تقرير / شهاب
شهدت مدينة غزة خلال الأسبوعين الأخيرين تصاعدًا ملحوظًا في عمليات الاغتيال التي تنفذها طائرات الاحتلال "الإسرائيلية"، مستهدفةً بشكل خاص قيادات الصفين الثاني والثالث في الفصائل المقاومة الفلسطينية، بما فيها كتائب القسام وسرايا القدس، إلى جانب قوات الشرطة الفلسطنية.
وتحوّلت عمليات القصف والاستهداف "الإسرائيلي" شبه اليومية إلى واقع مألوف بالنسبة لسكان قطاع غزة، الذين يعيشون منذ أشهر تحت ضغط مستمر، وسط توقف أي تقدم في الملفات الإنسانية والسياسية المتعلقة بالقطاع.
شهدت غزة منذ بدء العدوان "الإسرائيلي"–الأميركي على إيران في 28 فبراير الماضي، جمودًا كاملًا في تطبيق بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تشمل الانسحاب "الإسرائيلي" من بعض المناطق، وإعادة الإعمار، وتوسيع رقعة عمل معبر رفح، وتنظيم العمل في كافة القطاعات الحكومية والأهلية بغزة.
مع تصاعد وتيرة الحرب على الجبهة الشمالية في لبنان، يزداد قلق الغزيين من أن استمرار الاستهدافات اليومية والاغتيالات المركّزة في غزة، والتي قد تؤدي إلى انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الماضي.
الضغط "الإسرائيلي"
ورغم التحذيرات المكثفة التي أصدرتها الأجهزة الأمنية للمقاومة الفلسطينية لعناصرها وقياداتها، يواصل الاحتلال تنفيذ عملياته على نحو متصاعد، مستهدفًا مناطق متعددة في القطاع، ما يعكس استمرار سياسة الضغط "الإسرائيلي" بهدف إبقاء القطاع في حالة توتر دائم، ويضاعف من حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها السكان يوميًا.
ويواصل جيش الاحتلال "الإسرائيلي" خرقه اتفاق وقف إطلاق النار عبر استهداف المدنيين. وطالت الاغتيالات في غزة في الأسبوع الماضي عددًا من أفراد المقاومة في حوادث منفصلة، وفي ذات الفترة طال القصف القوات الشرطية أثناء مهام عملها في خدمة المواطنين في مناطق قطاع غزة.
وبحسب وزارة الصحة، ارتفعت حصيلة ضحايا الحرب "الإسرائيلية" على قطاع غزة حتى أمس إلى 72,263 شهيدًا، وأكثر من 171,944 مصابًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 687 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي.
من جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، وسام عفيفة، لـ"شهاب"، إن سلسلة الاغتيالات الأخيرة في غزة تعكس سياسة "إسرائيلية" متواصلة تهدف إلى الحفاظ على الضغط المستمر على القطاع على كافة الأصعدة.
ويضيف أن القطاع يتجه في المدى القريب نحو مرحلة من الاستنزاف المنضبط، دون أي مؤشرات على تهدئة حقيقية.
ويُوضح عفيفة أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار القصف اليومي والاغتيالات المحددة، مع تكثيف الضغط على البنية الأمنية والإدارية للفصائل، لا سيما الشرطة وأجهزة الضبط الداخلي، بدلًا من العودة إلى اجتياح شامل للقطاع.
ويستند هذا التقدير بحسب عفيفة إلى استمرار الضربات "الإسرائيلية" رغم الهدنة، مؤكدًا أن عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار تجاوز 700، فيما ارتقى حوالي 50 فلسطينيًا منذ بدء العدوان "الإسرائيلي"–الأميركي على إيران في 28 فبراير الماضي.
يؤكد عفيفة أن الأيام الأخيرة شهدت تصاعدًا جديدًا للغارات بعد فترة خفض نسبي، مع تركيز واضح على مركبات الشرطة والعناصر المكلفة بإعادة ضبط الداخل في غزة.
جبهة مشتعلة
ويشير عفيفة إلى أن سياسة الاحتلال تجاه غزة في الوقت الراهن تقوم على استغلال الحرب على إيران كغطاء لإعادة تشكيل الواقع الغزي، عبر إبقاء الجبهة مشتعلة ضمن سقف معين، ومنع الفصائل من استعادة قدراتها، واستنزاف ما تبقى من قدراتها التنظيمية، وفرض معادلة "السلاح أولًا ثم الإعمار".
ويصف عفيفة هذه المرحلة بأنها محاولة "إسرائيلية" لتحويل النار اليومية إلى واقع اعتيادي، يعيق أي تقدم للفصائل في الداخل، ويحد من قدرتها على الانتقال من الدفاع إلى المبادرة.
ويرى عفيفة أنه من المرجح أن يتجه دور فصائل المقاومة نحو الاحتواء الحذر، وأن لا تُحدث هذه الاغتيالات والاعتداءات المتواصلة للاحتلال تأثيرًا جوهريًا على مستقبل وقف إطلاق النار في المرحلة الراهنة.
ويُوضح المحلل السياسي أن استراتيجية فصائل المقاومة في هذه المرحلة ستكون امتصاص الضربات، والحفاظ على ما تبقى من قوتها، وتجنب الدخول في معركة واسعة ما لم يفرض الاحتلال تحولًا أكبر على الأرض أو يرتكب مجزرة نوعية.
ويؤكد عفيفة أن الاكتفاء بتسجيل ما يجري كـ"انتهاكات" لن يكون كافيًا على الصعيدين السياسي والوطني، موضحًا أن الخيار المتاح الآن هو تحويل هذا السلوك "الإسرائيلي" من خانة الرصد إلى خانة الكلفة سياسيًا ودبلوماسيًا وقانونيًا وإعلاميًا، عبر تثبيت أن هذه الهجمات ليست حوادث متفرقة، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تعطيل الهدنة وفرض واقع جديد تحت النار، بما في ذلك خطة ترامب
