تقرير / شهاب
تدور عجلة حياة الغزيين منذ توقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 في حلقة مفرغة، تتفاقم فيها المعاناة في كل جوانب الحياة وتفاصيلها.
في الصباح، تتحول أبسط المتطلبات العائلية إلى مهام شاقة، فالحصول على وجبة طعام في ظل أزمة غاز الطهي يتطلب أن يدور جميع أفراد العائلة حول أنفسهم مرات عديدة لتأمين المكونات اللازمة والحطب لإشعال النار.
في حين ينشغل بقية أفراد الأسرة في مهمة شحن الهواتف النقالة وبطاريات الإضاءة لتوفير ضوء محدود خلال ساعات الليل، يكرس آخرون جهودهم المضنية في توفير النقود "الفكة" الضرورية لتأمين المواصلات إلى المدارس وقضاء احتياجات العائلة.
يشتكي الغزيون من ارتفاع أسعار الطاقة البديلة إذا تُسجّل الكهرباء الواردة من المولدات التجارية، التي يتم الاعتماد عليها كمصدر أساسي للطاقة بعد تدمير الاحتلال شبكة الكهرباء العامة، بأسعار خيالية نظرًا لشح الوقود الوارد إلى غزة، حيث ارتفع سعر الكيلوواط الواحد من الكهرباء من 2.5 شيكل إلى قرابة 10 أضعاف، ما بين 20 و30 شيكلاً للكيلوواط الواحد، بما يفوق قدرة المواطنين على تحمل قيمة الفواتير الباهظة.
تخطيط مسبق
ولم يكن توفر غاز الطهي أفضل حالًا من مشتقات الوقود الأخرى، حيث يحرص الغزيون على استخدام الأخشاب في إشعال النار، وذلك في محاولة منهم لتجاوز الأزمة التي تعصف بقطاع المحروقات منذ بداية الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويقول توفيق التلولي، 55 عامًا: "إن أصعب مهام العائلة اليومية تبدأ دائمًا مع متطلبات وجبة الطعام، والتي تحتاج إلى عدة تحضيرات مسبقة، منها توفير الحطب وتوفير بعض احتياجات الوجبة من خضار تخضع في توفرها لبورصة الأسعار اليومية".
يوضح أن نقص غاز الطهي يجبر الأسرة على جمع الحطب لإشعال النار، بينما يتوزع الأطفال والنساء على مهام مختلفة لإتمام ما يمكن من إعداد الوجبة.
يشير إلى أن ترتيب المكونات القليلة وتحضير الطعام يحتاج إلى صبر وجهد كبير، ويضيف أن أي تأخير قد يؤثر على بقية يوم العائلة.
وينوه التلولي إلى أن شحن الهواتف وبطاريات المصابيح أصبح جزءًا أساسيًا من الروتين الصباحي، لضمان توفير ضوء محدود خلال الليل يمكن أن يساعد الأسرة على متابعة مهامها.
ويشير إلى أنه غالبًا يقضي وقتًا في البحث عن الفكة لتأمين المواصلات وشراء الاحتياجات الضرورية للمنزل، حيث كل خطوة تحتاج إلى تخطيط مسبق وموارد محدودة جدًا.
وبحسب الشواهد الميدانية، يعيش قطاع غزة في أزمات مركبة؛ إذا سمحت قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ اتفاق وقف إطلاق النار بإدخال شاحنات محدودة من الغاز والوقود إلى القطاع، فإن الكميات الواردة بلغت 14.7% فقط من إجمالي ما ينص عليه البروتوكول الإنساني الملحق بالاتفاق، مما يبقي الأزمة على أشدها.
فيما يتأرجح سعر لتر السولار ما بين ارتفاع وصل إلى نحو 90 شيكلاً للتر الواحد، وانخفاض حسب الكميات الواردة من الجانب الإسرائيلي، لكن في أفضل الأحوال سجل سعر اللتر الواحد أضعاف ما كان عليه قبل الحرب بأربعة أضعاف.
وبالتالي، تفتقر معظم منازل وخيام قطاع غزة إلى الكهرباء والغاز، حيث لا يقوى أصحابها على تسديد فواتير وسائل الكهرباء والطاقة البديلة.
وبحسب الجهات الحكومية المختصة، فقد سمحت قوات الاحتلال بإدخال ما مجموعه 1190 شاحنة وقود من أصل 8050 شاحنة كان يفترض أن تدخل خلال 161 يومًا من بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، إذ ينص البروتوكول الإنساني على إدخال 50 شاحنة وقود يوميًا.
