تقرير - شهاب
لم يكن الطفل كريم، الذي لم يتجاوز عمره العام ونصف، يدرك أن خروجه القصير مع والده لشراء بعض الاحتياجات سيتحول إلى واحدة من أكثر اللحظات قسوة في حياته، حين وجد نفسه فجأة وسط مجموعة من جنود الاحتلال الإسرائيلي المجرم.
في ذلك اليوم، خرج والده أسامة أبو نصار، وهو شاب أنهكته الظروف خلال الحرب لاسيما بعد فقدانه مصدر رزقه إثر نفوق الحصان الذي كان يعمل عليه، وكان لا يزال يخضع لجلسات علاج نفسي في محاولة لتجاوز صدمته، لكنه لم يكن يعلم أن صدمة جديدة تنتظره.
اقترب الأب من منزله الواقع شرق مخيم المغازي، حين باغتتهم طلقات نارية من قوات الاحتلال، ما دفعه إلى محاولة حماية طفله وسط أصوات الرصاص التي حاصرت المكان.
لم تمضِ لحظات حتى أجبرته طائرة "كواد كابتر" على ترك طفله الصغير أرضًا، والتقدم نحو حاجز عسكري، حيث جرى اعتقاله وتعريته من ملابسه.
ترك الطفل كريم وحيدا على الأرض، دون أن يفهم لماذا ابتعد عنه والده، أو لماذا اختفى صوته فجأة، قبل أن تصل قوات الاحتلال لاحقا وتأخذه إلى المكان ذاته الذي يُحتجز فيه والده.
هناك، وعلى مرأى من الأب، بدأت واحدة من أبشع صور الألم، إذ أفاد شهود وتقارير طبية أن الجنود عمدوا إلى تعذيب الطفل، عبر إطفاء السجائر في ساقه، ونخز جسده، بل وإدخال مسمار حديدي في رجله، في محاولة للضغط على والده.
لم يكن الأب قادرا على فعل شيء سوى مشاهدة طفله يتألم، عاجزا أمام مشهد يفوق قدرة أي إنسان على الاحتمال.
استمر احتجاز الطفل نحو عشر ساعات، قبل أن يتم الإفراج عنه وتسليمه لعائلته عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوق المغازي، وهو يحمل على جسده آثار التعذيب.
عاد كريم إلى حضن عائلته، لكن والده لم يعد، إذ لا يزال محتجزا حتى الآن، فيما تعيش العائلة حالة من القلق والترقب، بين ألم ما حدث، والخوف مما هو قادم.
وتناشد عائلة أبو نصار المؤسسات الدولية والإنسانية التدخل العاجل للإفراج عن الأب، وضمان استكمال علاج الطفل.
وفي قراءة قانونية للحادثة، أكد أستاذ القانون الدولي العام وعضو جمعيات قانونية دولية، محمد مهران، أن ما تعرض له الطفل كريم يمثل "جريمة حرب مكتملة الأركان وجريمة ضد الإنسانية" وفق نظام روما الأساسي.
وأوضح مهران، في تصريح لـ (شهاب)، أن تعذيب طفل رضيع عبر إطفاء السجائر في جسده وإدخال مسمار في ساقه أمام والده يشكل "قمة الوحشية والانحطاط الأخلاقي"، مشددًا على أن القانون الدولي الإنساني يحظر بشكل مطلق تعذيب الأطفال والمدنيين تحت أي ظرف.
وأشار إلى أن هذه الجريمة تنتهك بوضوح اتفاقية جنيف الرابعة، خاصة المادة الثالثة المشتركة التي تحظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وكذلك المادة 32 التي تمنع أي إجراءات تسبب معاناة جسدية للأشخاص المحميين.
كما لفت إلى أن اتفاقية حقوق الطفل، وتحديدا المادة 37، تحظر تعذيب الأطفال أو إخضاعهم لمعاملة قاسية أو مهينة، وهو ما يجعل "إسرائيل في حالة خرق صارخ لالتزاماتها الدولية".
وأضاف مهران أن استخدام طفل رضيع كوسيلة ضغط على والده يُعد جريمة مركبة، تجمع بين التعذيب الجسدي للطفل والتعذيب النفسي للأب، وهو ما يندرج أيضًا ضمن تعريف التعذيب في اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984. كما اعتبر أن احتجاز الطفل لمدة 10 ساعات بحد ذاته يشكل انتهاكا إضافيا، إذ يحظر القانون الدولي احتجاز الأطفال إلا في أضيق الحدود.
وأكد أن هذه الحادثة ليست معزولة، بل تأتي ضمن "نمط ممنهج" من الانتهاكات بحق الأطفال الفلسطينيين، داعيًا المحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق فوري وإصدار أوامر اعتقال بحق المسؤولين، كما طالب منظمات الطفولة الدولية، وعلى رأسها اليونيسف، بالتدخل العاجل لحماية أطفال غزة.
