"مصائب قوم عند قوم فوائد"، وتفجر الساحة الدولية على ما يبدو هي محط فوائد كبيرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فمنذ بدء المناوشات الروسية الأوكرانية وما سبقه من تولي جو بايدن لرئاسة أمريكا، والولايات المتحدة الأمريكية تهرول نحو إنهاء مسألة الملف النووي الإيراني، والتركيز الكبير على الشرق الأوروبي والطموح الروسي.
بايدن ومنذ توليه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ذكر أن روسيا والصين هي أهم الأولويات لواشنطن في المرحلة الحالية، وبالتالي رُسمت معالم تلك السياسات من خلال الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والتراجع عن الاهتمام بمسألة الشرق الأوسط بشكل نسبي، والعودة إلى مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران بعد انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق السابق، والتركيز على محاولات إبقاء العالم أحادي القطبية، وعدم السماح لأحد الدولتين بالتأثير على هيمنة واشنطن على العالم.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تعتبر هذه السياسات والأولويات الأمريكية، بمثابة مفتاح الفرج بعد سنوات من التضييق والخناق وفرض العقوبات الاقتصادية التي أثرت بشكل كبير على إيران، وبالتالي فإن إيران بدأت تعمل بشكل أكثر حنكة وحكمة، لاستثمار تلك الفرصة لفرض شروطها ورفع العقوبات واستعادة المكانة التي تليق بها، والعمل من جديد على رسم مشروع فارسي في منطقة الشرق الأوسط.
المشروع الفارسي في منطقة الشرق الأوسط والأهداف الإيرانية الساعية لإعادة مجد الجمهورية الإسلامية السابق، تقف إسرائيل أمامه بمشروع التطبيع العربي، والاتفاقات الأمنية، ومحاولات تشكيل حلف عسكري وأمني لمواجهة المد الإيراني والذي تعتبره إسرائيل بالخطر الوجودي لها والأكثر تأثيرا على أمنها القومي، ومشاريعها التهويدية وترسيخ المكانة والهيمنة واحكام السيطرة على المنطقة العربية والخليجية على وجه الخصوص.
ومنذ سنوات والصراع قائم، لكنه بصورة سرية، دون اعتراف أي طرف من الأطراف تبني تلك العمليات أو الاختراقات أو ما شابه من أشكال الحرب الباردة بين إيران وإسرائيل، لكنه في الآونة الأخيرة وخصوصا في ظل الصراع القائم بين روسيا وأوكرانيا والانشغال الدولي بتلك المسألة ظهر بشكل علني، فقد استغلت إيران هذا الحدث وتراجع التأثير أو القوة الأمريكية، وأرسلت رسائل عدة لإسرائيل.
هذه الرسائل هي بمثابة طلقات بسيطة يمكن أن تتطور إلى قذائف وصواريخ في قادم السنوات، خصوصا بعد انتهاء الحرب الأوكرانية الروسية وما قد يترتب عليها من تغيرات في الساحة الدولية، وما قد ينتج عن الاتفاق النووي الإيراني، التي لا تزال إسرائيل تحاول جاهدة على منع التوصل لاتفاق مع واشنطن قد يُحجم أفعالها تجاه إيران، ويتراجع الدعم والاسناد الدولي لها إذا ما أقدمت على أي خطوة ضد الجمهورية الاسلامية.
الطلقات الإيرانية كانت بداياتها بإعلان إيران استشهاد عنصرين من الحرس الثوري جراء ضربات إسرائيلية على سوريا، وأنها سترد على هذا العدوان، وهو ما حدث فعلاُ بعد استهداف إيران بصواريخ بالستية لموقع إسرائيلي حساس في العراق، وهو ما أكده الطرفان وفق وسائل إعلام دولية ومحلية.
أعقب هذا الاستهداف هجوم سيبراني تعرضت له إسرائيل، اعتبرته مصادر أمنية أنه أكبر هجوم إلكتروني على الإطلاق ضد إسرائيل، ورجّحت أن تكون جهة حكومية أو منظمة كبيرة هي التي نفذته.
بعدها أعلن الأمن الإيراني تفكيك خلية تجسس تعمل لصالح إسرائيل في محافظة أذربيجان الغربية (شمال غربي إيران)، وبعدها بيوم أعلن الحرس الثوري أنه أحبط "عملية تخريبية معقدة" كانت تستهدف منشأة فوردو النووية قرب مدينة قُم جنوبي العاصمة طهران، مؤكدا اعتقال جميع عناصر "الخلية المتعاونة مع الموساد الإسرائيلي".
وبعد تلك الطلقات الإيرانية، تتجلى صورة المشهد المستقبلي لهذا الصراع القائم منذ سنوات، بأن ايران متجهة نحو تبني استراتيجية جديدة ضد إسرائيل متمثلة في الهجوم الوقائي اذا صح التعبير، وكما يقول المثل الشعبي " أتغذي بيه قبل ما يتعشى فيه"، كما أن الملف النووي وإنهاءه وما قد يترتب على الحالة الاقتصادية الإيرانية يجعل التركيز الإيراني على المنطقة أكثر من سابقه، وفرص الاصطدام بين ايران وإسرائيل تصبح أكبر كون الأهداف متقاربة.