وحسب الإحصاءات، فإن نسبة التزام الاحتلال بإدخال شاحنات الوقود بلغت 14.7% فقط، وهو ما يفسر العجز الكبير في توفر الوقود والغاز في قطاع غزة.
ويقدر مدير عام الهيئة العامة للبترول في غزة، إياد الشوربجي، احتياج قطاع غزة من غاز الطهي إلى ما بين 350 إلى 400 شاحنة شهريًا بحمولة 8000 طن، بالإضافة إلى 15 مليون لتر سولار تجاري، و2.5 مليون لتر بنزين تجاري.
عجز الكبير
وأوضح أن معدل كميات الغاز التجارية الواردة هذه الأيام 100 شاحنة بحمولة 2000 طن شهريًا تقريبًا، أما كميات الوقود الواردة حاليًا فتمر عبر المؤسسات الدولية التي تخصصها للجانب الصحي والخدمي، وبعض الكميات التجارية الضئيلة التي لا تتجاوز 3 ملايين لتر شهريًا فقط.
وشدد مدير عام الهيئة العامة للبترول على أن العجز الكبير في كمية الوقود والغاز ينعكس سلبًا من حيث توقف عمل المصالح الاقتصادية والخدماتية بشكل كامل أو جزئي، حيث تعمل بعض المنشآت حاليًا من خلال شراء بعض حصص الغاز الخاصة بالمحطات والمواطنين.
وبحسب الهيئة العامة، يحصل أرباب الأسر في غزة حاليًا على أسطوانة غاز سعة 8 كيلوغرامات، لكن دوريتها مربوطة بشكل كامل بالكميات الواردة من الجانب "الإسرائيلي"، وتتراوح منذ وقف إطلاق النار ما بين 100 يوم وانخفاض إلى 45 يومًا في أحسن الظروف.
ولا تتوقف معاناة الغزيين عند هذا الحد، بل تطال القيود الإسرائيلية إجراءات أخرى تعمق من حجم الكارثة الإنسانية، وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي، يفرض الاحتلال قيودًا مشددة ومنهجية على إدخال قطع الغيار بمختلف أنواعها، والزيوت الصناعية اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية، إضافة إلى منع إدخال "الكوشوك" الخاص بالمركبات ووسائل النقل، في انتهاك صارخ ومتعمد يستهدف تعطيل مقومات الحياة المدنية والخدمية في قطاع غزة.
وتنعكس هذه الإجراءات، بحسب الإعلام الحكومي، بشكل مباشر وخطير على الواقع الإنساني، حيث يشهد قطاع النقل والمواصلات حالة شلل شبه كامل نتيجة منع إدخال الكوشوك وقطع الغيار، ما يعيق حركة المواطنين ويحدّ من قدرتهم على الوصول إلى المستشفيات وأماكن العمل ومراكز الإيواء، ويعمّق من حالة العزلة الداخلية والمعاناة اليومية.
ويوضح أن منع إدخال الزيوت الصناعية وقطع غيار المولدات الكهربائية والسيارات يهدد بتوقف مصادر الطاقة البديلة، خاصة في المستشفيات والمراكز الطبية، الأمر الذي ينذر بتداعيات كارثية على حياة المرضى، لا سيما في أقسام العناية المركزة وغرف العمليات، في ظل انهيار منظومة الكهرباء الأساسية.
تعطيل واسع
ويشير إلى أن هذه القيود تؤدي إلى تعطيل واسع في القطاعات الحيوية، بما يشمل النقل والإغاثة والخدمات البلدية، ما يفاقم من حدة الأزمة الإنسانية والاقتصادية، ويرفع معدلات الفقر والبطالة، ويزيد من معاناة أكثر من 2.4 مليون إنسان يعيشون أوضاعًا مأساوية غير مسبوقة.
ومنوّهًا إلى اضطرار المواطنين في قطاع غزة، بفعل هذه السياسات الإجرامية، إلى اللجوء إلى وسائل نقل بدائية وغير آمنة كالعربات التي تجرها الحيوانات أو ما يُعرف بـ"العجلاة"، في مشهد يعكس حجم التدهور الحاد في ظروف الحياة والانتهاك الصارخ للكرامة الإنسانية.
وفِي المحصلة، استمرار هذه الإجراءات الممتدة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية، التي قاربت على العامين ونصف العام، يعكس تعمّق الأزمة وتراكم آثارها بشكل خطير، ويُنذر بانهيار شبه كامل لمنظومة الحياة اليومية، ووقوع كارثة إنسانية مركّبة تتجاوز القدرة المحلية على الاستجابة.
