تقرير مأزق حسم الحرب وإقرار الميزانية.. كيف يضغط الجدول الزمني "للكنيست" نحو انتخابات مبكرة؟

تقرير / شهاب

بين حرب مفتوحة وموازنة معلّقة، تتجاوز الحسابات في "تل أبيب" حدود الأرقام والإنفاق، لتلامس توازنات سياسية معقدة في لحظة شديدة الحساسية. ففي ظل برلمان يعمل تحت ضغط الوقت، تجد حكومة الاحتلال نفسها أمام مفترق طرق: إما تمرير الميزانية في سباق مع المهلة القانونية، أو الانزلاق نحو انتخابات مبكرة تفرضها تعقيدات الداخل وتشابكات الحرب.

ومنذ مطلع يناير/كانون الثاني 2026، تعمل دولة الاحتلال دون موازنة مصادق عليها، معتمدةً على آلية إنفاق شهرية تستند إلى موازنة عام 2025، مضافًا إليها ارتفاع المؤشر، في وقت يفرض فيه القانون على "الكنيست" إقرار الموازنة بالقراءتين الثانية والثالثة قبل نهاية مارس/آذار الجاري، وإلا يُحلّ "الكنيست" تلقائيًا، وفق ما أوردته صحيفة "كالكاليست".

أكثر تعقيدًا

وتواجه حكومة نينياهو الائتلافية ضيقًا حادًا في الوقت، إذ لم يتبقَ سوى ثلاثة أيام على الموعد الذي حُدد لإقرار الموازنة في 26 مارس/آذار 2026، وسط تعطّل أعمال "الكنيست" لعدة أيام بسبب عيد "الفصح"، ما يزيد من تعقيد تمريرها في الوقت المحدد.

وكانت حكومة الاحتلال قدّمت مشروع الموازنة متأخرًا في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، تحت ضغط المستشارة القانونية للكنيست "شاغيت أفيك"، التي شددت على ضرورة مرور 60 يومًا بين القراءة الأولى والقراءتين الثانية والثالثة.

في المقابل، لم تبدأ لجنة المالية مناقشة بنود الموازنة إلا قبل أسبوعين فقط، وسط تحذيرات من أن تخفيف وتيرة الجلسات بفعل الأوضاع الأمنية قد يحول دون إجراء نقاشات معمّقة حول بنود الإنفاق.

وتشير التقديرات القانونية إلى أن الوضع الراهن يبدو أكثر تعقيدًا، في ظل استمرار الحكومة لثلاث سنوات وتقديم الموازنة بتأخير، ما يضعها أمام اختبار سياسي وقانوني حاسم.

فيما أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، اليوم الأحد، بأن الجدول الزمني يفرض ضغطًا كبيرًا على أجندة الائتلاف، في ظل عدم وضوح قدرة لجنة المالية على التصويت والمصادقة على الميزانية اليوم، أو كحد أقصى غدًا، تمهيدًا لطرحها بالقراءتين الثانية والثالثة في الهيئة العامة "للكنيست".

وأشارت إلى أن الائتلاف يخوض مخاطرة كبيرة بطرحه التصويت قبل وقت قصير جدًا من الموعد النهائي القانوني، الذي يصادف يوم الثلاثاء 31 مارس/آذار الجاري، عشية عيد الفصح العبري.

وحذرت الصحيفة من أن فشل تمرير الميزانية سيؤدي فورًا إلى حل الكنيست والتوجه إلى انتخابات جديدة خلال ثلاثة أشهر، واصفةً الجدول الزمني بأنه "دراماتيكي"، خاصة أن لجنة المالية لم تُنهِ حتى الآن جميع المناقشات والتصويت على بنود المشروع، فيما يعمل رئيس اللجنة، "حانوخ ميلفيتسكي"، على استكمال الإجراءات بين اليوم والغد.

في المقابل، تكثف المعارضة "الإسرائيلية" جهودها لعرقلة إقرار الميزانية، إذ قدمت كتلة "هناك مستقبل" أكثر من 5000 تحفظ على بنود المشروع بهدف كسب الوقت.

وقال "فلاديمير بيلياك" إن كتلته تعتزم استهلاك ساعات طويلة داخل لجنة المالية عبر مناقشة هذه التحفظات، لتأخير ما وصفها بـ"الميزانية السيئة"، علمًا بأن الكنيست ملزم بمنح ثلاثة أيام للنقاش بين إقرار المشروع في اللجنة والتصويت عليه في الهيئة العامة.

يصعب تمريرها

وبحسب الصحيفة، من المتوقع أن تحظى الميزانية بدعم الأحزاب الحريدية، رغم تهديداتها المتكررة بعدم تأييدها في حال عدم إقرار قانون إعفاء الشبان الحريديم من التجنيد، والذي سحبه الائتلاف من جدول الأعمال مع اندلاع العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران.

وفي المقابل، وعد الائتلاف هذه الأحزاب بتخصيص مليارات الشواكل ضمن الميزانية والأموال الائتلافية لضمان دعمها، دون إعلان موقف رسمي حتى الآن، فيما تشير التقديرات إلى أن معظم نوابها سيصوتون لصالح الميزانية، التي يصعب تمريرها دونهم.

