الخدمات الصحية في غزة، التي طالها الحصار والدمار، ما أدى إلى ارتفاع وفيات مرضى السرطان في القطاع ثلاثة أضعاف منذ بداية الحرب، بينما يظل آلاف المرضى غير قادرين على الوصول إلى العلاج خارجها.
ويعتبر تغيير العنوان في بطاقة الهوية للغزيين المقيمين في الضفة منذ سنوات بمثابة كابوس، إذ يخشون ترحيلهم في أية لحظة إذا مروا على أي حاجز عسكري إسرائيلي، وحالهم مماثلة لفلسطينيين لا يملكون بطاقة هوية ودخلوا إلى الضفة الغربية عبر تصاريح زيارة، ويحتاجون إلى ما تسمى "معاملة لمّ الشمل".
من جانبه، قال الخبير القانوني الفلسطيني صلاح عبد العاطي إن منع سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" طفلًا مريضًا بالسرطان، يقيم في مدينة رام الله، من تلقي العلاج بحجة أن عنوان ميلاده مسجل في قطاع غزة، يشكّل "انتهاكًا خطيرًا وواضحًا لقواعد القانون الدولي، ويمسّ مباشرة بحق الطفل في الحياة والصحة".
وأوضح عبد العاطي لـ"شهاب"، أن حرمان المرضى، خصوصًا الأطفال، من الوصول إلى العلاج لأسباب تتعلق بمكان الميلاد أو القيود الإدارية المرتبطة بالسجل السكاني، يُعد شكلًا من أشكال التمييز المحظور دوليًا، مؤكدًا أن "الاحتلال، بوصفه قوة قائمة بالاحتلال، ملزم قانونًا بتأمين الرعاية الصحية للسكان الواقعين تحت سيطرته دون أي تمييز".
وأشار إلى أن هذا الإجراء يخالف أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، لا سيما المواد (16) و(33) و(56)، التي تنص على حماية المرضى وضمان الرعاية الطبية لهم، وتحظر العقوبات الجماعية وأي إجراءات تمسّ المدنيين على أساس جماعي أو تمييزي.
وأضاف أن منع العلاج عن طفل مريض بالسرطان "قد يرقى إلى معاملة لا إنسانية إذا ترتب عليه تدهور صحي خطير أو تهديد للحياة". وبيّن عبد العاطي أن "إسرائيل"، باعتبارها طرفًا في عدد من الاتفاقيات الدولية، ملزمة أيضًا بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك باتفاقية حقوق الطفل، اللتين تكفلان الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، والحق في الحياة، وعدم التمييز على أي أساس، بما في ذلك الأصل أو الانتماء الجغرافي.
ولفت إلى أن هذه الحالة لا يمكن فصلها عن "سياق أوسع من القيود المفروضة على المرضى الفلسطينيين، وخاصة من قطاع غزة"، موضحًا أن العديد من الحالات تواجه تأخيرًا أو رفضًا في تصاريح العلاج، أو صعوبات في إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، ما يفاقم معاناة المرضى ويعرّض حياتهم للخطر.
وشدد عبد العاطي فى حديثه لـ"شهاب" على أن استخدام ملف المرضى، وخصوصًا الأطفال، في سياق الضغوط أو الاعتبارات السياسية "أمر مرفوض قانونًا وأخلاقيًا"، داعيًا المجتمع الدولي وآليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان إلى التحرك لضمان وصول المرضى الفلسطينيين إلى العلاج دون قيود تمييزية.
وختم بالتأكيد على أن "الحق في الحياة والصحة من أسمى حقوق الإنسان، وأي مساس بهما على أساس جغرافي أو سياسي يستوجب مساءلة قانونية دولية وعدم الإفلات من العقاب".