ونقلت الصحيفة عن مصدر في الائتلاف قوله إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو "يخاطر بشأن ميزانية دولة الاحتلال"، معتبرًا أن التأخير حتى اللحظة الأخيرة، بفعل الحرب والجدول السياسي، يمثل "رهانًا خطيرًا".

وفي السياق ذاته، أشارت "يديعوت أحرونوت" إلى أنه كان من المقرر أن تدخل الكنيست عطلة عيد الفصح هذا الأسبوع، إلا أنها لن تُغلق رسميًا قبل اتضاح مسار تمرير الميزانية.

وقالت النائبة "ميراف بن آري"، من كتلة "هناك مستقبل"، إن وصول التصويت إلى الأسبوع الذي يسبق العيد "أمر غير مألوف"، معتبرةً أن مماطلة نتنياهو أوصلت الأمور إلى هذه المرحلة، بمساندة الأحزاب الحريدية.

من جانبه، دافع رئيس لجنة المالية عن مسار العمل، مؤكدًا إدخال تعديلات على الميزانية لتتلاءم مع ظروف الحرب، مشيرًا إلى أن اللجنة، بالتعاون مع وزارة المالية، نجحت في إيجاد مرونة تتيح تلبية احتياجات اقتصادالاحتلال  في ظل الأوضاع الراهنة.

تعثرًا واضحًا

من جانبه، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد: "أن الساحة السياسية داخل "إسرائيل" تعيش حالة مركبة من التناقض الحاد بين الخطاب الرسمي الذي تروّج له الحكومة، والواقع الميداني الذي يعكس تعثرًا واضحًا في مسار الحرب على إيران ولبنان، في ظل غياب أي حسم عسكري حتى الآن".

ويوضح شديد فى مقابلة خاصة مع وكالة "شهاب" أن المعارضة "الإسرائيلية"، التي سارعت في بداية الحرب إلى إعلان التفافها حول حكومة الاحتلال ودعمها تحت عنوان "الوحدة في زمن الحرب"، بدأت تدريجيًا باستعادة أدواتها السياسية، لكنها تفعل ذلك بحذر شديد ومحسوب.

ويعزو ذلك إلى إدراكها أن إثارة ملفات انتخابية أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة في ظل استمرار سقوط الصواريخ قد يرتد سلبًا عليها أمام الرأي العام الإسرائيلي، الذي يميل تقليديًا إلى الاصطفاف خلف الحكومة في أوقات الأزمات الأمنية، ما يقيّد حركة المعارضة ويجعلها تعمل ضمن هامش ضيق.

وفي ما يتعلق بحسابات حكومة الاحتلال ، يشير شديد إلى أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو دخل الحرب وهو يراهن على سيناريو مغاير تمامًا، يقوم على تحقيق "انتصار سريع وحاسم" يتيح له استثمار الزخم الشعبي الناتج عن الحرب، والتوجه نحو حلّ الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة تعزز موقعه السياسي. إلا أن هذا الرهان، وفق تقديره، لم يتحقق على أرض الواقع.

ويتابع شديد، بعد مرور ثلاثة أسابيع على اندلاع المواجهة، لا تزال الجبهات مفتوحة، والصواريخ مستمرة في السقوط، فيما يتواصل الدمار دون أن تتمكن "إسرائيل" من حسم المعركة عسكريًا، سواء على الجبهة اللبنانية أو الإيرانية.

ويؤكد شديد أن هذا الواقع يكشف عن فجوة متسعة بين خطاب "الانتصار" الذي تتبناه حكومة الاحتلال، والوقائع الميدانية التي تشير إلى عجز عن تحقيق إنجاز نوعي واضح.

يقلّص هامش المناورة

ويرى أن هذه الفجوة تمثل واحدة من أبرز نقاط الضعف في إدارة نتنياهو للحرب، إذ إن الإصرار على تبني خطاب انتصاري في ظل غياب نتائج ملموسة قد يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الثقة داخل المجتمع "الإسرائيلي"، ليس فقط على مستوى الشارع، بل أيضًا داخل النخبة السياسية والمؤسساتية، ما يفتح الباب أمام انتقادات أوسع في المرحلة المقبلة.

كما يلفت شديد إلى أن حكومة الاحتلال  تجد نفسها أمام معادلة معقدة ومأزق سياسي مزدوج؛ فمن جهة، لا تستطيع الذهاب إلى انتخابات مبكرة في ظل حرب مفتوحة وغير محسومة النتائج، لما يحمله ذلك من مخاطر داخلية وأمنية، ومن جهة أخرى، تواجه ضغوطًا متزايدة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، خاصة في ظل تعثر تمرير ملفات داخلية حساسة، وفي مقدمتها مشروع ميزانية دولة الاحتلال.

ويخلص المختص بالشأن الإسرائيلي إلى أن استمرار الحرب دون تحقيق حسم واضح، بالتوازي مع تصاعد الضغوط الداخلية، قد يدفع المشهد السياسي داخل "إسرائيل" نحو مزيد من التصدع والانقسام، ويقلّص هامش المناورة أمام نتنياهو، الذي يبدو عالقًا بين استحقاقات إدارة الحرب من جهة، ومتطلبات الحفاظ على بقائه السياسي من جهة أخرى.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة